شبان من غزة ... تحولت أحلامهم الوردية الى كابوس!

غزة- "القـــدس" دوت كوم- محمود أبو عواد - ساعة ونصف قضاها توفيق ذو الرابعة والعشرين عاما، ينتظر من ينقذه ويخرجه من مياه نهر ماريج الذي يربط بين تركيا واليونان الذي كاد أن يغرق في مياهه كما المئات من المهاجرين الذين كانت تنجح قوارب ومراكب صيد بإنقاذهم تارةً وتحمل جثث بعضهم تارةً أخرى بعد أن توفوا غرقا.

توفيق الذي غادر قطاع غزة قبل 11 شهرا إلى تركيا لينطلق منها إلى أوروبا وفق مخططه للهجرة الأبدية من قطاع غزة، كانت تراوده الكثير من الأحلام الوردية لتحقيق حلمه بالخروج من غزة والبحث عن حياة جديدة كان يأمل منها أن يعيش مستقلا بقراره وذاته وأن تفتح له الدنيا أبوابها بإيجاد فرصة عمل وبناء مستقبل بعد أن كان فقد الأمل في الحصول على ذلك خلال وجوده في القطاع نتيجةً للظروف الاقتصادية الصعبة.

ولم تسعف طريق الهجرة الطويل إلى أوروبا توفيق بالوصول إلى مبتغاه رغم مرور فترة زمنية ليست بالقصيرة، فبات حبيسا لشوارع اليونان المخيفة التي تمتلئ بالمهربين وتجار المخدرات واللصوص وغيرهم على أمل أن يجد طريقا يمكن من خلالها الوصول إلى إيطاليا أو بلجيكا أو أي من الدول الأوروبية التي تحتضن في السنوات الأخيرة مئات الآلاف من المهاجرين.

ويقول توفيق المتواجد في اليونان التي وصلها قبل 3 أشهر فقط، أن رحلته إلى البلاد كانت خطيرة جدا وكاد خلال قطعه للنهر مع العشرات من المهاجرين أن يتعرض للغرق. مشيرا إلى أنه فقد ملابسه كليا ونحو 1300 دولار في مياه النهر بعد أن تعرضوا للغرق جميعا وتم إنقاذهم بصعوبة.

وعن ظروف ما جرى معه، أوضح توفيق في حديث خاص لـ القدس، أنه قطع ونحو 30 مهاجرا من جنسيات عربية مختلفة ما يقارب من 7 ساعات مشيا حتى وصلوا من طرق التفافية وزراعية وغابات إلى منطقة آمنة في النهر يستطيعون منها المغادرة بسبب تشديد القوات التركية إجراءاتها في الكثير من تلك المناطق.

وبين أنهم ما لبثوا أن وصلوا إلى نقطة الانطلاق حتى ارغمهم المهرب على ركوب قارب صغير عند الساعة الخامسة فجرا، رغم أنه لم يكن يتسع لعددهم الكبير، مشيرا إلى أن كل شخص منهم دفع 2000 دولار بزيادة أكبر من أي مهاجرين آخرين لضمان سرعة نقلهم.

وأشار إلى أنهم وجدوا صعوبات بالغة حتى وصلوا لمناطق قريبة من الشواطئ اليونانية إلا أن القارب الذي كانوا على متنه لم يتحمل العدد الكبير من المهاجرين فانقلب بهم عدة مرات قبل أن ينجحوا في كل مرة في إنقاذ أنفسهم حتى وصلوا للشواطئ بعد أن تمكن بعضهم من ركوب سفن صيد يونانية.

وقال "ساعة ونصف قضيتها في مياه البحر قبل عدة أميال من الوصول لشواطئ النهر من الجهة اليونانية". مبينا أن قارب صيد على متنه 5 يونانيين هم من أنقذوه من موت محقق حتى أخرجوه إلى الشواطئ دون أن يعرف مصير من استطاعوا البقاء على القارب الذي كان على متنه وإذا ما كانوا اعتقلوا عن الشواطئ أو تمكنوا من إنقاذ أنفسهم والفرار.

وأضاف "من حسن حظي أن قارب صيد من أخرجني للشواطئ وإلا كنت من الممكن أن اعتقل كما أعداد كبيرة من المهاجرين الذين تعتقلهم القوات اليونانية".

وذكر أنه وجد العشرات من الشبان الغزيين في أثينا يقطنون مع بعضهم البعض وهم يعيشون في ظروف صعبة ويبحثون عن العمل لحين أن تتوفر لديهم فرصة الخروج من البلاد إلى أي دولة أوروبية أخرى.

وأوضح توفيق في حديثه لـ القدس، أن عمليات التهريب من اليونان إلى دول أوروبا المختلفة شبه متوقفة بعد الإجراءات الأمنية التي اتخذتها دول أوروبية عدة لمنع وصول المهاجرين إليها. مشيرا إلى أن غالبية المهربين باتوا يواجهون مصاعب ومخاطر كبيرة لتأمين إمكانية نقل المهاجرين إلى دول أخرى في أوروبا وأن بعضهم يطلب أموالا طائلة لكي يستطيع إدخالهم لإحدى تلك الدول.

وأضاف "أعيش مع 8 شباب جميعنا من قطاع غزة في شقة سكنية صغيرة تم استئجارها، وجميعنا بلا عمل ونصرف من بعض الأموال التي كانت بحوزتنا قبل خروجنا من غزة والبعض يتلقى حوالات مالية من عائلته في القطاع".

وتدفع الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة، الشباب للفكرة كثيرا بالهجرة من خلال السفر لتركيا ومنها إلى دول أوروبا أو بطرق أخرى بحثا عن مستقبل وحياة أفضل.

ويقول مهند صديقه في الشقة والذي وصل اليونان قبل 4 أشهر "الكثير منا جاء إلى اليونان على أمل أن ينتقل إلى بلجيكا أو ألمانيا أو أي دول في أوروبا ليحقق حلما واحدا من أحلامه الكثيرة، لكنا صدمنا بواقع مختلف تماما وبدلا من أن تفتح لنا تلك البلاد أبوابها أصبحنا مثل المشردين لا نفرق عنهم سوى أن هناك بيتا يجمعنا ولدينا عوائل في غزة يمكن أن ترسل المال لنا لنصرف على أنفسنا بدلا من أن أحلامنا الكثيرة كانت تعصر في مخيلتنا أننا سنكسب المال من هجرتنا ونرسل لأهالينا الذين يعانون في الأساس ظروفا اقتصادية صعبة".

ويشير مهند إلى أن جميع الخطط التي وضعها الشبان اصطدمت بواقع صعب جدا لم يكن أحد يتخيله قبل الخروج من غزة. مشيرا إلى أن عددا من الشباب يخططون للعودة إلى القطاع فيما يفضل الآخرون البقاء هنا حاملين بصيصا من الأمل بين ثنايا أفكارهم في إمكانية أن يحققوا جزءًا من أحلامهم.

وأشار إلى تعرض بعض الشباب إلى عمليات نصب من قبل المهربين وخسارتهم لأموال كثيرة بسبب طمع أولئك التجار الذين كانوا يختفون في كثيرا من الأحيان عن الأنظار بعد أن يجمعوا أموالا طائلة من مهاجرين فلسطينيين وسوريين وعراقيين وغيرهم.

وأضاف "الدول الأوروبية تحارب بشدة عمليات الهجرة ولم تعد مثلما كانت سابقا". موجها نصائحه للشباب من غزة وغيرهم بالتفكير أكثر من مرة قبل السفر بهدف الهجرة في ظل هذه الأوضاع الصعبة التي يعيشها المهاجرون في الخارج.