شتان ما بين الأمنيات والواقع

بقلم: محمد أبو لبدة

ما ان اتصل الرئيس الاميركي دونالد ترامب الجمعة قبل الماضية بالرئيس محمود عباس وتحادث معه بشأن سبل احياء العملية السلمية من جديد في المنطقة حتى بدأ عدد من المسؤولين الفلسطينيين بالتهليل لهذا الاتصال وكأن الرئيس ترامب سيقدم لهم السلام المنشود على طبق من فضة متناسين او متجاهلين عن قصد أو بدون قصد أن الرئيس الاميركي الجديد هو صديق حميم لاسرائيل وأن ابنته واحفاده منها يهود، وان كبار مستشاريه هم من اليهود الداعمين للاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بل والمتبرعين لهذا الاستيطان.

وزاد من هذا التهليل الذي جاء في غير محله الزيارة التي قام بها مبعوث الرئيس ترامب للمنطقة جيسون غرين واجتماعه يوم الثلاثاء الماضي مع الرئيس عباس في رام الله لاستكشاف سبل استئناف العملية السلمية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي.

غير أن الأمور سارت في غير الاتجاه الذي جرى التهليل له عندما اجتمع غرين خلال زيارته للمنطقة مع المستوطنين واستمع الى مطالبهم، وهي المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤول أميركي مع المستوطنين الذين هم في جميع الاعراف والقوانين الدولية يقيمون بالقوة على أراض ليست لهم ويبنون عليها المستوطنات التي يعتبرها العالم قاطبة بأنها غير شرعية خاصة القرار الدولي الأخير رقم ٢٣٣٤ الذي ادانها واعتبرها غير شرعية ومتعارضة مع السلام ومع حل الدولتين لشعبين وطالب اسرائيل بوقفها بما في ذلك المستوطنات في القدس الشرقية.

وقبل أيام معدودة ايضاً وجهت الادارة الاميركية الجديدة ضربة قوية للذين هللوا للاتصال الهاتفي وزيارة غرين، عندما ضغطت اميركا واسرائيل على الأمم المتحدة وجعلت الأمين العام للأمم المتحدة يسحب تقريراً للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الاسكوا» يدين اسرائيل ويؤكد أن الاحتلال الاسرائيلي انشأ بالفعل نظام فصل عنصري.

وأعلنت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أكثر من مرة بأنها لن تسمح بصدور أي قرار أممي ضد اسرائيل، رغم معرفتها بأنها دولة احتلال تسعى الى تكريس احتلالها وتهويد وضم الأراضي الفلسطينية المحتلة واقامة المزيد من المستوطنات عليها لافشال اية حلول سلمية مستقبلية تقوم على اساس حل الدولتين لشعبين وفق الرؤية الدولية بهذا الشأن.

كما دافعت عن دولة الاحتلال الاسرائيلي واعتبرتها بأنها مظلومة وأن العالم منحاز للجانب الفلسطيني ومعاد لاسرائيل.

صحيح أن اتصال ترامب مع الرئيس عباس أكد على عدة حقائق من ابرزها ان الرئيس أبو مازن هو الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني وأن اي خطوات لاحياء عملية السلام لا يمكن لها ان تمر أو تنجح بدون ان يكون شريكاً فيها، كما ان الاتصال الهاتفي وان كان متأخراً الا انه ازاح العزلة عن الرئيس عباس الذي ساءت علاقاته مع الرباعية العربية بعدما رفض وساطتها لحل الخلاف بينه ومحمد دحلان المفصول من الحركة، الا ان ما يهمنا هنا هو ان هذا التفاؤل الذي ابداه العديد من المسؤولين الفلسطينيين وتصريحاتهم عقب المكالمة الهاتفية وزيارة غرين من أن الرئيس ترامب يعد صفقة تاريخية قريبة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن في محله، وان الزيارة التي سيقوم بها الرئيس عباس للولايات المتحدة واجتماعه مع الرئيس ترامب في نيسان المقبل بناء على دعوة الأخير له خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بينهما.

فالرئيس عباس سيذهب لمقابلة ترامب والوضع الفلسطيني الداخلي في أسوأ حالاته حيث الانقسام السياسي والجغرافي والذي يتعمق يوما بعد آخر لدرجة بات يصعب معها انتهاء هذا الإنقسام الأسود والمدمر.

فالشعب ضاق ذرعا بالأوضاع وهو يرى ان السلام بعيد بعد السماء عن الأرض وأن ٢٥ عاما من المفاوضات السلمية لم تؤد الى تحقيق السلام القائم على الحق والعدل، بل على العكس من ذلك استغلت إسرائيل المفاوضات لتكريس احتلالها وزيادة عدد المستوطنات بنسب كبيرة جدا الى جانب إجراءاتها القائمة على قدم وساق بشأن تهويد وضم القدس وإقامة الهيكل المزعوم محل المسجد الاقصى المبارك دون أي تحرك عملي سواء من الجانب الفلسطيني أو العربي والاسلامي الأمر الذي شجع ويشجع اسرائيل على التمادي في انتهاكاتها ومواصلة تعنتها ورفضها للسلام إلا وفق شروطها وإملاءاتها المتمثلة باعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة واستمرار تواجدها العسكري في الاراضي المحتلة تحت مزاعم الحفاظ على أمنها وضم المستوطنات.. الخ من شروط لا يمكن لأي فلسطيني صغيرا أم كبيرا الموافقة عليها، لأنها باختصار ضد حقوق شعبنا الوطنية الثابتة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة القابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف.

