الجفاف يبدد طموحات منطقة توركانا الكينية النائية بالتنمية

كينيا- "القدس" دوت كوم- ساد أمل في منطقة توركانا النائية الشاسعة في شمال غرب كينيا بأن يدر اكتشاف النفط ومخزونات المياه الجوفية في السنوات الأخيرة إيرادات مالية ضخمة تطوي عقودا من البؤس والتهميش، غير أن الجفاف الذي يضرب شرق افريقيا أعاد المنطقة إلى واقعها المرير.

فقد تبددت الأحلام بمشاريع التنمية الحضرية من طرقات ومستشفيات ومدارس لتعود توركانا إلى حقيقتها كمنطقة مغبرّة مكسوة بالحصى غالبية سكانها مربو مواشٍ شبه رحّل يعيشون من دون كهرباء.

وفي أكثر المناطق النائية، يتوافد أطفال جائعون بعيون ابيضت بفعل فقر الدم وبطون منتفخة من الجوع إلى المستوصفات حيث تصل المساعدات الغذائية والطبية بالتقتير، في حين أصبحت جيف الحيوانات النافقة جراء الجوع والعطش جزءا من المشهد على مشارف القرى.

نصف الآبار جفت أو لم تعد صالحة للاستخدام بسبب النقص في المضخات السليمة، أما الباقية فتعاني استغلالا مفرطا وتصبح في كثير من الأحيان مالحة.

وتقول ايكيرو ايكيتيلا وهي مزارعة محلية "كل حيواناتنا نفقت ونحن مضطرون لشرب المياه الآسنة التي تسبب حالات إسهال"، فيما يؤكد آخرون أنهم يتناولون جيف حيوانات مريضة بسبب "عدم وجود أي بديل".

وفي نهاية آذار/مارس، تحول الأمطار عادة إلى مراع خصيبة السهل المحاط بجبال بعيدة ممتدة أمام قرية لوكامارينيانغ قرب كيبيش في أقصى شمال توركانا، على ما توضح هذه الأم لأربعة أطفال.

لكن في هذا العام، لا تزال التربة جافة.

وقد سلط الجفاف الضوء على هشاشة الوضع في المنطقة إذ إن القطعان التي توسعت مع النمو السكاني الكبير في المنطقة استنفدت الموارد القليلة، فيما تشهد الثروة النباتية التي تساهم في تجدد المياه الجوفية، انحسارا سريعا.

وعلى رغم عدم بلوغ مستويات سوء تغذية شبيهة بتلك المسجلة في الصومال وجنوب السودان، يثير حجم المجاعة في كينيا مخاوف في هذا البلد الذي يمثل أكبر قوة اقتصادية في شرق افريقيا ويتميز بنظام ديموقراطي مستقر نسبيا.

ويشير ممثل منظمة يونيسف في كينيا فيرنر شولتينك إلى أن "صورة كينيا كبلد متوسط الدخل لا تتناسب مع الواقع".

فبعيدا عن الجنوب الزراعي حيث يعيش 90 % من السكان، ثمة منطقة جافة فقيرة في شمال البلاد يتمدد فيها الجوع بسرعة كبيرة.

ففي منطقة كيبيش الواقعة بين اثيوبيا وجنوب السودان، أكثر من نصف الأطفال بين سن ستة أشهر وخمس سنوات يعانون سوء تغذية حادا بحسب منظمة يونيسف.

وفي مطلع العقد الحالي، وعد السياسيون الأكثر تفاؤلا أو ديماغوجية بتنمية سريعة للشمال الكيني الذي عانى طويلا من التهميش من جانب الاستعمار البريطاني ثم من الحكومات التي تعاقبت على الحكم في نيروبي.

ويقول النائب عن توركانا جون ناكارا "التوقعات كان مبالغا بها" إذ إن تطوير منطقة مهملة على مدى عقود "لا يستغرق خمس سنوات بل عشرين على الأقل".

وأطلقت الحكومة الكينية العام 2012 مشروعا طموحا لشق طرق وسكك حديد وأنابيب غاز تعبر مناطق شمال البلاد بينها توركانا وتطوي صفحة الحرمان المزمن.

لكن بعد خمس سنوات، لا يزال المشروع في بداياته.

وفي 2012 أيضا، أعلنت شركة تولو البريطانية اكتشاف احتياطي كبير من النفط مع توقع البدء بالإنتاج في حزيران/يونيو من العام الجاري.

غير أن السلطات الاقليمية والوطنية تختلف على توزيع الإيرادات المستقبلية وتسود شكوك في شأن طرق نقل الذهب الأسود إلى ميناء مومباسا من دون أنابيب للنفط.

وفي 2013، سارعت الحكومة الكينية ومنظمة يونسكو للتهليل باكتشاف احتياطات كبيرة من المياه الجوفية في منطقة توركانا ما ترافق مع سيل من الوعود بمشاريع للري.

غير أن استغلال هذه المخزونات التي وعدت الحكومة بأنها ستغطي حاجة كينيا من المياه لسبعة عقود مقبلة يبدو صعبا.

رغم كل ذلك، لا يبدو المشهد خاليا من التفاؤل.

فقد كان تعامل السلطات في مواجهة الجفاف أكثر فاعلية مما كان عليه مع موجة الجفاف السابقة في 2011.

وأعلنت حكومة نيروبي الجفاف "كارثة وطنية" في وقت يحتاج ثلاثة ملايين كيني مساعدة إنسانية طارئة.

كذلك دعت السلطات إلى مساعدة دولية، لكن "من الواضح أن ذلك غير كاف نظرا إلى الوضع" بحسب فيرنر شولتينك.

وفي الانتظار، لا يزال الطريق طويلا أمام توركانا إذ إن حوالى 92 % من سكانها البالغ عددهم 1,4 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر فيما واحد من كل خمسة سكان فقط يجيد القراءة والكتابة، وهي نسبة أدنى بأربع مرات من المعدل الوطني.

ويدعو المراقبون إلى جعل التعليم أولوية في توركانا لإطلاق عجلة تنويع الإقتصاد المحلي المعتمد بدرجة كبيرة على تربية المواشي.