في مخيم جنين.. واقع البطالة يسلب الشباب أحلامهم

جنين - "القدس" دوت كوم - تقرير علي سمودي - في مخيم جنين ، بطالة وفقر وبؤس وعجز يفتك بحياة وأحلام الجيل الشاب الذي أغلقت أمامه كل الفرص والأبواب ، فلا فرق في النتيجة والظروف بين الخريج الجامعي صاحب الشهادة ، والطالب الجامعي والأسير المحرر أو الذين حالت ظروف الحياة دون مواصلة دراستهم ، لتتجلى كل صور المعاناة بكل أشكالها ليدفع كل لاجىء الثمن في غياب الفرص ، فما من وظائف أو فرص عمل ، وما من مصانع أو مؤسسات أو مشاريع إقتصادية وإستثمارية تستوعبهم وتفتح أمامهم آفاق المستقبل .

صور معاناة

منذ سنوات ، يتنقل اللاجىء وليد من مهنة لأخرى لان فقر عائلته حرمه من التعليم رغم أن غالبية حملة الشهادات لم يكن نصيبهم أفضل ، تارة يعمل في العتالة أو بائعا متنقلا ، وأخرى أجيرا بالمياومة ، لكن ما زالت حياته تراوح مكانها ولم يتقدم خطوة لتوفير الاستقرار المادي والمعيشي ، ويقول " خرجت من المدرسة في مرحلة مبكرة لمساعدة والدي الذي قضى حياته يعمل في الداخل الفلسطيني وكل ما يجنيه لا يوفر لنا أكثر من قوت معيشتنا ، تعبت وشقيت في كل مهنة لكن ظروفنا لم تتغير ، ففقدت أحلامي ولم أفكر حتى بالزواج ، فتجربة حياتنا المريرة تركت بصماتها علي "، ويضيف " بسبب ارتفاع نسبة البطالة ، ما نحصل عليه من رواتب قليل جداً ، لان عدد العمال أكثر من المطلوبين للعمل ، وللأسف لا يوجد في المخيم ما يمكن أن يساعدنا لنحقق أحلامنا ونعيش كباقي الشباب ".

البحث عن فرص

الالم والمعاناة وعذابات الحياة التي ترافقهم ، زرعت فيهم التمرد ورفض الاستسلام ، وفي ظل غياب الفرص ، يبحث جيل الشباب اللاجىء عن منقذ جديد ، البعض يعملون على بسطات لبيع الدخان أو القهوة أو الوجبات الخفيفة ، وآخرون يمارسون مهنة العتالة، ومجموعة أخرى تقيم بسطات متنقلة للخضار أو النثريات أو الملابس تلاشت غالبيتها بعد حملة بلدية جنين لتنظيم الأسواق ، وجماعة أخرى إختارت العمل في النقل رغم عدم إمتلاكهم مركبات عمومية .

ويقول الشاب سامي " أعمل 10 ساعات يومياً على بسطة نثريات ولا يتجاوز ربحي الثلاثين شيكلا ، فماذا يمكن أن تحقق من أحلامي في بناء حياة ومنزل والزواج "، أما الشاب عصام الذي يرفض الاحتلال منحه تصريحا للعمل في الداخل ، فيعمل بائع خضار متجول ، ويقول " طوال اليوم ، أجوب الشوارع والأزقة وفي النهاية يمكن أن أربح أو أخسر ، لكن حتى في حالة الربح ، لا يمكنني التفكير بأكثر من توفير متطلبات الحياة اليومية ، ورغم ذلك ، يبقى خياري الوحيد مواصلة العمل حتى لا أحتاج أحدا " ، ويضيف الأسير المحرر سعيد " لا يوجد لدينا رأس مال نبني عليه لنؤسس لعمل تجاري مستقل ، غالبية شباب المخيم من عائلات فقيرة ودخلها محدود وإذا لم نعمل لن نعيش ، حتى كوني أسير لم يكن له تأثير في منحي فرص للحصول على وظيفة وعمل مستقر وآمن "، وبالنسبة لسعيد الذي يعمل أجيراً على بسطة لبيع الحلويات " الحلول تتطلب توفير منشآت ومصانع ومراكز عمل في المخيمات وتوفير دعم لهم لان الغلاء الفاحش في الحياة والمجتمع يحول الانسان لمستهلك ، ولا يمكنه أن يفكر حتى بحلم صغير ".

مهن المخاطر

في المخيم ، أرغمت الظروف المعيشية ،عددا لا بأس به من الشباب لممارسة مهنة المخاطر ، البحث عن مخلفات الحديد وبيعها ، العمل كسائقين لانهم لم يجدوا مصدر دخل لعائلاتهم ، ويقول المواطن أبو حمدي " طوال عمري ، أحلم بالعمل بمهنة مريحة ومفيدة ومدرة للدخل ، لكن لا يوجد من يهتم بتطوير المخيمات ، لا يوجد مصانع ومنشآت ، وبعدما سحب الاحتلال تصريحي ولم أجد عملا أعيل منه أسرتي ، حولت مركبتي الخاصة لوسيلة نقل للركاب "، ويضيف " الحمد لله مستورة ، أعمل على خط جنين المخيم ، لكن هناك مخاطرة دائمة أمامنا ، فنحن لا نملك رخص عمومي ولا يمكن تغير ترخيص مركباتنا لكن المثل الشعبي يقول " شو أجبرك على المر .. الا الأمر منه "، تعرضت لمخالفات عديدة من الشرطة ، لكن لا يوجد حل آخر من حقي إعالة أطفالي "، أما الأسير المحرر خالد ، فقال " قضيت 50 شهر بسجون الاحتلال ، لكن القانون لا يسمح بمنح راتب لمن تقل فترة سجنه عن 5 سنوات ، تحررت ولم أجد وظيفة أو فرصة عمل ، من راتبي الاعتقالي الذي جمعته إشتريت سيارة خاصة وبدأت أعمل عليها "، ويضيف " أحترم القانون ، ولست سعيداً بمخالفته لعملي كسائق نقل ، لكن لا يوجد أمامي بديل آخر ، وعندما يتوفر لي فرصة عمل مناسبة سأتوقف فورا" .

