الأسرى كسبوا موقعة "نيويورك تايمز"

بقلم: الدكتور أحمد جميل عزم

من النادر أن تثير مقالة ما أثارته مقالة مروان البرغوثي في «نيويورك تايمز»، من ضجة، سببها جنون السياسيين الإسرائيليين، واللوبي المؤيد لهم في الولايات المتحدة. والملاحظ أن هؤلاء السياسيين حاولوا ضرب مصداقية مروان وما قاله، بالإشارة إلى أسباب أسره، دون التوقف عند ما قاله بشأن واقع الأسرى. والواقع أنّ التغطيات الإعلامية التي أعقبت المقالات بشأن المقال والاحتجاجات عليه سجلت نصراً للأسرى يمكن عرضه عبر ثلاثة نماذج لردود الفعل هذه، كما سيلي لاحقا، ولكن السؤال يصبح ماذا بعد؟

ما إن نُشر مقال مروان الاثنين الفائت حتى بدأ هجوم السياسيين الإسرائيليين الذين لم يناقشوا مضمون المقال، وصبوا جام غضبهم على عدم إشارة نيويورك تايمز من هو مروان (من وجهة النظر المحكمة الإسرائيلية). وبعد أن نشرت الصحيفة توضيحاً عقب الاحتجاجات، قال بنيامين نتنياهو في حديثه قرب بئر السبع، فيما يسميه الإسرائيليون مدينة "ديمونة"، "إن وصف برغوثي باعتباره قائدا وبرلمانيا، (في المقال الأصلي)، هو كوصف (الرئيس السوري بشار) الأسد، بأنّه طبيب أطفال" (صحح أحد الحضور نتنياهو بأن الأسد طبيب عيون). وافتخر نتنياهو أنّ "الصحيفة تراجعت بعد أن وضّحنا لها الخطأ"، في إشارة للتعقيب الذي أصدرته الصحيفة. وبالمثل هاجم وزراء وسياسيون إسرائيليون آخرون الصحيفة، ونشروا مقالات انصبت كلها على محاولة التذكير بنصوص محاكمة مروان البرغوثي. كما نشر مساعد وزير الخارجية الأميركية السابق إليوت أبرامز، مقالا على موقع مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أعادت مجلة نيوزويك نشره، يكاد يكتفي بالقص واللصق من تغطيات صحف أميركية وإسرائيلية لمحاكمة مروان البرغوثي، دون مناقشة مضمون المقال حقاً، سوى من الجانب الشخصي.

وفي الواقع أنّ ما يسميه نتنياهو تراجعاً من نيويورك تايمز ليس دقيقاً، وحتى طريقة نشر ردود فعل أخرى لم تأت، باعتقادي كما يشتهي الإسرائيليون وأصدقاؤهم، وهذا يتضح من ثلاثة أمثلة. في توضيح نيويورك تايمز، كتبت ليز سبيد التي تعنى في الصحيفة بالتواصل مع القراء، تعقيباً بدأته بالقول إن مروان "شخصية سياسية ذات شعبية غير عادية بين الفلسطينيين خصوصاً لشخص خلف القضبان، هو قيادة كاريزمية، كتب ثلاثة كتب، وعلى مدى سنوات حقق حضوراً فائقاً يتجاوز السجن الإسرائيلي الذي يمضي الزمن فيه". وأعادت نشر فقرات ليست بالقصيرة من مقال مروان، ثم وضعت نماذج من الاحتجاجات على نشر المقال ووضعت تعقيب محرر التايمز. وهذا التعقيب يقول إنّ المقال تضمن (بالفعل) الحكم الذي تلقاه مروان، ولكن لم يضع السياق الذي تضمن "خمس حالات قتل والانتماء لمنظمة إرهابية"، ولكن المحرر أوضح أنّ مروان رفض الاعتراف بالمحكمة وقانونيتها ولم يدافع عن نفسه أمامها.

في المثال الثاني، وهو مقال أبرامز، فإنّ "نيوزويك" وضعت مع المقال فيديو، (يعود لشهر شباط الفائت)، يعلو الصوت فيه، وفيه جاذبية أكثر من المقال، والفيديو لشاب فلسطيني يصرخ متحدياً ديفيد فريدمان السفير الصهيوني الأميركي الجديد في إسرائيل أثناء الاستماع له في لجنة متخصصة في الكونغرس، وعنوان الفيديو يمكن ترجمته إلى "باقون هنا"، وفيه يقول الشاب "يدّعي السيد فريدمان أنه لا رابط بين اللاجئين والأرض، نحن لنا علاقة، أنا هنا، جدي طرد من هنا.."، ورفع الشاب العلم الفلسطيني وأكمل مرافعته، ثم هبت فتاة تصرخ بشأن الاستيطان. وقمتُ بالرد على مقال أبرامز، بتعليق جاء فيه أنّه لم يناقش مقال مروان الذي يشكك بشرعية المؤسسات القانونية الإسرائيلية، وأنّه إذا أردنا القيام بشيء شبيه بما قام به أبرامز، يجب أن يضع المحررون في المجلة، مع نهاية مقاله سيرته الذاتية وإدانته في فضيحة "إيران- غيت".

الجزء الثالث من ردود الفعل الإسرائيلية، هو الأخبار عن معاقبة مروان بنقله لحبس انفرادي وربما محاكمته بسبب نشر المقال، وهو ما يرسل رسالة واضحة أنّ كل ما يهم الحكومة الإسرائيلية هو خنق الصوت الفلسطيني، لأنها خائفة منه.

يشكل الجدل الذي ثار حول المقال فرصة لتنظيم حملة تدعو الصحافة العالمية للإطلاع على قصص الأسرى الفلسطينيين، والحالة التي يعيشونها، وتحويل ذلك إلى حملة لإدانة الحكومة الإسرائيلية ومن يؤيدها.

...عن «الغد» الإردنية