ريما خلف.. رمز للمرأة العربية

رام الله - "القدس" دوت كوم - الامتعاض الإسرائيلي الأمريكي من ريما خلف الأمينة العامة للجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا)، ليس الأول من نوعه.

فقد أثار تقرير التنمية البشرية العربية لعامي 2002 و2003 الذي أشرفت ريما خلف على إصداره جدلًا كبيرًا وتعرضت لهجوم كبير.

وقد جاءت الضجة الجديدة بشأنها بعيد إصدارها تقرير الإسكوا قبل أيام، الذي تضمن أن الاحتلال الإسرائيلي أنشأ بالفعل نظام فصل عنصري (أبارتايد)، ودعت لإعلان الطوارئ لمتابعة شؤون ضحاياه من الفلسطينيين.

وأكدت خلف أن نظام الفصل العنصري يقوم على تفتيت الشعب الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا، و قمع الفلسطينيين حيثما وجدوا.

وما قالته ريما خلف يمثل الحقيقة التي لا يريد أحد في واشنطن وتل أبيب سماعها، وقد صموا آذانهم تجاهها.

كان من الصعب أن يتنبأ أحد بأن الطفلة سليلة عائلة خلف في بلدة العيزرية بمحافظة القدس والتي رأت النور في الكويت، عام 1953 وامتازت بالخجل والتردد والحساسية الشديدة، أن تحقق ما حققته، وتحتل أرفع المناصب أردنيًا ودوليًا، وتصبح رمزًا بارزًا للمرأة العربية.

أنهت ريما خلف ، دراستها الثانوية في عمّان، مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وشدت الرحال وراء طموحها الكبير إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، والتحقت بكلية الاقتصاد التي نالت منها درجة البكالوريوس العام 1976، وفي الجامعة نفسها، تعرفت بالرجل الذي صار زوجها رجل الأعمال هاني الهنيدي.

تلك الفترة الصعبة، التي شهدت بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، والمأزق الذي وجدت الثورة الفلسطينية نفسها تراوح فيه، تركت أبلغ الأثر في تركيبتها الفكرية، ووسعت من مداركها السياسية، وهي التي وعت السياسة مبكرًا، فقد كانت في يفاعتها قريبة من حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح.

سافرت ريما خلف إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمها، وحازت شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة بورتلاند العام 1984.

وبعيد عودتها إلى الأردن، التحقت بالعمل في وزارة التخطيط مطلع العام 1985، حيث ظهرت مواهبها، وترقت لتصبح مديرة دائرة الدراسات والتخطيط، ثم انتقلت للعمل مديرة لدائرة المراكز التجارية، فمديرة لدائرة تشجيع الاستثمار.

الخطوة التي تلت مسيرتها المهنية يعزوها مطلعون إلى اكتشافها من قبل مكتب وليّ العهد آنذاك، الأمير الحسن بن طلال، من جملة شبان طموحين وواعدين، وهي أصلاً مؤهلة لها، واعتبرت في عقد التسعينيات واحدة من فريق اقتصادي قريب من مكتب الأمير.

وعلى خطى والدها المهندس محمد خلف الذي تولّى الوزارة مرتين مطلع السبعينيات، كانت الأولى في حكومة وصفي التل الخامسة التي تشكلت في تشرين الأول 1970، اختيرت عام 1993 وزيرة للصناعة والتجارة في حكومة عبدالسلام المجالي الأولى التي وقّعت معاهدة السلام مع إسرائيل.

كما اختيرت في التشكيلة الوزارية لحكومة الأمير زيد بن شاكر الثالثة، لتتولّى حقيبة التخطيط، وهي ليست بعيدة عن تخصصها وخبرتها، واستمرت في منصبها في حكومة عبدالكريم الكباريتي التي تشكلت عام 1996، كما هو الحال في حكومة عبدالسلام المجالي الثانية التي أعقبتها 1997

عند تشكيل حكومة عبدالرؤوف الروابدة العام 1999، اختيرت نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرة للتخطيط، لكنها لم تلبث أن اختلفت مع الروابدة، وتركت منصبها.

ويكشف موظف كبير عمل معها السبب الحقيقي للخلاف بأنه أولاً اختلاف في النهج والرؤية الاقتصادية، وثانيًا لأنها قررت التمديد لموظف في وزارتها جاوز سن التقاعد والروابدة رفض.

ويزيد: إنها كانت خلاقة في مواقعها، برأي سديد ومعرفة أكيدة وجرأة في الطرح .

لم تغرب الشمس عن ريما بتركها آخر منصب حكومي تولته، كما هو حال كثيرين، فسرعان ما انتقلت للعمل في المسرح العالمي أمينًا عامًا مساعدًا ومديراً إقليمياً لمكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث برزت وأبدعت، ما دعا كاتبة أردنية إلى اعتبارها فخراً للنساء العربيات.

