الانحدار الزراعي الفلسطيني الصادم إلى أين؟

بقلم: جورج كرزم

مدير وحدة الدراسات والأبحاث في مركز العمل التنموي "معا"

رام الله- "القدس" دوت كوم- منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 للضفة الغربية وقطاع غزة، حتى يومنا هذا، أخذ قطاع الخدمات والوساطة المالية في المنطقتين الأخيرتين يتنامى بشكل متواصل، حيث بلغت حصته عام 2013 في الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 23%، بينما انخفضت حصة الزراعة انخفاضا دراماتيكيا من حوالي 35% عشية احتلال 1967 إلى 9.8% عام 2000 إلى 5.5% عام 2010 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2013) إلى 4.6% عام 2012، إلى 4.1% عام 2013 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2014)، إلى 3.8% عام 2014 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015).

كما أن استيعاب القطاع الزراعي للعمالة هبط هبوطا حادا من حوالي 32% في بداية الثمانينيات إلى 11.5% في العام 2012 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2013، مصدر سابق) إلى 10.4% عام 2014، بينما عمل 36.1% (عام 2014) في قطاع الخدمات (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015، مصدر سابق). وبالرغم من أن القطاع الزراعي يمتلك قدرة امتصاصية كامنة كبيرة للعمالة الفلسطينية، فقد خصصت خطط السلطة الفلسطينية الاستثمارية لهذا القطاع حصصاً هامشية من اجمالي الاستثمارات. وفي المقابل، واصل المستوطنون الصهاينة بشكل عام، ومستوطنو الأغوار بشكل خاص، توسعهم في المناطق الزراعية الفلسطينية التي يسيطرون عليها، وحراثة وزراعة المزيد من الأراضي؛ بينما مساحات الأراضي الفلسطينية المزروعة تتقلص باستمرار، ليس فقط بسبب السياسات الإسرائيلية في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهويدها، بل أيضا بسبب مواقف وسياسات فلسطينية رسمية غير جذرية تجاه الأرض والإنتاج الغذائي.

الاحتلال الإسرائيلي من ناحيته، ومنذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، يواصل دون توقف عملية تثبيت وقائع استيطانية-ديمغرافية جديدة على الأرض؛ ما أدى إلى تجزئة الضفة الغربية إلى معازل سكانية فلسطينية محاصرة بالجيش الإسرائيلي وماكنته وقواعده العسكرية والمستوطنات و"الطرق الالتفافية" والجدار الاستعماري.

العوامل الخارجية المتصلة بنهب المياه ومصادرة الأراضي والاستيطان اليهودي والجدار العنصري وانسداد آفاق التسويق وغير ذلك، تشكل السبب الموضوعي الأهم والأخطر للتقهقر الكبير الحاصل في الزراعة الفلسطينية، لكنها (أي العوامل الخارجية) ليست السبب الوحيد؛ بل إن هناك أسبابا ذاتية كشراء بعض المستثمرين لأراض زراعية وتحويلها إلى "مناطق صناعية حدودية" (مشتركة مع رأس المال الإسرائيلي!)، كما في مرج بن عامر بجنين، فضلا عن إقامة المنشآت والمباني على مساحات واسعة من المناطق الخضراء والأراضي الزراعية؛ ما ساهم في مزيد من تدمير البنية الزراعية الفلسطينية.

ويتمثل المشهد الزراعي الصادم في حقيقة التراجع الهائل والمتسارع لمساحات الأراضي المزروعة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي عام 2008، على سبيل المثال، بلغت مساحات الأراضي المزروعة في الضفة الغربية وقطاع غزة 1513 كم2، أي نحو 25% من المساحة الكلية (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 2009). وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديدا في عام 2011، انخفضت مساحات الأراضي المزروعة في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 932 كم2، أي 15.5% من المساحة الكلية (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015، مصدر سابق)؛ بمعنى أن نسبة الهبوط في المساحات المزروعة خلال أقل من أربع سنوات بلغت 38%!

