[تحليل].. عوامل داخلية وخارجية تعيق أي توجه عملي لإنهاء الانقسام الفلسطيني

غزة - "القدس" دوت كوم- يكمل الانقسام الفلسطيني الداخلي بعد عدة أسابيع عامه العاشر، في وقت يرى فيه مراقبون فلسطينيون أن إنهاءه بات مهمة "بالغة التعقيد" ترتبط بعدة عوامل داخلية وخارجية على حد سواء.

وبدأ الانقسام الفلسطيني الداخلي في منتصف عام 2007 إثر سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على الأوضاع في قطاع غزة بعد جولات اقتتال داخلي مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية.

وعلى مدار السنوات الماضية فشلت عدة تفاهمات جرى التوصل إليها بين حركتي "فتح" التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس و"حماس" في وضع حد عملي للانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

"مصالح وتأثيرات خارجية"

ويقول رئيس مؤسسة "الدراسات الديمقراطية" في رام الله بالضفة الغربية جورج جقمان، أن الانقسام الداخلي خلق واقعا فلسطينيا مشتتا بين سلطتين تحكمان بشكل منفرد في كل من غزة والضفة الغربية بما ترتب على هذا الواقع من "مصالح خاصة" مرتبطة بالسلطة.

لكن جقمان يعتبر أن استمرار الانقسام الفلسطيني كل هذه السنوات وتكرسه بالوضع الراهن "ليس إرادة فلسطينية فقط"، مشيرا إلى أن العامل الأبرز هو الانسداد السياسي وغياب حل مقبول فلسطينيا.

ويوضح أن غياب حل سياسي للقضية الفلسطينية "يمنع وجود مفاوضات على تقاسم الأدوار والحصص" بين فتح وحماس، ويزيد الأدوار الخارجية المؤثرة لكل من إسرائيل وعدة دول عربية والولايات المتحدة الأمريكية.

وينبه جقمان، إلى اعتبارات سياسية زادت من حدة تكرس الانقسام الفلسطيني، منها الرفض الإسرائيلي والأمريكي لدخول حماس - بمواقفها السياسية المعروفة- منظمة التحرير الفلسطينية، أو دمج عناصرها في إطار الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية.

وعملت حماس منذ سيطرتها على قطاع غزة على تشكيل سلطة خاصة بها من خلال تعيين نحو 40 ألف موظف مدني وعسكري وبسط سيطرتها التامة على كافة مقاليد الحكم في القطاع.

في المقابل واصلت السلطة الفلسطينية صرف رواتب نحو 46 ألف موظف يتبعون لها في قطاع غزة بعد أن طلبت من غالبيتهم التوقف عن العمل فور سيطرة حماس على القطاع، إلى جانب إنفاقها على خدمات أساسية أخرى مثل مجالات الكهرباء والماء والصحة والتعليم.

ورغم تشكيل أول حكومة وفاق فلسطينية من شخصيات مستقلة منذ بدء الانقسام الداخلي وذلك مطلع يونيو/حزيران عام 2014 بموجب تفاهمات لتحقيق المصالحة توصل إليها قبل ذلك بشهرين وفد من منظمة التحرير وحماس في غزة، إلا أن ذلك لم يسهم عمليا في إنهاء الانقسام، اذ ظلت الحكومة تتهم حماس بعدم تمكينها من إدارة قطاع غزة والإبقاء على حكومة ظل تديره، فيما تشتكى الحركة من "إهمال" الحكومة لمسؤولياتها في القطاع وعدم حل أزماته المتفاقمة خاصة صرف رواتب الموظفين الذين عينتهم على مدار سنوات الانقسام.

"تحريك المياه الراكدة"

هذا الشهر سعت السلطة الفلسطينية إلى تحريك المياه الراكدة للمصالحة باتخاذها إجراءات تمثلت بفرض خصومات على نحو 30 في المائة من رواتب موظفيها في غزة، في خطوة قال مراقبون إنها تهدد بزيادة الأزمة الاقتصادية في القطاع المنهك بفعل حصار إسرائيل له على مدار عشرة أعوام.

