"إنتفاضة بلعين"... (12) عاماً جعلتها نموذجاً للمقاومة الشعبية

رام الله- "القدس" دوت كوم- محمـد الرنتيسي - شكلت قرية بلعين غربي مدينة رام الله، نموذجاً للمقاومة الشعبية، أجمع عليه الكل الفلسطيني، إذ امتد ليطال قرى وبلدات عديدة في مختلف المحافظات والمناطق الفلسطينية، بل إن "إنتفاضة بلعين"، التي ستتجدد، بالتزامن مع (12) عاماً على انطلاقها، أصبحت رقماً صعباً في معادلة المقاومة الجماهيرية والشعبية.

قبل (12) عاماً بالتمام والكمال، خرج أهالي قرية بلعين عن بكرة أبيهم، رافعين أعلام الوطن، رافضين الذل والهيمنة الإستيطانية، ومؤكدين عزمهم على خوض غمار المواجهة، حيث تداعى المواطنون للتصدي لجرافات إسرائيلية، كانت قد بدأت بتجريف أراضيهم، دون سابق إنذار، تمهيداً لإقامة الجدار النعصري عليها، فتوجهوا إلى المنطقة المصادرة من أراضيهم، وبدءوا الاشتباك مع جنود الاحتلال المتواجدين هناك، ونجحوا في منع تقدم الجرافات، ومواصلة تدميرها للأراضي المزروعة بأشجار الزيتون، وحالوا دون اقتلاع العشرات منها، ومنذ ذلك الحين، أصبحت تظاهرة الأهالي ضد الجدار، تقليداً أسبوعياً، يحرص عليه الأهالي عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع، فينطلقوا بصدور عارية، إلى أماكن العمل في الجدار، في تحد جديد ومواجهة جديدة مع جيش الاحتلال وآلياته.

محج الصحفيين والمتضامنين ....

شيئاً فشيئاً، بدأت هذه التظاهرة الأسبوعية "السلمية" تأخذ حظها من الإعلام، لتصبح قرية بلعين الصغيرة، والتي لا يزيد عدد سكانها عن الأف وخمسمائة نسمة، محجاً للصحافيين ووسائل الإعلام المختلفة، ما أكسبها شهرة واسعة فيما بعد، لا سيما من قبل المتضامنين الأجانب، الذين هبوا لمشاركة أهالي بلعين بالتظاهرات المناهضة للجدار، وساهموا بشكل كبير في ابتكار أساليب مختلفة من المواجهة، فتجدهم يحبسون أنفسهم في صناديق حديدية ويثبتونها بالأرض، ليعيقوا تقدم الجرافات العسكرية، وفي أحيان أخرى يوثقون أنفسهم بسلاسل حديدية ويربطونها في أشجار الزيتون للحيلولة دون اقتلاعها، يرتدون الأكفان تارة، ويطوقون أعناقهم بحبال المشانق تارة أخرى، وغالباً ما يحملون نعوشاً رمزية، خطت عليها عبارات تستهجن الصمت الدولي، فضلاً عن تقمّص شخصيات عديدة مشهورة، كنيلسون مانديلا، والمهاتما غاندي، ومارتن لوثر وغيرهم، أثناء التظاهرات.

وفي سنواته الأولى، صادر الجدار نحو (2300) دونم، من أصل (4000) هي مساحة قرية بلعين، الأمر الذي شكل تهديداً للأهالي بحرمانهم من مساحات زراعية واسعة من أراضيهم، خصوصاً شجرة الزيتون، التي يعتمد عليها الأهالي بشكل كبير في مصدر رزقهم، وبفعل هذا الجدار، أصبح المواطنون يواجهون خطورة أن لا يبقي لهم أي مساحة غير منازلهم، غير أن مسيرات الغضب التي اشتعلت في القرية قبل عشر سنوات، نجحت في استعادة مساحات لا بأس بها من الأراضي المصادرة، وحتى هدم أجزاء كبيرة من الجدار.

قرى اخرى تسير على النهج ....

وكانت مقاومة بلعين، قد حرّكت خلال السنوات الماضية، عدة قرى فلسطينية، واجهت ذات المصير، فما كان من هذه القرى، ومنها جارتها "نعلين" والنبي صالح وبدرس بمحافظة رام الله، والمعصرة وأم سلمونة في بيت لحم، وكفر قدوم وجيوس بقلقيلية، إلا أن سارت على ذات الدرب، وانضمت للعمل الشعبي، واقتفت آثار بلعين في المواجهة الشعبية.

ورغم الطابع الجماهيري "السلمي" الذي انتهجه المتظاهرون في بلعين، إلا أن رصاص الاحتلال لم يرحم هؤلاء، فسقط شهيدان شقيقان، هما : باسم وجواهر أبو رحمة، بينما أصيب أكثر من (1000) آخرين بجراح، بعضهم أصيبوا بإعاقات دائمة، فيما فقد ثلاثة منهم أعينهم، جراء اصابتهم بشكل مباشر بالعيارات المطاطية.

كل الايام ... يوم الارض .....

ويؤكد عبد الله أبو رحمة، الناشط في المقاومة الشعبية، أن على أبناء الشعب الفلسطيني أن يدركوا بأن عليهم واجب، بأن يهبوا على قلب رجل واحد، لتحرير أرضهم المحتلة، وأن يجعلوا كل يوم تشرق فيه الشمس، يوماً للأرض، للدفاع والذود عنها، وأن يستبسلوا في سبيل صونها وحفظها، وحمايتها من غول الاستيطان، داعياً إلى جعل ذكرى مقاومة بلعين، مناسبة لتعزيز هذا النهج، مشدداً على أن اقتصار الأمور على الهبّات الموسمية، "لا يسمن ولا يغني من جوع".

بلعين وبعد أكثر من عقد على المواجهة الشعبية، نجحت في نقل "العدوى" لمناطق فلسطينية كثيرة، فانضمت إليها قرى وبلدات كثيرة، حتى بات هذا اللون من المقاومة، يستهوي قادة القوى الوطنية، الذين التحقوا بتظاهرات الجدار، واستنشقوا غازات الإحتلال السامة، تأكيداً منهم على دعم المقاومة الشعبية وجدواها، وحجتهم في ذلك، أن الانتفاضة الشعبية، هي من أجبرت الاحتلال على الرحيل من المدن الفلسطينية، إبان الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