كبوتشي مكللا بتاج فلسطين

صالح عوض

تمتاز القضايا الكبرى بقدرتها على اجتياز الحدود الجغرافية والعرقية والدينية لتكون قضية الضمير الإنساني فينهض من اجلها من استمع لنداء القلب والروح مؤكدا الاصرة الطبيعية بين بني البشر.. وقضية هي فلسطين لها من الجاذبية وقدرة النفاذ ما يجعلها بحق قضية الانسان في كل زمان ومكان فهي تجلي الروح ونداء أعمق ما في الوجدان من هتاف واقرب ما للعقل من ميزان وحكمة.. لذا فان أحبابها و أنصارها لا تحدهم الوطنية ولا القومية ولا الديانة.. انهم منتشرون في كل الأقوام وكل أتباع الأديان ضد الظلم والعنصرية والجريمة المنظمة.

من هؤلاء الكبار هيلاريون كابوتشي رجل الدين المسيحي السوري، ولد في حلب ودرس في بيروت وأصبح مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965.. رجل أوقف نفسه لفلسطين دفاعا عن شعبها وارضها ولم يتوقف عند حدود الموقف وهو أقصى ما يطلب من رجل في مكانته بل ذهب بعيدا الى ان يمتشق البندقية ويعبئها بالرصاص وينقل السلاح والذخائر من معسكرات المقاومة الفلسطينية بدمشق الى القدس مرورا بالحواجز والمعابر الاسرائيلية غير هياب محولا كل الامتيازات التي تمنحه اياها مكانته الدينية من اجل فلسطين. اعتقلته سلطات الاحتلال في آب 1974 أثناء محاولته تهريب أسلحة للمقاومة، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عاماً.

يذكر الفلسطينيون والاحرار من العرب والمسلمين والشرفاء من بني البشر رجلا تميز بروحه الثورية الفذة وبوقوفه ببسالة مدافعا عن القضية الفلسطينية مضحيا بكل متع الدنيا وملتحما بأمته هاتفا: الله اكبر الله اكبر عندما وقف معلنا عن تضامنه مع اهل غزة في شباط 2009 حيث كان على متن سفينة الإغاثة أسطول الحرية التي كانت تحمل الأمتعة والغذاء لأهالي غزة المحاصرين.

امس الاول استقبلت جموع غفيرة من ابناء فلسطين ولبنان وسورية وكثير من الاحرار جثمان المطران المحترم والفدائي الفذ ليواروه التراب في حين يتذكره رفاقه في السجن والذين يشهدون له بالثبات والرجولة في مواجهة المحتل واصراره على هيبته وقيمته الدينية والعملية والسياسية العليا.. يتذكرون كيف عاش الاضراب عن الطعام بكبرياء وببسالة ..

لم ينس المطران انه وطيلة فترة سجنه فعاليات ابناء فلسطين من اعلاميين وشبيبة و منظمات عمل وطني للمطالبة بتحريره من السجن وظلت تلك الذكريات مثار فخر لديه وفرح اسطوري ابعد عنه هواجس الغربة والنفي والسجن.. وظل طيلة فترة النفي في الفاتيكان يتصدى للدعاية الاسرائيلية سفيرا لقضية الامة يستقبل الزائرين من فلسطينيين وعرب ومسلمين يزودهم بمزيد من اليقين والعزيمة والتفاؤل.

كم هم عظماء هؤلاء الرجال الذين ينهضون بكرامة من اجل قضايا امتهم وانسانيتهم لا تحدهم الطوائف ولا القوميات ولا تمنعهم الحدود ايا كان عنوانها عن تأدية الواجب لان انحياز هؤلاء الكبار الى انسانيتهم اعظم من أي شيء.. تاركين للصغار حساباتهم الصغيرة يفرقون بين الاخوة والامة والانسانية بعنصريات مقيتة..

ذهب كابوتشي الى قمة المجد مكللا بتاج فلسطين وسيسجله التاريخ في مكان خاص بالعظماء قدوة لاجيال معبرا عن عظيم التماسك الانساني والالتقاء حول العناوين الكبيرة في منطقة اكرمها الله بتوالي الانبياء عليهم السلام رفضا لشقاق و عداوة الانسان لاخيه الانسان.. تولانا الله برحمته.