ولاحقا أعلن الرئيس عباس، أنه بصدد اتخاذ "خطوات صعبة وغير مسبوقة" بشأن استمرار الانقسام الفلسطيني وهو ما تم تفسيره بوقف كل ما تنفقه السلطة على قطاع غزة.

ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي من رام الله هاني المصري، أن عباس يجد حاليا أن الفرصة باتت مناسبة محليا وعربيا ودوليا للضغط الجدي على حماس بغرض إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي وفق رؤيته للحل.

ويبرز المصري، أن أهم الأسباب التي أدت إلى تغيير السياسة المعتمدة نحو غزة وثيقة الارتباط بالتحرك الأميركي المتسارع في عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بهدف تحقيق إنجاز تاريخي (صفقة القرن) لم يستطع أن يحققه الرؤساء الأميركيون السابقون.

كما ينبه إلى أن الرئيس عباس "يدرك جيدا أن ترامب سيضغط عليه عند لقائهما ثنائيا لتخفيض مطالبه باعتبار أنه (الرئيس الفلسطيني) لا يحكم غزة وحماس ليست تحت سيطرته، وبالتالي التشكيك في تمثيله لكل الفلسطينيين وهو ما دفعه لاتخاذ قرارات حاسمة".

لكن المصري يحذر من أن تقود ما اتخذته السلطة الفلسطينية من إجراءات وما يهدد به من تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، مشددا على أن الحل للانقسام كان ولا يزال بإرساء مشاركة سياسية كاملة في مكونات النظام السياسي مقابل تخلي حماس عن سيطرتها على غزة.

"عقدة الملف السياسي"

أعلن مسؤولون في فتح عقب إجراءات السلطة الفلسطينية الأخيرة فيما يتعلق برواتب موظفيها في غزة بأن حماس باتت مخيرة بين أن تسلم حكم القطاع بشكل كامل أو تتولى بمفردها كامل مسؤوليات إدارته.

في المقابل أعلنت حماس استعدادها لحل لجنتها الإدارية لإدارة وزارات ومؤسسات قطاع غزة بشرط أن تتسلم حكومة الوفاق كامل مسؤولياتها في القطاع، وهو أمر لا يبدو في الأفق متاحا الاتفاق عليه بشكل عملي.

ويرى المحلل السياسي من غزة طلال عوكل، أنه ربما يبدو سهلا الاتفاق على طريقة للخروج من التصعيد الأخير في المواقف بين فتح وحماس بشأن استعداد حماس لحل لجنتها الإدارية بمجرد تسلم حكومة الوفاق مهماتها في القطاع.

ويقول عوكل، إن "العقدة تأتي في الشروط اللاحقة التي تتعلق بما قيل إنه مبادرة قطرية تنص على تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على أساس برنامج منظمة التحرير، ويتلو ذلك انتخابات تشريعية ورئاسية بعد ثلاثة أشهر".

ويضيف أن "العقدة هنا تكمن بأن الرئيس عباس لا يقبل بتشكيل أي حكومة لا تلتزم ببرنامجه، ولا حماس تقبل بأن تتخلى كليا عن برنامجها لصالح العمل وفق برنامج اتفاق (أوسلو للسلام المرحلي الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عام 1993) ويتضمن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل".

وينبه عوكل، إلى أن الورقة السياسية التي يقال أن حماس أقرتها ولم تعلنها بعد، تضمنت تطويرا لمواقفها "لكن ذلك التطوير لا يرقى إلى مستوى الاستجابة لمتطلبات استعادة الوحدة استنادا إلى رؤية وشروط الرئيس عباس".

ويخلص عوكل، إلى أن المطلوب "تخلي حماس عن تغليب استمرار سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة والتوجه الجدي مع فتح لاعتماد حل عبر الاتفاق على برنامج وطني يجسد القواسم المشتركة وإرساء مشاركة سياسية كاملة تقوم على الشراكة وليس إقصاء طرف للطرف الآخر".