أما على الصعيد العربي والإسلامي فإن العالم العربي منهمك في حروبه الداخلية، بل ان بعض دوله تقيم تحالفات وعلاقات سرية مع اسرائيل تحت ادعاء مواجهة الخطر الإيراني، وان آخر ما تفكر به هو القضية الفلسطينية، وان كانت تتشدق دائما بأنها قضية العرب الأولى والمركزية، إلا أننا لا نرى أي خطوات عملية على أرض الواقع وكذلك الحال بالنسبة للدول الإسلامية التي تكتفي فقط بإصدار بيانات الشجب والإستنكار التي لا تسمن ولا تغني من جوع وكفى المسلمين شر القتال.

والأدهى من ذلك والأمر هو أن أية دولة عربية أو اسلامية لم تدن سحب الأمين العام للأمم المتحدة تقرير "الاسكوا" الذي يدين إسرائيل ويعتبرها دولة عنصرية.

وعلى الصعيد الدولي فإن الانحياز الأميركي الأعمى لاسرائيل واضح وضوح الشمس وعليه فان ذهاب الرئيس عباس الى واشنطن للإجتماع مع الرئيس ترامب، سيذهب دون أن يملك أوراق قوة تدعم موقفه وتمسكه بالثوابت الوطنية الفلسطينية الأمر الذي سيجعل ترامب يمارس عليه الضغوط من اجل القبول بالصفقة الكبرى التي يعد لها ترامب والتي لا يمكن ان تكون لصالح شعبنا وحقوقه الوطنية الثابتة، الامر الذي سيعود بعدها الرئيس عباس من هناك وهو خالي الوفاض فلا يمكنه التخلي عن الثوابت ولا يمكنه الموافقة على الشروط الاسرائيلية.

إن التفاؤل في غير محله خاصة وانه في اية مفاوضات فإن الطرف الاقوى هو الذي يملي شروطه، ولما كانت موازين القوى تميل لصالح اسرائيل فانها هي التي ستفرض شروطها، وبالتالي فهي كما عادتها تفشل اي عملية سلمية لان الجانب الفلسطيني لا يوافق على شروطها ولا يمكنه التنازل من جديد بعد ان

قدم تنازلا تاريخيا وهو الموافقة على اقامة دولة فلسطينية على ٢٢٪ من فلسطين التاريخية رغم ان قرار التقسيم الصادر عام ١٩٤٧م يعطي الجانب الفلسطيني حوالي ٤٩٪ من ارض فلسطين التاريخية لاقامة دولته عليها والمعترف بها دوليا.

قد يقول قائل ان الرئيس عباس سيذهب وهو متسلح بقرارات القمة العربية التي ستعقد نهاية الشهر الجاري في عمان، غير ان هذه القرارات ستبقى حبرا على ورق ما دامت لا تساندها اية اجراءات على ارض الواقع وما دام العالم العربي ضعيفا ويتساوق العديد من حكامه مع الغرب فان العالم لن يعير قراراتهم اي اهتمام.

ومن هنا فقد كان من المفترض من الجانب الفلسطيني وتحديدا من الرئيس ابو مازن ان يذهب الى واشنطن لمقابلة ترامب وهو يحمل اوراق قوة تجعل الادارة الاميركية الجديدة تضغط على اسرائيل الدولة المحتلة وليس على الجانب الفلسطيني لانتزاع المزيد من التنازلات منه.

نأمل ان نكون مخطئين في تقديرنا للموقف وبأن تكون «الصفقة الكبرى» التي يعد لها الرئيس ترامب في صالح شعبنا، ولكن هناك فرق كبير بين الامنيات والواقع.

بقي ان نشير الى انه عندما طلب من وزير الخارجية الاميركي الاسبق كيسنجر بأن يحقق بعض المكاسب خلال محادثاته مع الجانب الفيتنامي لصالح فيتنام الجنوبية وامريكا قال ان ما يجري على ارض الواقع هو الذي يكتب على الورق ويوقع عليه فقوات فيتنام الشمالية تحقق انتصارات وتلحق الهزيمة بالقوات الاميركية وقوات فيتنام الجنوبية ولا يمكن ان يكتب على الورق ويوقع عليه سوى ما تشاهده على ارض الواقع.

وهذا الامر يبدو ان بعض الفلسطينيين والقادة العرب قد نسوه او تجاهلوه عن قصد او بدون قصد وصدق الشاعر الذي قال: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.