ويصفها مقرب عمل معها في وزارة التخطيط وفي المنظمة الدولية بأنها “على درجة كبيرة من الحرفية في جميع الأمور ذات العلاقة بالاقتصاد السياسي، مجتهدة جداً ومتعبة في العمل، لكنها تحرص على أن يشعر من يعمل معها بأقصى درجات الراحة النفسية”.

وأثار تقرير التنمية البشرية، العربية لعامي 2002 و2003، الذي أشرفت ريما خلف على إصداره جدلاً كبيراً، وتعرضت لهجوم كبير على اعتبار أن التقرير “نشر غسيلنا في الخارج” دون أن يلتفت منتقدوها إلى أن الصمت على تفشي الفقر والجهل دفن للرؤوس في الرمال.

وأبرز ما جاء في التقرير أنه تحدى القيادات العربية للتغلب على ثلاث عقبات أساسية للتنمية الإنسانية بتخفيف القبضة على الحريات، ومنح الحقوق للمرأة، وإشاعة المعرفة في المنطقة.

ومن صفاتها أنها “عنيدة في الحق” ويضرب مثلاً بأن “الولايات المتحدة وإسرائيل ضغطتا كيلا يتم نشر تقرير التنمية البشرية، ما دفعها للتمسك بنشره، مؤكدة أنه إذا لم يصدر عن الأمم المتحدة فستنشره من خلال أي منبر آخر”.

عملت بمنصب المديرة التنفيذية لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وهي تجربة ثرية في مسيرتها، لطالما تذكرها بالخير.

حين تلقت العرض قبلته دونما تردد، على الرغم من أنها رفضت عروضاً أخرى انهالت عليها، لاعتبارين: الأول مرض ووفاة والدتها المفاجئ، وهي الأقرب لها، كونها الوحيدة بين ولدين، والثاني أنها ترغب بالعمل في مؤسسة تضيف لها وتتيح لها التحليق.

وبعيداً عن هموم الاقتصاد والتنمية وهموم العمل، تتبدى إنسانيتها بشكل غامر بعلاقتها بعائلتها، وحبها واحترامها لزوجها، وعاطفتها تجاه ابنيها خليل وعمر، كما تتبدى في أوقات الشدة، خاصة حين أصيب أحد ولديها بحادث، وحين وفاة والدتها.

تصفها مقربة منها أنها أنيقة بلا مبالغة، قريبة للقلب، تتحدث بهدوء إنما بتصميم، وتعرف ما تريد، وتتسم بالديمقراطية، وتمقت الواسطة والمحسوبية، وتهزها الوردة، وتستوقفها.

وقبل سنوات طلب السفير الإسرائيلي لدى منظمة الأمم المتحدة رون بروس، من الأمين العام السابق للمنظمة بان كي مون، إيقاف وطرد الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، ريما خلف، بسبب “مواقفها المعادية لليهود”، على حد وصفه.

وكانت خلف قالت في حفل إطلاق تقرير الإسكوا الذي حمل عنوان “التكامل العربي: سبيلاً لنهضة إنسانية” في تونس، خلال شهر شباط الماضي، إن أشكال الاستباحة الخارجية للحقوق والكرامة العربية تتعدد، ويبقى أسوأها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان السوري، وأراض لبنانية، احتلال يستمر دون رادع في خرق سافر للقرارات والمواثيق الدولية .

اختيرت من قبل صحيفة الفايننشل تايمز كإحدى الشخصيات الخمسين الأولى في العالم التي رسمت ملامح العقد الماضي.

تولت رئاسة المجلس الاستشاري لصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية 2006-2007 ولجنة تحديث إدارة مجموعة البنك الدولي 2008-2009 والمجموعة الاستشارية لمشروع إدارة الأمن العالمي 2007-2008

عملت باحثة زائرة في جامعة هارفارد لربيع 2009-2010.

ومن إنجازاتهاإطلاق سلسلة "تقرير التنمية الإنسانية العربية". وقد حاز العدد الأول من هذه السلسلة "خلق الفرص للأجيال القادمة" على جائزة الأمير كلاوس في عام 2003، ونال العدد الثالث منها "نحو الحرية في الوطن العربي" جائزة الملك حسين للقيادة في عام 2005.

نالت جائزة جامعة الدول العربية للمرأة العربية الأكثر تميّزاً في المنظمات الدولية عام 2005

شهادة الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية من الجامعة الأميركية في القاهرة عام 2009 تقديراً لما أطلقته من مبادرات للمنطقة في التعليم، وحقوق الإنسان والمشاركة المدنية، والنمو الاقتصادي.