سياسة ترامب الخارجية غامضة وتتأرجح بين الإرتباك وتهميش دور وزارة الخارجية

واشنطن- "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات - ركز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه الأول أمام الكونغرس الأميركي على كافة القضايا المتصلة بالسياسة الداخلية (ومنها فرص العمل والهجرة والضرائب والرعاية الطبية) ولكنه أغفل تماماً السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ويعتقد مراقبو السياسة الخارجية والأمنية في وشنطن ، أن الرئيس ترامب أضاع فرصة مهمة لإظهار إدراكه لتهديدات وفرص السياسة الخارجية التي تواجه البلاد، وشرح رؤيته لدور القائد الأعلى للقوات المسلحة وفهمه لدور الولايات المتحدة في العالم.

ويقول مسؤول سابق في الخارجية الأميركية طلب عدم ذكر اسمه أن "الرئيس أخفق في الحديث عن قضايا السياسة الخارجية التي تثقل كاهل الولايات المتحدة، وفي لحظات بالغة الحرج تخص دور الولايات المتحدة الريادي في المسرح الدولي، حيث أن هناك تراجع ملحوظ في سمعة الولايات المتحدة ، واكتفى بالتباهي بخطط إغداق المزيد من المليارات من الدولارات على وزارة الدفاع، دون توضيح كيف يمكن لذلك أن يعزز الأمن القومي الأميركي".

يشار إلى أن الرئيس ترامب تحدث مطولاً عن خططه لطرد ومنع دخول المهاجرين الذين يعتبرهم خطرين، ولكنه لم يتطرق بعمق إلى التهديدات الحقيقية التي يشكلها تنظيم (داعش) وغيره من التنظيمات المتطرفة. كما أن الرئيس لم يقدم أي فكرة متماسكة حول التحديات الكبرى المستمرة في كل من أفغانستان وسوريا والعراق واليمن وليبيا، بل أنه لم ينبس ببنت شفة عن أفغانستان وسوريا، ولا حتى عن كوريا الشمالية رغم ترسانتها النووية المتنامية، أو إيران (إلا عابرا) التي لطالما صرح خلال حملته الانتخابية الطويلة بأنهه سيقوم بتمزيق الاتفاق النووي الذي أبرمته الولايات المتحدة، روسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا زائد ألمانيا مع طهران في صيف عام 2015، بينما تجاهل تماما قضية تغير المناخ التي تمثل تحدياً عالمياً كبيراً.

وبدلاً من ذلك، أبدى ترامب اهتمامه بالأحداث الجارية من خلال مخاطبة أرملة ويليام أوينز، وهو ضابط بحرية قُتل في شهر كانون الثاني الماضي أثناء غارة فاشلة في اليمن، والتي ألقى ترامب فيها باللائمة على "الجنرالات" محجماً عن تحمل المسؤولية عن هذه الغارة كما كان ليفعل معظم الرؤساء السابقين - حيث ألقى باللوم بدلاً من ذلك على القادة العسكريين الذين نفذوا هذه العملية.

واستطلعت "القدس" اراء عدد من خبراء السياسة الخارجية في عدة مراكز بحثية تختص في هذا المجال في العاصمة الأميركية وكلهم عبروا عن قلقهم بأنه ليس لدى ترامب خطة أو إستراتيجية للتعامل مع بقاع العالم المختلفة، حيث تجري القوات الأميركية أنشطة عسكرية.

ففي أفغانستان، التي خاضت فيها الولايات المتحدة حرباً لمدة 15 عاماً، يوجد هناك الآن 8400 جندي أميركي ويطالب القادة العسكريون بإرسال المزيد، فيما تضطلع القوات الأميركية بدور حاسم في مساعدة القوات العراقية على إستعادة السيطرة على مدينة الموصل من تنظيم (داعش)، كما تساعد القوات الكردية والعربية في سوريا وتعمل على على استرداد مدينة الرقة.

وكان ترامب صرح في بداية ولايته إنه أمر بوضع خطة "لهدم وتدمير داعش"، وعرض عليه البنتاغون يوم الاثنين (27 شباط) الماضي خيارات جديدة، من بينها إرسال بضع مئات من الجنود إلى كلا البلدين.

"ولم يطرح ترامب أية أفكار حول كيفية التعامل مع روسيا وسلوكها العدواني المتصاعد، والتي يعتبرها (البنتاغون) التهديد الأول أمام الولايات المتحدة، أو الصين التي وطدت نفوذها في بحر الصين الجنوبي"، حسب المسؤول السابق في الخارجية الاميركية.

ويعتبر ديمتري سيمز الخبير السابق في معهد (نيكسون) في شؤون الاتحاد السوفييتي ومن ثم روسيا : "أنه من المحتمل أن علاقات ترامب الغامضة مع روسيا، التي تتهمها وكالات الاستخبارات بشن هجمات إلكترونية على الديمقراطيين في محاولة لتعزيز موقف ترامب الانتخابي، قد شلت قدرته على التحدث حتى عن ضم روسيا غير الشرعي لشبه جزيرة القرم وتحركاتها التي تزعزع استقرار أوكرانيا وسوريا وأوروبا".

وبالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعملية السلام في الشرق الاوسط، علمت "القدس" من مصدر مسؤول "أن هذه القضية لا تحتل أولوية على جدول أعمال الرئيس ترامب في الوقت الراهن ؛ أو دعنا نقول أنها في بداية التطور ويسيطر عليها البيض - عن شخص جاريد كوشنر صهر الرئيس ومستشاره - كما أن الرئيس يسمع ويأخذ برأي سفيره المرشح لإسرائيل ديفيد فريدمان إلى جانب صداقته الوطيدة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو".

البعض يعتقد أن ترامب لم يعد مهتماً بالسياسة الخارجية وأنه سيترك هذا المجال إلى وزرائه ومسؤولي إدارته الأكفاء، وبالدرجة الأولى العسكر فهناك أحاديث بالفعل عن "تمتع القوات المسلحة بالمزيد من الحرية للتصرف بشكل مستقل عن البيت الأبيض، خصوصا ميدانياً".

يشار إلى أن "القدس" التي تتوجه إلى موقعها في قاعة الصحافيين المعتمدين في مبنى وزارة الخارجية الاميركية بشكل شبه يومي تلمس التراجع الكبير في مدى انشغال الوزارة وحالة الهدوء التي تشهدها في ظل التراجع الهائل في نشاطات الوزارة وإيجازاتها الصحافية اليومية المختلفة.

وسيعقد يوم الاثنين المقبل الموافق 6 آذار 2017 أول مؤتمر صحافي في مبنى وزارة الخارجية الاميركية منذ تسلم الرئيس ترامب زمام الامور في البيت الأبيض (20/1/2017)، حيث انعقد آخر مؤتمر صحافي يوم 19 كانون الثاني 2017، أي قبل تسلم ترامب الرئاسة بيوم واحد.