"الدودج"... اسم يتردد وذكرياتٌ لا تنسى مع مرور عام جديد على النكبة

نابلس- "القدس" دوت كوم- أنوار نصر- لا يزال الحاج عبد السلام حرحرة (65عاماً) ابن مدينة يافا، يحتفظ بكل ما كان أوصاه به جده قبل وفاته، فما أن تطأ أقدامك عتبة منزله حتى تلمح مفاتيح كبيرة الحجم معلقة على الجدار، وذاك الراديو القديم الذي تربع على المنضدة بعد أن أتعبه كثرة الترداد منذ عام1936، وتلك الجاروشة القديمة اتخذت مكاناً لها في هذا الزمان بين أزقة المنزل العصرية، عدا عن الأواني وأباريق الشاي الفضية، وآلة الموسيقى التي تعود صناعتها للإنجليز قبل حلول النكبة حتى.

كما ولا يزال الحاج حرحرة يحتفظ بالشعار النحاسي الذي كان يميز الخيول العربية عن غيرها، والمصحف الشريف الذي يستخدمه حتى الآن منذ أكثر من مئة وعشرين عاماً.

شاحنة 1941

الشاحنة ذات اللون الأحمر أو كما يطلق عليه (الدودج)، الذكرى الأكثر جمالاً على قلب عبد السلام والتي انطلقت قبل تسعة وستين عاماً، هي أيضا هاجرت من اللد منذ أن كانت في عمر السابعة، حاملة بعضاً من أهل المدينة، وما تبقى مما امتلكوا إلى مخيمات اللجوء، بعيداً عن أرضهم التي اقتلعوا منها عام النكبة.

يقول عبد السلام حرحرة" ورثت هذه الحافلة عن أخوالي مالكيها الأصليين، وقد أوصوني بها قبل مماتهم وها أنا أعتني بها أكثر من أي شيء آخر، وأوصي أبنائي بها بعد وفاتي".

ويتابع حرحرة" هذه الحافة كانت مصدر معيل للعائلات أثناء رحلة الضياع التي عانوا منها في الهجرتين، النكسة والنكبة، فتارةً نقلت السكان، وتارة أخرى كانت تستخدم للتجارة، عدا عن نقلها للبريد والطلاب والحجاج، وفي موسم الحمضيات كانت خير مصدّرٍ للدول العربية والأجنبية، وكذلك نقل الكاز والقزحة بين المدن الفلسطينية".

تميز الدودج

بجمالها وقوة أدائها، وتفاصيلها الصغيرة التي تعيدك إلى زمن كانت تسير فيه كعروس لا يستطيع أحد قطع طريقها، بهذا تميزت شاحنة الدودج التي لا ينقضي أي مهرجان ولا حتى إحياء أي ذكرى تلتصق بالشعب الفلسطيني ونكبته منذ عام 1948، إلا وتكون الدودج أول المدعوين، تأتي حاضرة بكل ما أوتيت من زينة وبهاء مع شبيهاتها من السيارات والحافلات والتي بلغ عددها250في الضفة الغربية تجوب شوارعها لتظل شاهدة على الزمان مع مرور السنوات.

بالإضافة إلى مشاركتها في عدة أفلام قصيرة وطويلة منها( فلم صناعة بريطانية) يحاكي من خلاله حال اللاجئين، ويروي قصة لجوء الدودج إلى مخيم عسكر في نابلس فصديقها والمسؤول عنها لم يبخل عليها بالزينة والعتاد وتجديد أي قطعة تالفة فيها حتى تغدو شاحنة حديثة صالحة للاستعمال تسير في شوارع المخيم.

سرقةٌ واحتيال

كثُر المال، وكثرت أيضاً عروض الإغراء للتنازل عن الحافلة، إلا أن مالكها وفي كل مرة كان يرفض بشكل قطعي التنازل عنها، وخاصة بعد أن عرض عليه وضعها في معرض للسيارات القديمة في مدينة الناصرة.

وبالرغم من كثرة التعهدات الرسمية بإعادة الشاحنة فور انقضاء المهمة التي أخذت من أجلها، إلا أن الحاج عبد السلام يوقن أنه مثل هذه الإثباتات تبقى حبراً على ورق، فلا كلامهم يُصدق ولا أوراقهم تثبت لنا طيب نواياهم، خاصة بعد تجربته الأولى مع اللجوء والاستيلاء على أرضه.

ويقول حرحرة" عرض علي في الآونة الأخيرة فكرة تمثيل الشاحنة لفلم في الداخل المحتل، يحاكي فيه ذكريات الزمن القديم، من خلال الحافلات والشاحنات التي ترجع في تاريخها إلى ما قبل النكبة، إلا أني أعلم أن كل هذه حيل واهية، يأتون بها فقط أجل الاستيلاء وامتلاك الشاحنة، فأنا أرفض وبشكل قطعي إخراجها من نابلس، خشية فقدانها، فقد عرض علي الملايين للتنازل عنها، لكنني رفضت".

أوراق ثبوتية

أما عن ثبوتيتها في دوائر السير الفلسطينية، والأردنية والإسرائيلية والترخيص زمن الانتداب البريطاني الخاصة بالمركبات، يقول حرحرة" لا زلت أحتفظ بكامل الأوراق التي تحض الشاحنة منذ أن كانت ملك لأخوالي من قبلي، فالأختام العربية الأردنية والعبرية لا زالت بحوزتي وها أنا احتفظ بها للأجيال من بعدي كأوراق تثبت ملكيتي لسيارة منذ أول رخصة قيادة وترخيص لها عام 1941، واحتفظ بها أيضاً خشية الاتهام بالتزوير".

ويتابع" الأوراق التي كانت تسمح للدودج بالسير في شوارع الأردن والدول العربية لا تزال في حوزتي، حتى إثبات الترخيص التي أخذها خالي في زمن الملك حسين عندما كانت الأردن وصية على الضفة الغربية".

وبعد معاناة مع دوائر الترخيص هذه الأيام، من أجل أن تبقى الدودج صالحة للاستعمال والسير فيها من دون مخالفة للقانون فقد استطاع حرحرة استصدار الرخص الرسمية من قبل دائرة السير الفلسطينية التابع للسلطة الوطنية.

عبد السلام حرحرة يحاول الآن بكل ما أوتي من قوة استعادة لوحتها وأرقامها الأصلية التي سحبت منها، خاصة بعد أن تم استبدالها بلوحة جديدة تصلح للسير فيها شوارع وأزقة مدينة نابلس وضواحيها.

عبد السلام لا زال يحتفظ أيضاً بمفاتيح بيته في يافا، ويؤكد على أن هذا الزمن إنما هو زمن العودة لا زمن النكبة والتشريد، فقد آن الأوان للعودة لديارهم ودحر المحتل منها.