قانون سلب ونهب تحت ستار التسوية والتنظيم!!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعد سلسلة طويلة من تزييف وتزوير وثائق وأوراق الأراضي الفلسطينية على مدى خمسة عقود زمنية لصالح منظمات يهودية استيطانية. وبعد سلسلة معقدة طويلة وبطيئة من قبل المستوطنين لوقف وتعطيل قرارات محكمة العدل العليا الإسرائيلية الخاصة بتأكيد ملكية الفلسطينيين لعقاراتهم وأراضيهم. وبعد سلسلة طويلة من سلب الأراضي الفلسطينية ونهبها تحت مسمى المصلحة العامة والأمن الإسرائيلي وتخصيصها للمستوطنات الإسرائيلية من بعد. وبعد سلسلة طويلة من البؤر الإستيطانية والبيوت غير الشرعية المقامة عليها وعدم إمكانية شرعنتها. ملّ اليمين الإسرائيلي وحكومته والمتحالفين معه، سياسة المداورة والإلتفاف،في نهب الأراضي الفلسطينية، وقرر مواجهة الموضوع بشكل مباشر. فما كان منه إلا أن سن قانونا رسميا للسلب والنهب في الأراضي الفلسطينية الخاصة، وذلك في الكنيست الإسرائيلي. وما لبث أن أسماه مشرعوه بكل وقاحة وبشكل فظ " قانون التسوية". كلمات جميلة مضللة لفعل شائن، رغم ان بعض الإسرائيليين من قانونيين وسياسيين عارضوا هذا القانون بل اعتبروه غير شرعي.

ابتداء، هذا القانون يعتبر تحديا سافرا لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية وقراراتها، فلننتظر ونرى كيفية معالجتها لهذا القانون غير الدستوري وغير الشرعي. وهذا القانون تحد للقانون الدولي الإنساني والمنادين بحقوق الإنسان والمناهضين لسياسة التمييز العنصري على كافة الصعد في الداخل وفي الخارج. وهو يخرق أبسط مبادىء القانون العامة وما استقرت عليه الدول المتمدينة من قواعد وممارسات وسوابق. وهل ستكون الدولة الإسرائيلية كالعادة بمنجاة من المسئولية الدولية، عن فعل تشريعي فاضح يقوم على سلب ونهب للأراضي الفلسطينية الخاصة وتحويلها لغزاة عبر قوة القانون. فهل سيسمح المجتمع الدولي بمثل هذه الممارسات غير الشرعية أم يتحرك؟!

كيف لهيئة تشريعية لدولة تزعم زورا وبهتانا أنها دولة ديموقراطية وتعشق القانون، ان تسن قانونا يخالف ما يسمى بسيادتها وخارج حدودها. هنا قام الكنيست الإسرائيلي بالتعدي على السيادة الفلسطينية القائمة على أراضي الضفة الغربية وسمائها وسن قانونا ليطبق على ترابها. ومن نافل القول أن الدولة الإسرائيلية لم تقم بضم الضفة الغربية قانونا، بل إن قوانينها موجودة حيث توجد سيادتها المزعومة وهي داخل الخط الأخضر على وجه القطع. وإسرائيل بالقطع ليست صاحبة السيادة على الضفة الغربية، بغض النظر عن مقولة الإسرائيليين الشهيرة بضم الأردنيين للضفة الغربية، بل السيادة قابعة في الشعب الفلسطيني المتواجد على هذه الأرض قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وقبل غزوها للضفة الغربية عام 1967، وقبل استيطانها في كل أنحاء الضفة الغربية. فهذه الأرض ليست خالية من السكان أيام العثمانيين وبعد اتفاقية لوزان عام 1923، ولا أيام الإنتداب البريطاني على فلسطين. وهذه الأرض بقيت عامرة بالسكان الفلسطينيين أصحاب السيادة أيام الإتحاد مع الأردن. وهذه السيادة الفلسطينية بقيت قابعة في الفلسطينيين وساكنة فيهم رغم موجات الإستيطان غير الشرعية في الضفة الغربية. وبعد اتفاقيات أوسلو تأكد هذا الأمر المؤكد، فالمحتل الإسرائيلي لم يملك يوما ذرة واحدة من ذرات السيادة الفلسطينية. وبالقطع المستوطنون لا يملكون سيادة فهم غزاة محتلون ليس لهم وجود قانوني على أراضي الضفةالغربية.

وقد كان المشرع الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 في غاية الفهم والحكمة حينما قرر أن يتجاهل موضوع السيادة على الأرض المحتلة، من أجل تطبيق النصوص الإنسانية في هذه الإتفاقية. لذا كانت إسرائيل في غاية الدهاء والخبث حينما أنكرت تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، معتبرة أن الأردن ضم الضفة لسيادته بشكل غير قانوني، وبالتالي هي أحق بالسيادة على الضفة الغربية منه عملا بقرار عصبة الأمم بالإنتداب البريطاني على فلسطين. وعليه، هي يجب أن لا تطبق اتفاقية جنيف الرابعة بكل نصوصها على الضفة الغربية، وبخاصة المادة 49 التي تحظر الإستيطان في هذه الجزئية. وهذا أمر رفضه المجتمع الدولي بشكل إجماعي وبدون استثناء، فقد رفضه مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية وهيئة الصليب الأحمر الدولية واليونسكو. واعتبر المجتمع الدولي أن هذه أراض محتلة وليس متنازعا عليها.

