سنغافورة: نموذج يحتذى به في التنمية

بقلم : سامر سلامه، الوكيل المساعد - وزارة العمل

سنغافورة جزيرة صغيرة تقع بين ماليزيا واندونيسيا في جنوب شرق آسيا ومساحتها لا تزيد عن 720 كم مربع أي ضعف مساحة قطاع غزة وعدد سكانها لا يتجاوز 5.5 ملون نسمة 40% منهم من العاملين والطلاب الأجانب. هذه الجزيرة الصغيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية حتى المياه يتم تحليتها من البحر ورمل البناء يتم استيراده من الخارج. استقلت عن التاج البريطاني ومن ثم ماليزيا في العام 1965 وتركت لتواجه مصيرها بين عدد من الدول العملاقة في المنطقة مثل الصين واليابان واندونيسيا وماليزيا وغيرها من دول شرق آسيا. إلا أن هذا البلد الصغير الذي يكاد يختفي عن خارطة العالم استطاع صنع معجزة العصر بالانتقال من مصاف الدول النامية إلى أكثر الدول ثراء ونموا في العالم بغضون 50 عاما فقط. أردت التركيز على هذه التجربة لأنني أعتقد أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين سنغافورة وفلسطين من حيث صغر المساحة وعدد السكان وقلة الموارد والتاريخ المرتبط بالاستعمار والاحتلال. فكيف صنعت سنغافورة المعجزة؟ في حين فشل الكثير من دول العالم في تحقيق أدنى متطلبات النمو والتطور.

سأستعرض في البداية بعض الحقائق عن هذه الدولة وأسباب نجاحها في التحول من دولة فقيرة نامية إلى دولة غنية وقوية مع بعض الاستنتاجات عن هذا النموذج الذي يحتذى به في التنمية.

من أهم المعطيات عن هذه الدولة أن إجمالي الناتج المحلي في العام 2015 قد بلغ 298 مليار دولار واستطاعت رفع معدل دخل الفرد من الناتج المحلي من 1000 دولار في العام 1965إلى 65 ألف دولار في العام 2015. كما نجحت في خفض معدلات البطالة إلى 2% فقط لتحتل الدولة الأولى عالميا ولتتقدم على الدول النفطية والأوروبية والأمريكية في نسب البطالة المنخفضة. ويعتبر اقتصادها بيئة مفتوحة للأعمال التجارية، وتتميز معاملاتها بالشفافية واستقرار الأسعار، وتعتبر سنغافورة المركز المالي والتكنولوجي الأول في المنطقة، ويتمتع سكانها بمستوى مرتفع جدا في المعيشة والرعاية الاجتماعية، وقد حازت على المرتبة 5 في التصنيف العالمي لمؤشر الفساد ما يدل على ضعف درجة الفساد في البلد. وتعتبر السياحة صناعة رئيسة في البلد فهي ثالث أكبر مصدر للعملات الأجنبية إذ يصل البلاد حولي 5 مليون سائح سنويا، كما وتصنف على أنها واحدة من أكبر مراكز العلاج في العالم حيث تولي الحكومة قطاع الصحة اهتماما كبيرا وتعتبر وجهة للسياحة العلاجية في المنطقة.

وبحسب الخبراء والمهتمين بالتجربة السنغافورية، فإن هذه الدولة الصغيرة استطاعت الانبعاث من تحت الركام وتحقيق معجزة حقيقية في التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي بفعل نضوج القيادة السياسية التي قادت عملية الاستقلال عن ماليزيا في العام 1965. فقد تشكلت هذه القيادة من خليط من المثقفين الذين أنهوا دراساتهم العليا في الجامعات البريطانية والقيادات التي تعلمت وتمرست في العمل السياسي والاقتصادي في الصين. فإن القيادة الجديدة كانت خليطا ما بين الاشتراكية والرأسمالية الأمر الذي دفع تلك القيادة الى إنشاء نظام سياسي هجين من أفضل ما أنتجته الاشتراكية والرأسمالية. فقد استطاعت تأسيس نظام ديمقراطي شفاف يتمتع بدرجة عالية من النزاهة في الحكم ولم يكن للعسكر أي تدخل في شؤون البلاد بالرغم من بناء جيش وأجهزة أمنية تعتبر الأقوى في المنطقة.

لقد تحولت سنغافورة من مستعمرة سابقة إلى دولة يحكمها نظام ديمقراطي برؤية تنموية واضحة وشعب يشارك في مسيرة التنمية بكل تفان وإخلاص.

ومن أهم النجاحات كان تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الثروة على الجميع عبر مؤسسات الدولة وليس الأفراد ووفقا لمعايير العمل والإنتاج وليس المحسوبية أو الانتماء الحزبي أو العرقي أو الطائفي. فقد تم حماية الحقوق الفردية وجميع أشكال الحقوق للأفراد والمؤسسات فالجميع متساوون أمام النظام والقانون. وقد كان للاستثمار في الإنسان السنغافوري واحترام الكفاءات وإعطاء الأدوار المناسبة للأشخاص المناسبين في كافة أجهزة الدولة الرسمية والأهلية والخاصة أكبر الأثر في نجاح هذه الدولة.

وقد كان لاحترام القيم الإنسانية والدينية للشعب السنغافوري أكبر الأثر في نجاحها وتطورها. ولسيادة القانون واستقلال القضاء أيضا دور رئيس في النجاحات التي حققتها سنغافورة وعززت ثقة الشركات والبنوك العالمية بها مما دفع بالعديد من تلك الشركات والبنوك العالمية الى العمل والاستثمار في ذلك البلد الصغير.

إنني أعتقد أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين سنغافورة وفلسطين من ناحية صغر المساحة وعدد السكان وأهمية الموقع الجغرافي المتوسط للعديد من الدول الكبيرة والقوية والتاريخ المرتبط بالاحتلال والاستعمار والتنوع الثقافي والعقائدي والسياسي للشعب الفلسطيني. كما أن فلسطين لديها قيادة تاريخية حكيمة وحكومة لها رؤية تنموية واضحة. كل ذلك يمكن أن يؤهل فلسطين لكي تكون سنغافورة الشرق الأوسط (بعد الاستقلال بالتأكيد لأنه لا يمكن إحداث التنمية والتطور في ظل الاحتلال). فخبرات وثقافات وعلوم الفلسطينيين الذين حصلوا عليها على مر سنوات التشرد والاغتراب قادرة على إحضار كافة خبرات العالم إلى فلسطين. فأول الطرق لتحقيق ذلك هو بناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الأقلية قبل الأغلبية. كما أن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني من خلال تطوير التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وإعطاء الكفاءات المهنية دورها الطليعي في عملية البناء يشكل اللبنة الأساسية للتطور والإبداع. كما أن تعزيز سلطة القانون والقضاء ونشر ثقافة النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد والمفسدين سيكون له دور بارز في عملية البناء والتطور. كل ذلك ممكن وليس بعيد المنال عن الشعب الفلسطيني الذي أبدع وما يزال في مقاومته للاحتلال وفي بناء العديد من الدول الذي لجأ إليها. فالإنسان الفلسطيني بحاجة إلى بيئة حاضنة لإبداعاته وتطلعاته للحرية والاستقلال والتطور والإبداع نحو بناء فلسطين القوية والمتطورة.