ويقضي الشاب وسام ، يومه في التنقل لجمع وشراء مخلفات الحديد ، مهنته الوحيدة التي يجني منها دخلا مناسبا لعائلته ، ويقول " فقدت عملي في اسرائيل بسبب سحب تصريحي ، وكلما وجدت عملا لا يستمر سوى أيام ، وإهتديت لفكرة بيع مخلفات الحديد والحمد لله أصبحت قادرا على توفير متطلبات معيشة أسرتي ".

كفاح ولكن

في المخيم ، يكافح الشاب لؤي رغم معاناته من إعاقة حركية ليعيل أسرته لكنه لا يجد من يمد له يد العون ، ويقول " كنت شابا مكافحا وعشت حياة طبيعية ، فجأة مرضت وأصبحت مشلولاً ، معاناة عائلتي وعدم توفر لنا دخل جعلني أتعلم مهنة تصليح أجهزة الحاسوب التي أتقنتها لرغبتي في إمتلاك وسيلة تمكنني من توفير حياة كريمة لعائلتي ورفضي للتسول والشفقة "، ويضيف " فكرت بافتتاح مشروع لتصليح الحواسيب ، قدمت لعدة مؤسسات وجمعيات لمساعدتي ورعاية حلمي ، لكن كل الأبواب أم المعثرين أمثالي مغلقة ، وما زالت أكافح وأسعى لانني أريد العيش من عرق جبيني ، لكن للأسف ما زالت أحلامي مؤجلة ".

في المخيم ،ما زال يطارد الشاب علام من مؤسسة لاخرى بحثاً عن فرصة "عيش كريم "، بعدما نالت منه الأمراض ولم يعد قادراً على ممارسة مهنة البناء ، ويقول " رغم مرضي ، أعمل في كل مهنة أجد فيها فرصة ، فلا يوجد لدي مصدر دخل لاعيل زوجتي وأطفالي الأربعة ، فحتى أدويتي لا يمكنني شرائها وكلما توجهنا لمؤسسة ، قالوا لنا أنت شاب ويمكنك العمل "، ويضيف "أصعب مأساة ونكسة بعمري مرضي وعجزي وقلة حيلتي ، توجهت لعدة مؤسسات لمساعدتي على توفير مشروع حياة كريمة نعيش من خلاله كباقي الناس ، لكنن المرض والألم يحاصرنا من جهة والاهمال والتهميش من كل الجهات".

تضحيات النساء

في المخيم ،كالكثير من الماجدات الصابرات ،اضطرت أم احمد للتضحية والخروج للعمل في المنازل لتعلم ابنتها المتفوقة لتكون لها العون والأمان للوصول لحياة الستر ، أما أم إبراهيم ، فما زالت تتنقل بين المنازل للعمل في أصعب مهنة لتوفير قوت أطفالها الخمسة بعدما نال المرض من زوجها وأصبح عاجزاُ عن العمل ، يومياً تكبت أوجاعها وتخفي دموعها حتى لا تحتاج أحد ، أما المواطنة أم حسين ، فمنذ سنوات لم تتأخر عن عملها في الزراعة في الداخل الفلسطيني لترعى أيتامها بعدما رحل رفيق دربها ولم يترك لها حتى ثمرة أو شجرة ، وبقلبها الشجاع وروحها الفلسطينية تعمل حتى في البرد والمطر لتكفل لاسرتها الستر .

الاحتلال والثمن

في المخيم ، لم يفرح الشاب عاصم أبو الهيجاء بعد تحرره من سجون الاحتلال ، بافتتاح محله الجديد ، فقد صادر الاحتلال مقتنياته وأعاده لمرحلة الصفر ، ويقول " منذ سنوات ، نعيش حياتنا مستهدفين من الاحتلال ، لم يبقى أحد من عائلتي لم يتذوق عذابات الأسر والقيد والسجن ، أبي وأمي وأختي وكل إخواني حتى لم نتمكن من توفير مصدر نعتاش منه "، عاصم الذي تعرض مع إخوانه لاعتقال تلو الأخر ، سارع بعد تنسمه الحرية ، لتأسيس محل للنثريات والهواتف الخلوية ، ويضيف " قررت التوجه للعمل في مجال التجارة بعد تحرري ، فتحت معرض ووفرت كافة احتياجاته من عدة مؤسسات حيث أقوم بالتسديد من البيع والربح ، وبشكل مفاجىء ، داهم الاحتلال المعرض وصادر كافة الاجهزة الخلوية والمعدات ودمر مشروعي وحلمي "، ويكمل " لم يكتف الاحتلال بذلك ، فقد إستهدف مصدر عيش أخي عبد السلام الذي بعد تحرره إشترى سيارة بقرض من البنك ، وعمل عليها في مجال النقليات ، لكن فرحته لم تدم طويلا وهو رب أسرة مكونة من 4 أنفار ، الاحتلال إقتحم منزلنا وصادر السيارة "، ويتابع " لا يوجد مبرر لهذه الممارسات التي كبدنا خسارة فادحة ، لكن الواضح أن الاحتلال لا يريد لنا أن نستقر ونعمل ونعيش بأمان ونجاح في المخيم ".