مستقبل المنطقة في ضوء الحرب على الإرهاب

حسن نافعة

تؤكد مؤشرات عديدة أن الإدارة الأميركية الجديدة والحكومة الإسرائيلية الحالية توصلتا إلى رؤية تسمح ببلورة استراتيجية شرق أوسطية مشتركة تتمحور حول «التصدي للإرهاب الإسلامي بشقيه السنّي والشيعي»، وفقاً للمصطلحات المستخدمة من جانب دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو.

وإذا كانت عبارة «التصدي للإرهاب السنّي» تعني إدراج التنظيمات التي تتخذ من «فقه السنّة والجماعة» مرجعية فكرية لتبرير عملياتها «الجهادية»، وفي مقدمها تنظيم «داعش» وغيره من التنظيمات المماثلة، ضمن قائمة التنظيمات المطلوب تدميرها واستئصالها، فإن عبارة «التصدي للإرهاب الشيعي» تعني إدراج الكيانات التي تتخذ من «ولاية الفقيه» مرجعية فكرية لتبرير سياساتها «الجهادية»، وفي مقدمها إيران و «حزب الله» ضمن قائمة الكيانات المطلوب إزاحة قياداتها أو إجبارها على تغيير سياساتها.

ولأن الشيعة والسنّة منهمكون في حرب حقيقية يتصاعد لهيبها من مختلف جنبات العالمين العربي والإسلامي، يعتقد كل من ترامب ونتانياهو أن استراتيجيتهما الجديدة ستساعد ليس فقط على تعميق الصراعات المحتدمة على مسرح الشرق الأوسط، وإنما ستوفر أيضاً غطاءً سياسياً يسمح بتشكيل تحالف عسكري من دول «الإسلام السنّي» يمكن أن تشارك فيه إسرائيل، من دون اشتراط تسوية مسبقة للقضية الفلسطينية، وهو ما يعني بدء عملية التصفية لهذه القضية. لذا يسود الاعتقاد لدى أصحاب هذه الرؤية أنها تصلح أساساً لبناء استراتيجية قادرة على توظيف تناقضات المنطقة في شكل أفضل لتحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية المشتركة.

ومن الواضح أن هذه الرؤية تقوم على فرضيتين، تبدو إحداهما عصية على التصديق، أما الأخرى فيصعب استبعادها ابتداء. الفرضية الأولى: أن الإرهاب صناعة «إسلامية» خالصة، لإسرائيل والولايات المتحدة مصلحة مؤكدة في محاربتها، وهي فرضية غير منطقية وغير قابلة للتصديق لأنها تتناقض مع كل الحقائق التاريخية المؤكدة.

الفرضية الثانية: أن الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية ليس أمامها سوى أن تتعامل إيجابياً مع هذه الإستراتيجية وأن تتعاون لإنجاحها، بصرف عما إذا كانت ترى أنها تحقق مصالحها أم لا، وهي فرضية لا تبدو مستبعدة.

يشير التعريف المبسط للإرهاب إلى أنه «استهداف ممنهج للمدنيين بقصد تحقيق أغراض سياسية»، وفي حال اعتماده سيتضح لنا بسهولة أن لإسرائيل والولايات المتحدة علاقة عضوية بالظاهرة الإرهابية، بل لا مبالغة في القول إن إسرائيل هي أصل هذه الظاهرة والمتعهد الرئيس بغرس جذوره في تربة المنطقة، كما أن الولايات المتحدة هي الراعي الرسمي والمتعهد بالسهر على نمو الإرهاب وازدهاره في هذه المنطقة.