ومنذ احتلال 1967 تجسد الواقع الفلسطيني المأساوي في حدوث انحراف كبير ومتواصل من انتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا في الريف الفلسطيني، إلى التبعية الاقتصادية والغذائية لإسرائيل. وبسبب الهجرة الفلسطينية القسرية للأرض الزراعية، ازداد عدد العاملين الفلسطينيين في السوق الإسرائيلي؛ وبالتالي تحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع استهلاكي، يستهلك معظم غذائه من إسرائيل والخارج،؛ ما ساهم في تراجع كبير وخطير في التراكم الرأسمالي المحلي الذي لم يُدَوَّر استثماره محليا في الانتاج الزراعي أو الصناعي.

كما ومنذ التسعينيات، لوحظ حدوث تناقص خطير ومتواصل في نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي (الإنتاج/الاستهلاك). ففي عام 1993، على سبيل المثال، تجاوزت النسبة 100% في بعض المحاصيل، وتحديدا الحمضيات وبعض أصناف الفواكه (213%)، الزيتون (190%) والخضروات الرئيسية بما فيها البطيخ والشمام (149%) (منظمة التحرير الفلسطينية 1993). أما خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فانخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي في الحمضيات والفواكه والخضروات الرئيسية إلى ما دون 100%، وإلى ما دون 150% بالنسبة للزيتون (دراسات نقدية في واقع التنمية في فلسطين، مركز بيسان للبحوث والإنماء، 2012). بينما الحبوب، الأعلاف، والإنتاج الحيواني (لحوم حمراء، لحوم دجاج وأسماك، وبيض وحليب) فقد عانت منذ عام 1993 من عجز كبير في نسب الاكتفاء الذاتي: 15%، 25% و47% على التوالي، انخفضت في أواخر العقد الأول من القرن الحالي إلى ما دون 10% للحبوب والأعلاف، وإلى ما دون 25% للإنتاج الحيواني (المصدر السابق).

أخيرا، لا بد من إجراء مراجعة اقتصادية-تنموية نقدية للمغالطة القائلة بأن التسويق الزراعي الفلسطيني هو المشكلة الأكبر. يمكن تفنيد هذه المغالطة من خلال توضيح أن الفائض الفلسطيني الناتج (الإنتاج/الاستهلاك) في الضفة والقطاع هو في بضعة محاصيل قليلة، بينما تعاني ذات المنطقة من نقص فادح في معظم الاحتياجات الزراعية التي تشكل العمود الفقري للسيادة الغذائية؛ فيتم استيرادها من الاحتلال الإسرائيلي أو الخارج. أفلا تستورد المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 معظم المحاصيل الاستراتيجية مثل الحبوب والقمح والأعلاف وغيرها، كما لاحظنا سابقا (نسب الاكتفاء الذاتي)؟ المشكلة إذن تكمن في ماذا وكيف نزرع؛ فهل نزرع المحاصيل الأساسية والإستراتيجية بكميات محدودة؛ في وقت نزرع فيه بشكل غير مدروس بعض المحاصيل الأخرى بكميات ضخمة لا لزوم لها، وتصديرها غير مضمون أساسا؛ لأننا لا نتحكم أصلا بالمعابر والحدود وعمليات التصدير ذاتها.

كما لا بد من دراسة واقع الحيازات الزراعية الصغيرة أو ما يعرف بتفتت الملكية التي يعتبرها الكثيرون مشكلة؛ إذ يمكننا هنا مناقشة زعمنا تحديدا، والقائل بأن الحيازات الصغيرة ليست بالمشكلة، ذلك أنه في الزراعة المقاومة والمعتمدة على الذات، يفضل أصلا العودة إلى الحيازات الصغيرة. فالمشكلة إذن تكمن في الافتقار إلى سياسة إنتاجية وطنية تعتمد على مدخلات إنتاج محلية، وتشجع الناس على العمل الزراعي وتنويع الانتاج الذي يلبي الاحتياجات المحلية بالدرجة الأولى؛ وعندئذ، سنتحرر من عقلية البحث عن الخلاص من الخارج.