كيف يستقبل العرب دونالد ترامب..؟

مصطفى الفقي

يدخل الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب البيت الأبيض ويتطلع إلى خريطة العالم أمامه، ويركز قليلاً على منطقة الشرق الأوسط هامساً في أعماقه بأن لديه تصورات محددة تبلورت حتى بعد الحملة الانتخابية، وترتكز هذه الرؤية على محاور عدة أولها: دعم مطلق لإسرائيل والقبول بها دولة يهودية خالصة، ولا مانع من إعلان الرئيس الأميركي الجديد أن القدس عاصمة لإسرائيل في سابقة ستهز أركان المنطقة وتعصف باحتمالات السلام والاستقرار فيها، والمحور الثاني هو حرب مفتوحة على الإرهاب ومصادر تسليحه وتمويله، وقد يمس هذا الأمر بعض دول المنطقة ويؤدي إلى خلاف محتمل، ولو مرحلياً، في وجهات النظر، أما المحور الثالث فهو نظرة لا تخلو من ريبة من إدارة ترامب، خصوصاً وزير دفاعه، تجاه إيران وأطماعها المحتملة في منطقة الخليج وسورية ولبنان وتورطها في النزاع اليمني، وقد يطلب الرئيس الأميركي الجديد إنهاء تسليح كل أنواع الميليشيات والأحزاب في المنطقة وسيكون الصدام الأول بالضرورة مع «حزب الله» ودوره الفاعل في الوضع اللبناني والقضية الفلسطينية والأزمة السورية، والمحور الرابع هو احتمال مطروح مؤداه أن يدعم الرئيس الأميركي الجديد سلطة الحكم في القاهرة في مواجهة فلول جماعة «الإخوان المسلمين».

وقد يصل به الأمر إلى اعتبارها جماعة إرهابية محظورة، وبذلك قد يقدم جائزة كبرى لحكم الرئيس السيسي بل وبعض الدول في منطقة الخليج وبعد هذه المحاور أغمض الرئيس الأميركي عينيه ليفكر فيما يجري في ليبيا والدور الأميركي المتراجع في الأزمة هناك وأولوية الفعل الأوروبي في تطور الصراع على الشاطئ الجنوبي للمتوسط، ثم فكر في الوقت ذاته في دعم الدول الأفريقية خصوصاً دول شرقها وفي مقدمها إثيوبيا وكينيا، كما قد تعطي الإدارة الأميركية الجديدة نزاعات المياه في المشرق العربي وشمال شرقي أفريقيا اهتماماً ينصب على مياه الفرات ومجرى النيل، ولكن الأمر الذي بدا محسوماً في ذهن دونالد ترامب هو أن الولايات المتحدة ستراجع أدوارها السياسية في مختلف مناطق العالم بمنطق حساب الكسب والخسارة لرئيس يأتي إلى السلطة من دون (كتالوغ) معروف مسبقاً، فضلاً عن أنه قادم من قطاع المال والتجارة والسياحة فلا تستهويه كثيراً الاستراتيجيات السياسية ولا الأفكار العقائدية ولكن تحكمه فقط المصلحة المباشرة للولايات المتحدة.

فقضية الهيمنة الدولية من جانب واشنطن تأخذ بعداً مختلفاً في المرحلة المقبلة، إذ لا يعنيها بالضرورة أن تُردد عواصم العالم دائماً أن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم ولكن الأهم هو استثمار ذلك الدور في مواجهة روسيا الاتحادية وأوروبا سياسياً في جانب والصين اقتصادياً في جانب آخر، إذ إن ترامب يأتي إلى البيت الأبيض ولديه مشاريع متداخلة ولكن خطوطها العريضة تتضح يوماً بعد يوم، وخصوصاً أن زوج ابنته يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل رؤية ترامب ولو من خلف الستار، إذ إن ذلك الشاب اليهودي قد درس في واحدة من أرقى الجامعات الأميركية بمدينة بوسطن كما أنه على ما يبدو صاحب حظوة عند الرئيس وابنته التي تحولت هي الأخرى إلى الديانة اليهودية عن اقتناع كما ذكرت هي، ويملك الرئيس الأميركي القادم إلى السلطة بعد أيام قليلة مجموعة اتصالات دولية خصوصاً في مجالات التجارة والمال كما أن لديه شركاء قدامى بعضهم من منطقة الخليج على الصعيد الاقتصادي وبعضهم الآخر من دول المشرق العربي على الصعيد السياسي، ولا يخالجنا شك في أن ترامب سيعطي مسألة حماية المسيحيين العرب اهتماماً خاصاً، فتلك قضية تحتل أولوية في العقل الغربي المسيحي سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، خصوصاً بعدما جرى للأقليات الدينية في العراق والتهجير القسري الذي تعرضوا له إلى جانب نزوح نسبة من مسيحيي لبنان في العقود الأخيرة مع مئات من أقباط مصر، خصوصاً في سنوات ما بعد الربيع العربي، فنحن أمام مشهد يدين المنطقة ولا يضعها في موضع ملائم أمام غيرها، وإذا كنا نتساءل كيف يستقبل العرب دونالد ترامب فإننا نطرح الملاحظات التالية:

أولاً: إن نظرة الإدارة الأميركية الجديدة الى الوضع العربي العام لا تبشر بأي خير، فالمنطقة ممزقة ومنقسمة على نفسها والروس والإيرانيون والأتراك يتسابقون على التهام الكعكة العربية سواء في سورية والعراق أو حتى لبنان، فضلاً عن السحابة القائمة في العلاقات بين مصر وبعض دول الخليج، يضاف إلى ذلك أن القضية الفلسطينية مجمدة في مكانها وكل ما يجري هو إدارة للصراع وليس حلاً له!