لقد اهتمت الحركة الصهيونية العالمية، حتى قبل صدور وعد بلفور أو بدء سريان الانتداب البريطاني على فلسطين، بتشكيل ميليشيات شبه عسكرية مهمتها «حماية أمن المستوطنات اليهودية»، وتعتبر «هاموشير» أول منظمة يهودية أنشئت لهذا الغرض عام 1909، ثم راحت معدلات إقامة هذا النوع من المنظمات تتسارع بالتوازي مع تسارع معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تحت حماية الانتداب البريطاني، وهو ما أدى إلى تشكيل «الهاغانا» و «البالماخ»، ومن بعدهما توالت أجيال متعاقبة لتنظيمات بدت أكثر تطرفاً ويمينية، من أمثال «أرغون» و «إتسل» و «ليحي» وغيرها.

ولأن الهدف من إنشاء هذه المنظمات لم تكن حماية أمن المستوطنين اليهود بقدر ما كان تمهيد الطريق لإقامة «دولة يهودية كبرى من النهر إلى البحر»، فقد لجأت إلى أشد أنواع الإرهاب فتكاً لترويع الفلسطينيين وإجبارهم على ترك قراهم وأراضيهم وديارهم، كوسيلة لتمكين المشروع الصهيوني من تحقيق غاياته النهائية. الدليل على ذلك إقدام العديد من هذه المنظمات على ارتكاب مئات المجازر البشرية، من نوع دير ياسين، بل إن بعضها لم يكتفِ باستهداف الفلسطينيين وحدهم وإنما استهدف كل من يقف عقبة في طريق المشروع الصهيوني، حتى لو كانوا بريطانيين أو يهوداً أو مبعوثين أمميين.

ويكفي أن نذكر هنا أن الإرهاب اليهودي مسؤول عن تفجير فندق داوود في القدس يوم 22 تموز 1942، وهو التفجير الذي راح ضحيته 91 شخصاً، بينهم 41 فلسطينياً و28 بريطانياً و17 يهودياً و5 من جنسيات أخرى، وهو المسؤول أيضاً عن اغتيال الكونت برنادوت، الديبلوماسي السويدي ومبعوث الأمم المتحدة إلى فلسطين، في 17 أيلول 1948. ولا ينبغي أن ننسى أبداً أن كل المنظمات الإرهابية اليهودية التي أنشئت قبل قيام دولة إسرائيل، بما فيها منظمة «ليحي» الأكثر تطرفاً، اندمجت في «جيش الدفاع الإسرائيلي» عقب إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948. لذا لم يكن غريباً أن يصبح هذا الجيش نفسه جيشاً لدولة قامت على هذه السياسة، بدليل وصول مناحيم بيغن إلى منصب رئيس الوزراء. ولذا لم يكن غريباً أن يقوم الجيش الإسرائيلي باغتيال الأسرى المصريين في حرب 1956، وأن تتواصل حروبه التي كان آخرها الحرب التي شنها على قطاع غزة عام 2012 والتي راح ضحيتها آلاف الأطفال، وأن يصبح هو الراعي الرسمي للتوسع الاستيطاني اليهودي على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

أما عن علاقة الولايات المتحدة بالإرهاب فحدث ولا حرج. وبوسع أي باحث أن يغوص عميقاً بحثاً عن جذور هذه العلاقة. غير أن الفصل الخاص بدور الولايات المتحدة في إنشاء المنظمات «الجهادية» التي تم استخدامها لمقاومة الغزو السوفياتي لأفغانستان ربما يكون الفصل الأكثر دلالة على رسوخ وتجذر هذه العلاقة. فقد أقدمت أجهزة الاستخبارات الأميركية على تشكيل وتمويل وتسليح منظمات «إسلامية» لاستخدامها كأداة لاستنزاف الاحتلال السوفياتي في أفغانستان، وحين تركت وشأنها بعد نجاحها في إجبار الاتحاد السوفياتي على الانسحاب من أفغانستان تحولت إلى نواة لتنظيمات إرهابية، من قبيل تنظيم «القاعدة» وغيره من التنظيمات التي راحت تصب جام غضبها ليس فقط على الولايات المتحدة نفسها، وهو ما تجلى بوضوح في أحداث أيلول عام 2001، ولكن أيضاً على الأنظمة العربية التي تدور في فلك إسرائيل والدول الغربية. وعلى رغم قيام الولايات المتحدة ببذل جهود كبيرة نجحت إلى حد كبير في وقاية أرضها من عمليات إرهابية مماثلة لتلك التي ضربتها في أيلول، إلا أن سياستها المعلنة لشن «حرب كونية على الإرهاب» فشلت فشلاً ذريعاً.

