انقسام بين اليهود الأميركيين بشأن حل الدولتين وعلاقات نتنياهو مع ترامب

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- أظهر المؤتمر السادس للمنظمة اليهودية الأميركية "جي-ستريت" (الذي عقد في العاصمة الأميركية واشنطن بين 26 و 28 شباط 2017)، التي تتبنى حل الدولتين وتدفع باتجاه تحقيقه، حالة من الانقسام الواضح في صفوف اليهود الأميركيين، الذين طالما اتخذوا مواقف موحدة داعمة لإسرائيل وللحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بغض النظر عن أيديولوجيتها، طالما أن الموقف من حل الصراع مع الفلسطينيين يتستر وراء شعار حل الدولتين، فضلا عن ان أي تصريحات معادية للسامية ومحرضة ضد اليهود الأميركيين تواجه بحدة متحدة ومنسجمة أي كان مصدرها.

وشكل انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئاسة، وحماس اليمين الإسرائيلي واليمين اليهودي الأميركي لانتخابه، وحملات التأييد المكثفة التي قادتها هذه القوى (خاصة وأن ترامب تربطه علاقة وطيدة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لم يتردد الأخير بالتبجح بها على الإطلاق) تركت مشاعر من المرارة بين أوساط اليهود الأميركيين على أرضية الاختلاف الجذري على محوري قضيتيهما الأساسيتين، صفقة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين تجلب الأمن والاستقرار لإسرائيل، مع الإبقاء على هويتها الديمقراطية واليهودية في آن واحد، والثانية عدم التسامح بأي درجة من الدرجات مع أي شكل من أشكال معاداة السامية والإساءة والمضايقة لليهود الأميركيين وتخريب مقابرهم ومعابدهم.

وبشأن صفقة سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل تقوم على أساس حل الدولتين المنفصلتين المتعايشتان جنباً إلى جنب بسلام وأمن، بما يحافظ على يهودية وديمقراطية إسرائيل، انتهج ترامب ومؤيدوه منذ بروزه كمرشح للحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في عام 2016 برنامجاً يتخلى عن حل الدولتين، ويطلق العنان للاستيطان ويعطي إسرائيل "حق البناء والتوسع في المناطق التي تسيطر عليها" وتتبنى موقف نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس وهو البرنامج الذي يتعارض تماماً مع توجهات الأغلبية اليهودية الأميركية التي اتخذت تقليدياً مواقف ليبرالية وانتخبت المرشح الديمقراطي بأغلبية 80% .

يشار إلى أن السيناتور بيرني ساندرز الذي كاد أن ينتزع ترشح الحزب الديمقراطي وهو يهودي أميركي من ولاية فيرمونت قال للمؤتمرين الاثنين الماضي أن "الرؤية للسلام في الشرق الأوسط هي واحدة بين مختلف القوى التقدمية في العالم التي لن تتخلى (هذه القوى) عن رؤيتها لضرورة إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية، ولذلك فإن مهمتنا هي معارضة كل القوى السياسية، في بلادنا وحول العالم، الذين يحاولون تفرقنا بشأن هذه القضية".

وأوضح ساندرز "يمكننا أن نعارض سياسات الرئيس (دونالد) ترامب دون أن نكون معاديين للولايات المتحدة، كما يمكننا أن نعارض سياسات (رئيس وزراء إسرائيل بنيامين) نتنياهو دون أن نكون معاديين لإسرائيل، كما يمكننا أيضاً أن نعارض سياسات المتطرفين الإسلاميين دون أن نكون ضد الإسلام، فالسلام يعني الأمن ليس فقط لكل إسرائيلي، بل أيضاً لكل فلسطيني ".