ويحدث كل ذلك في وقت تتراجع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط أمام واشنطن، فالنفط تقل أهميته مع ظهور بدائل له فضلاً عن أن أمن إسرائيل لم يكن مؤكداً مثلما هو الآن خصوصاً في ظل الأوضاع التي تحققت بعد أحداث الربيع العربي، وكانت هاتان النقطتان (النفط وأمن إسرائيل) هما النقطتان الجاذبتان لأميركا في المنقطة العربية، وبدا واضحاً أن اهتمام الولايات المتحدة بكثير من المناطق التي كانت مهمة لديها لم يعد مثلما كان الأمر من قبل.

ثانياً: تدرك الإدارة الأميركية الجديدة احتمالات تعاظم دور الأحداث الإرهابية في أنحاء متفرقة من الشرق الأوسط وأوروبا وربما الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، وهي تعلم أن الحرب على تنظيم «داعش» وتوابعه ستؤدي إلى دخول أعداد كبيرة من كوادره الإرهابية إلى دول الجوار وربما أيضاً إلى سيطرتها على بعض الجماعات الأخرى والتنظيمات المنتشرة بصورة تزيد الخطر المحتمل من الخلايا النائمة والذئاب الشاردة، خصوصاً أن «داعش» وملحقاته لم يتوقفوا عن إطلاق التهديدات والحديث عن استقبالهم الدموي للإدارة الأميركية الجديدة، ولأن ترامب تحكمه عقدة المال فسيجعل فاتورة محاربة الإرهاب مدفوعة من الدول التي تتعرض لموجاته، بل إنه تحدث أيضاً عن فواتير قديمة يريد تحصيلها بما في ذلك عن حرب تحرير الكويت ثم إسقاط صدام وتكاليف الحماية الأميركية لبعض دول المنطقة خلال الأزمات التي مرت بها، ولا يخفى على أحد أن هذه الفواتير قد جرى دفعها مرات عدة من قبل، لكن ترامب يريد أن يثبت للشعب الأميركي أنه المحصل الجديد لاستحقاقات أميركية غابت طويلاً! وكأنما يفتتح ترامب فصلاً جديداً في كتاب السياسة الخارجية الأميركية على امتداد العقود التي مضت.

ثالثًا: يصل دونالد ترامب إلى السلطة والأزمة السورية تدخل مرحلة جديدة، حيث إن وقف النار قد يصمد لفترات طويلة بتحالف روسي- تركي ومباركة إيرانية، خصوصاً أن التنظيمات الفاعلة في المعارضة مثل «النصرة» و «فتح الشام» و «أحرار الشام» تبدو مصنفة بالقرب من الإرهاب وتحمل بعض خصائص جماعاته وهو ما سيؤدي إلى أن تخلط الإدارة الأميركية الجديدة الأوراق بين الوضع في سورية في جانب ومحاربة الإرهاب في جانب آخر، وهو أمر برعت فيه الحكومة الروسية واستطاع به فلاديمير بوتين أن يحافظ على المكتسبات الروسية على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر المتوسط، لأن الوصول إلى المياه الدافئة هو حلم الروس عبر التاريخ وسيظل كذلك دائماً!

رابعاً: لا شك في أن الأزمات المعلقة في الوطن العربي وعلى حدوده تبدو متداخلة إلى حد كبير، فالأزمة اليمنية تراوح مكانها بسبب التدخلات الأجنبية التي تلعب فيها إيران دوراً طائفياً يؤدي إلى تأزيم الموقف وتعقيده، فضلاً عن الدور الذي يلعبه الرئيس السابق علي عبدالله صالح ولا يلوح في الأفق حل سريع لتلك الأزمة التي تركت أعداداً هائلة من الضحايا فضلاً عن أن مشكلة اليمن في ظني هي مشكلة اقتصادية قبل أن تكون سياسية وهي محاولة خبيثة لإنهاك المملكة العربية السعودية واستنزاف الموارد الخليجية وإشغال دول التحالف في فترة حرجة يمر بها العالم المعاصر، أما الوضع في ليبيا فهو يمثل مشهداً عبثياً حتى وصل اليأس ببعض الساسة الليبيين الحاليين إلى أن يتركوا الساحة فجأة نتيجة عدم القدرة على تحقيق إنجازات سياسية تجاه وحدة الأراضي الليبية واستقرار شعبها وعلى رغم جهود الجنرال حفتر الذي يحظى بدعم أميركي وروسي أيضاً، فإنه ما زال يفتقد الإجماع الليبي على قيادته خصوصاً في الجزء الغربي من بلاده.

خامساً: إن إيران لاعب مهم في المنطقة وطهران تتصرف بدرجة عالية من البراغماتية وتستخدم كل الأدوات بما في ذلك العامل الديني والتقسيم الطائفي واستغلال محن الشعوب للخروج بانتصارات وقتية، ولعل دور إيران في سورية هو خير شاهد على ذلك، فالشعب السوري دفع فاتورة غالية ما بين أشلاء ودماء ولاجئين بينما تنتظر إيران المغانم من كل ما جرى هناك أخذاً في الاعتبار دور «الحرس الثوري» في تلك المأساة الدامية كما أن للأتراك أطماعهم الأخرى في الأراضي السورية بل والعراقية أيضاً!

بعد هذه النظرة السريعة نستطيع أن نتأمل بوضوح كيف يستقبل العرب الرئيس الأميركي القادم إلى البيت الأبيض وهو رئيس لا يحمل تاريخاً سياسياً ولا أمنياً ولكنه يحمل صفات رجال الأعمال في المجتمع الرأسمالي بكل إيجابياته وسلبياته ... دعنا ننتظر ونرَ!

عن «الحياة»