ولا يستطيع أي باحث موضوعي أن ينكر أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق عام 2003، والتي لم تتردد الأمم المتحدة في وصفها بالحرب «العدوانية» وراح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، شكَّلت الحاضنة الأكثر تفريخاً للإرهاب. بل يمكن التأكيد أن السياسات التي انتهجتها الإدارة الأميركية خلال فترة احتلال العراق كانت السبب الرئيس في إشعال وتغذية الحرب الأهلية بين السنّة والشيعة والتي لا تزال ألسنتها تتصاعد في الكثير من الدول العربية والإسلامية. لذا يبدو أن الرأي القائل إن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تستخدم التطرف الإسلامي وسيلة لتفتيت دول المنطقة لمصلحة إسرائيل، لا يخلو من وجاهة، على رغم رفضنا الكامل لنظرية المؤامرة، خصوصاً حين يساء استخدامها وتوظّف للتغطية على أخطاء الحكام والنخب العربية أو لتبرير هذه الأخطاء.

لا شك في أن للظاهرة الإرهابية المنتشرة في العالمين العربي والإسلامي جذوراً محلية، فكرية واجتماعية وسياسية، ويغذي هذه الجذور فساد واستبداد تتسم بهما بعض نظم الحكم العربية، غير أن شكوكاً عميقة تحوم حول صدقية وجدوى السياسات الغربية المعلنة لمكافحة الإرهاب، خصوصاً الأميركية والإسرائيلية منها. والدليل على ذلك أن خطر الإرهاب يتسع ويتزايد وينتشر على الدوام، على رغم أن الموارد البشرية والمادية الموجهة لمكافحته تبدو ضخمة إلى درجة أصبحت تشكل عبئاً على التنمية وخصماً من موارد كان يفترض أن توجه لمكافحة التهديدات العالمية الأخرى، كالفقر والأوبئة والجريمة المنظمة والتلوث وارتفاع درجة حرارة الأرض وغيرها من الأخطار المحدقة بالبشرية كلها.

ليس مستبعداً أن تتمكن المعارك الدائرة الآن في الموصل، وكذلك المعارك التي قد تدور غداً أو بعد غد في الرقة، من إلحاق هزيمة بتنظيم «داعش»، غير أني أشك كثيراً في أن يؤدي ذلك إلى القضاء على هذا التنظيم الشرس، ناهيك عن أن تتمكن تلك الهزيمة من وضع حد للظاهرة الإرهابية نفسها. لذا فالأرجح أن ينشأ جيل جديد من تنظيمات إرهابية أكثر تطرفاً ووحشية من جيل «داعش»، ومن ثم على الدول العربية، شعوباً وحكومات، ألا تنخدع بشعارات الحرب على الإرهاب، خصوصاً عندما تتشدق بها شخصيات من أمثال دونالد ترامب أو بنيامين نتانياهو. فالأول يكره الإسلام والمسلمين، بل يكره كل ما هو غير أميركي مسيحي أبيض، أما الثاني فلا همَّ له سوى تحقيق حلمه الصهيوني بدولة يهودية كبرى تمتد من النيل إلى الفرات، وهو على يقين من أنه سيواصل سعيه إلى تحقيق هذا الهدف حتى لو تحقق على حساب الولايات المتحدة نفسها.

لا حل لمشكلات المنطقة إلا بوحدة الدول العربية من ناحية، وبوضع حد للفتنة بين الشيعة والسنّة من ناحية أخرى. وما لم يتحقق ذلك سيدفع العرب والمسلمون من دون استثناء فاتورة باهظة.

عن «الحياة»