واضاف "اسمحوا لي أن أكون واضحا جدا: إن معارضة سياسات الحكومة اليمينية في إسرائيل (حكومة نتنياهو) لا يجعل الواحد معاديا لإسرائيل أو معاديا للسامية" مشددا على حق الفلسطينيين في "تقرير المصير" في دولتهم المستقلة "القائمة على حدود عام 1967 وهي السياسة التي اتبعها الرؤساء السابقون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي".

أما حول بروز ظاهرة معاداة السامية في الولايات المتحدة منذ انتخاب دونالد ترامب المقرب من نتنياهو وحركة الاستيطان فقد كتب صمويل فريدمان، الكاتب السابق في صحيفة نيويورك تايمز، مقالاً نشرته صحيفة واشنطن بوست الخميس استهله قائلاً "منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استندت الهوية اليهودية الأميركية إلى ثلاث ركائز: وهي إحياء ذكرى محرقة اليهود، ودعم إسرائيل، ومكافحة المشاعر المحلية المعاداة للسامية".

واضاف "نجحت الركائز الثلاث إلى حد كبير في توحيد الشعب الذي يشتهر بانقسامه، ولكن التحالف الجديد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد حطّمها، إذ أصبح اليهود الأميركيون مرغمين على الاختيار بين هويتهم الصهيونية ومعركتهم ضد معاداة السامية اللتين أصبحتا فجأة متعارضتين بفضل ترامب ونتانياهو".

يشار إلى أنه ينتاب الجالية اليهودية الأميركية مشاعر من الأسى والغضب والذعر بسبب استجابة الرئيس ترامب الفاترة والمتأخرة في الأسبوع الماضي حول موقفه من معاداة السامية.

ويقول فريدمان "لم يتمكن الرئيس (ترامب)، الذي يتباهى بشراكته الوثيقة مع نظام نتنياهو اليميني، من إصدار هذا البيان إلا بعد أشهر من تجنب إدانة معاداة السامية، وعلى طول الطريق، كان نتنياهو مدافعاً عن تسامح ترامب المفترض، فخلال مؤتمرهما الصحافي المشترك يوم 15 شباط في البيت الأبيض، بعد أن تجنب الرئيس الإجابة على سؤال صحافي إسرائيلي حول تزايد الخطاب والهجمات المعادية للسامية، أشاد رئيس الوزراء بترامب كصديق عظيم للشعب اليهودي، كما ردد أيضاً واحدة من نقاط الحوار الدفاعية التي يستخدمها ترامب: حقيقة أن صهره، جاريد كوشنر، يعتنق الديانة اليهودية الأرثوذكسية".

ويضيف الكاتب "مع ذلك، لن تنجح أي من هذه التأكيدات في إصلاح الضرر الذي يلحقه القادة الأميركيون والإسرائيليون بالجالية اليهودية الأميركية، فقد أسفرت التحركات السياسية لكلا الزعيمين في تفاقم المشكلات القائمة منذ عقود".

ويشير الكاتب إلى حقيقة أن أغلبية اليهود الأميركيين هم من الليبراليين المعتدلين "الذين يعتبرون إسرائيل دولة باسلة حريصة على إيجاد حل عادل لصراعها مع الفلسطينيين".

ويقول الكاتب "لكن اليهود الأميركيين من أتباع التيار الوسطي واليساري رأوا كيف سعى نتنياهو إلى تقويض الرئيس السابق باراك أوباما عن طريق التحالف مع معارضيه الجمهوريين، وكيف مضى إلى إقامة علاقة صداقة قوية مع ترامب".

وعزا هذه العلاقة في جزء كبير منها إلى "تقليص ترامب للدعم الأميركي لحل الدولتين، وتأييد مرشحه لمنصب السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، للمشروع الاستيطاني".

وحذر الكاتب " بالنسبة لليهود الأميركيين المحافظين، انطوت المعركة ضد معاداة السامية في الولايات المتحدة على مكافحة الناشطين اليساريين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيين داخل الحرم الجامعي" في إشارة إلى حركة مقاطعة إسرائيل المتنامية في الجامعات الأميركية.