تفعيل المجلس الأعلى للتعليم والتدريب المهني.. خطوة في الاتجاه الصحيح

بقلم : سامر سلامة، الوكيل المساعد - وزارة العمل

قبل عام بالضبط أطل علينا وزيرا العمل والتربية والتعليم العالي (مأمون أبو شهلا وصبري صيدم)، بقرار جريء طال انتظاره بإعادة تفعيل المجلس الأعلى للتعليم والتدريب المهني والتقني في فلسطين نحو توحيد مرجعيات منظومة التعليم والتدريب المهني والتقني والانطلاق بها نحو الحداثة والتطور في خطوة وصفها الخبراء والمهتمون بالتعليم والتدريب المهني بالتاريخية وخاصة أن قرار تشكيل المجلس الأعلى قد اتخذته الحكومة الفلسطينية في العام 2004 (قرار 145) إلا أنه ومنذ ذلك التاريخ لم يحدث أي تطور يذكر على عمل المجلس. لا بل وئد المجلس في مهده لأسباب تعود للقائمين عليه في ذلك الوقت. ومنذ العام 2004 وحتى العام الماضي اعتبر المجلس الأعلى مجلسا غير موجود أصلا ولا توجد له أي أنشطة أو أدوات تنفيذية على الأرض. وقبل أيام قليلة وفي اجتماعه الرابع بعد القرار المذكور بإعادة التفعيل اتخذ المجلس الأعلى قرارا أكثر جرأة ويدل على وضوح وبعد في الرؤية والمتمثل باعتماد عمل وهيكلية المجلس الفلسطيني لتطوير التعليم والتدريب المهني والتقني (مركز التطوير) ليمثل الذراع التنفيذي للمجلس الأعلى. فما دلالات هذه القرارات؟، وانعكاساتها على منظومة التعليم والتدريب المهني من ناحية ومعالجة مشكلة البطالة من الناحية الثانية.

لقد بدأت مسيرة تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني والتقني منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994 حيث عملت وزارات العمل، والتربية والتعليم، والتعليم العالي بمشاركة الشركاء الاجتماعيين من نقابات عمالية وممثلي القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني على إعداد وتطوير الإستراتيجية الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني، حيث أنجزت في العام 1998 لتكون أول إستراتيجية للتعليم والتدريب المهني في المنطقة. وقد توجت الإستراتيجية بقرار مجلس الوزراء رقم 145 للعام 2004 القاضي باعتماد الإستراتيجية وتشكيل المجلس الأعلى للتعليم والتدريب المهني والتقني واستمرت الجهود حتى العام 2006 بقرار مجلس الوزراء رقم 36 للعام 2006 القاضي بإنشاء المركز الفلسطيني لتطوير التعليم والتدريب المهني والتقني في خطوة وصفت بالهامة على طريق توحيد مرجعيات منظومة التعليم والتدريب المهني في فلسطين. إلا أنه ومنذ ذلك التاريخ وكأن الزمن توقف لتتوقف معه كافة الجهود الرامية إلى تنفيذ قرارات الحكومة الفلسطينية بهذا الخصوص. فاستمرت حالة التشتت والتشرذم على كامل المنظومة الأمر الذي انعكس سلبا ليس على منظومة التعليم والتدريب المهني وإنما على زيادة معدلات البطالة بين الشباب بسبب الخلل الواضح في تحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فقرار إعادة إحياء وتفعيل المجلس الأعلى ومجلس التطوير إن دل على شيء فإنه يدل على إدراك الساسة وصناع القرار على مستوى الحكومة والوزارات ذات الاختصاص (العمل والتربية والتعليم) وباقي الشركاء من وكالة الغوث والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني بأهمية العمل على توحيد منظومة التعليم والتدريب المهني أولا والعمل المشترك لتطوير هذه المنظومة لتلبي الطلب المتزايد على هذا النوع من التعليم في ظل تفاقم مستوى البطالة في صفوف الشباب وخريجي المنظومة الأكاديمية. فقرار التفعيل وإن جاء متأخرا إلا أنه جاء في الظروف المناسبة جدا وفي ظل تزايد الإقبال والطلب على التعليم والتدريب المهني.