أما وقد بينا أن لا سيادة إسرائيلية على الضفة الغربية تخولها التشريع على أراضي الأخيرة، فإن القوة لوحدها ليست مصدرا للسيادة الشرعية بغض النظر عن شكلها سواء أكانت قوة عسكرية أو اقتصادية. وبالتالي ليس لإسرائيل أو إحدى سلطها صلاحية التشريع في هذه المناطق المحتلة. فضلا عن أن ما يسمى بالإدارة المدنية أو قيادة الجيش الإسرائيلي ليس لها صلاحية التشريع في المناطق المحتلة على الإطلاق. ويجب أن لا يخيفنا هدير الدبابات وصوت المدافع ولا جهل البعض بقواعد القانون عن تقرير أن السيادة هي غير السلطة. فإسرائيل تفتقر إلى السيادة الشرعية على الضفة الغربية، وإن كانت وما زالت تمارس سلطة فعلية ليست قانونية عبر قوتها العسكرية كما أقر القانون الدولي الإنساني عبر اتفاقيات جنيف لعام 1949 ولاهاي لعام 1907.

وقد حمى القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان الملكية الخاصة وأسبغ عليه حماية خاصة. وبالتالي الملكية الفلسطينية العقارية الخاصة في الضفة الغربية، محمية تماما، ولا يجوز مصادرتها أو استملاكها أو وضع اليد عليها من أي كان سواء من المحتل الإسرائيلي أو من مستعمريه غير الشرعيين المتواجدين بشكل غير قانوني على أراضي الضفة الغربية سواء أكانت أداته قانونا من الكنيست الإسرائيلي، أو أمرا عسكريا من قائد عسكري إسرائيلي أو ما يسمى بالإدارة المدنية. بل إن اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 لا تجيز بشكل خاص المصادرة والإستملاك للأملاك الخاصة وبخاصة المواد 46 إلى 56، ولا أحد يستطيع إنكار تطبيقها على ألراض يالمحتلة فقد غدت جزءا من القانون الدولي العرفي الذي ينطبق على جميع الدول ومنها إسرائيل وكنيستها ومحكمتها. وأضيف أن المحتل الإسرائيلي لا يستطيع أن يحل محل الدولة الأردنية ويرثها في أراضيها العامة في الضفة الغربية، فلا صلة له لا من قريب ولا من بعيد بهذه العقارات والأموال غير المنقولة.

إذا افتقدت إسرائيل السيادة على الضفة الغربية وهي فاقدة لها،ولا تستطيع التشريع على إقليمها، فإنها لا تستطيع أن تشرع قانونا بشكل رجعي ليسري على احداث في الزمن الماضي. فليس في المكنة القانونية الإسرائيلية أن تسن قانونا ليسري على وقائع وأعمال حدثت في الضفة الغربية وتجعل منها أحداثا مشروعة بعد أن كانت باطلة. وبالتالي فهي لا تستطيع أن تشرعن استيلاء 55 بؤرة استيطانية على الأرض الفلسطينية، ولا تستطيع 97 موقعا استيطانيا عبر قانون يطبق بأثر رجعي، ولا تجعل آلاف المنازل المقامة بشكل غير مشروع في أعمال الإستيطان مشروعة، لبطلان ذلك عملا بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

يبدو أن المستعمر الإسرائيلي غير راض وغير مستكف بكميات العقارات التي سلبها ونهبها من الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية بوسائل ملتوية فقرر تحدي المجتمع الدولي والمجتمع الفلسطيني بسن قانون " التسوية " في الكنيست الإسرائيلية، الذي يجيز الإستيلاء على الأرض الفلسطينية الخاصة، لمصلحة المستوطنات في " يهودا والسامرة "وضمان استمرارها وتطويرها كما عرّف الهدف من القانون الجديد. وفي هذا تمييز واضح بين الفلسطيني صاحب العقار وبين الإسرائيلي الذي يفتقده وهو خرق لمبدأ المساواة المقر محليا ودوليا وإقليميا.

يجب على الفلسطينيين أن يتصدوا لهذا الإنحراف التشريعي الإسرائيلي بكل الوسائل الممكنة محليا ودوليا. وفي رأيي المتواضع كقانوني وبشكل عاجل، يجب تقديم شكاو بحق أفراد بأسمائهم من السلطة الإسرائيلية الحاكمة إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جريمة حرب وأن لا نكتفي بالملف العالق أمام المحكمة. وفي رأيي يجب أن نتوجه إلى محكمة العدل الدولية طالبين منها رأيا استشاريا في شأن هذا الإنحراف التشريعي الإسرائيلي. فالإستقامة هي السياسة الفضلى!!