ومن جانب آخر يعتبر قرار تفعيل المجلس الأعلى ومركز التطوير التابع له خطوة هامة سيكون لها انعكاساتها الايجابية ليس فقط على تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني وإنما على معالجة مشكلة البطالة في صفوف الشباب والخريجين من المنظومة الأكاديمية. فالمجلس الأعلى سيوحد مرجعية منظومة التعليم والتدريب المهني كما سيعزز فعالية المنظومة نحو توحيد الرؤى والأهداف والأولويات والحد من التشتت الحاصل وتكرار الأعمال والأنشطة التي تقدمها مؤسسات التعليم والتدريب المهني. هذا بالإضافة إلى تطوير أدوات المتابعة والتقييم الموحدة وتطوير أدوات ومعايير الاعتماد والجودة لمؤسسات التعليم والتدريب المهني وتوجيه التمويل نحو الأولويات الوطنية الموحدة والاستثمار الأمثل في الموارد المحلية المتاحة التي ستعظم من دور ونتاج منظومة التعليم والتدريب المهني. كما أنه سيحقق تطلعات المتعلمين / المتدربين بالتجسير بين المستويات المهنية الخمسة وفقا لمعايير موحدة تأخذ بالحسبان طبيعة ومتطلبات التعليم والتدريب المهني الأمر الذي سيغير الصورة النمطية عن التعليم والتدريب المهني. كما سيعمل المجلس الأعلى على إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص للاستثمار في هذا النوع من التعليم وزيادة انخراطه في أنشطة التعليم والتدريب المهني من خلال التدريب في مكان العمل والزمالة المهنية وغيرها، بحكم أن القطاع الخاص عضو أصيل وفاعل في المجلس الأعلى. هذا بالإضافة إلى تطوير وبناء قدرات العاملين في المنظومة من مدربين ومعلمين وإداريين وفنيين وفقا للرؤية الموحدة للمنظومة التي ستسهل تنقل هؤلاء الكوادر بين المؤسسات التعليمية والتدريبية دون أي عوائق بيروقراطية تذكر. وغير ذلك من المزايا الايجابية على منظومة التعليم والتدريب المهني.

أما انعكاسات تفعيل المجلس الأعلى على البطالة فإنها ستكون حتمية باتجاه تخفيض نسب البطالة في صفوف الشباب وخاصة أن جميع الدراسات ذات العلاقة تشير بشكل واضح بأن سوق العمل الفلسطيني بحاجة ماسة إلى مهنيين في كافة التخصصات وليس لأكاديميين من نفس التخصص. فكافة الدراسات تشير إلى أنه يوجد طلب كبير في السوق الفلسطيني وفي أسواق المنطقة العربية على المهنيين والفنيين في قطاعات البناء والسياحة والمياه والطاقة المتجددة والبيئة والتكنولوجيا والاتصالات والتعليم والصحة والثقافة والخدمات المختلفة. فإن المجلس الأعلى سيعمل على تحديد الأولويات في قطاعات العمل الأكثر تشغيلا ومن ثم توزيع الأدوار بين مؤسسات التعليم والتدريب المختلفة نحو تقديم خدمات تعليمية وتدريبية نوعية ومختلفة وباستخدام نفس الموارد من أبنية وكوادر بشرية. كل ذلك سيعظم من أثر التعليم والتدريب وبالتالي رفد سوق العمل بكفاءات مهنية قادرة على البدء في العمل الفوري في السوق.

وفي الختام يبقى التحدي أمام تفعيل وتطور المجلس الأعلى هو الاستثمار الصحيح في هذا المجلس وتقديم كل الدعم المالي والفني له ورفده بالكفاءات البشرية القادرة على النهوض به نحو فضاء التطور والإبداع.