إلهام المغيث... رسامةٌ مغربية النشأة فلسطينية الألوان والقضية

نابلس - "القدس" دوت كوم - / حياة أنور دوابشة/الرواد للصحافة والاعلام -تتقارب المصادفات لتجمع شمل مدينتين عربيتين، لم يكن من الممكن أن اجتماعهما بطريقةٍ أجمل، باجتماع شمل شخصين كانا ذات يومٍ أحد البشر العاديين، يجابهان مكابد الحياة ما استطاعا، غير مدركين أن الحرب الحقيقية مع الحياة لم تكن قد بدأت هجومها بعد.

إلهام المغيث نزال، ابنة مدينة وجدة الواقعة شمال شرق المغرب، اختارت أن تصنع معرضاً أسطوريا لتجربة ربما لم تعتقد ذات يومٍ بأنها ستخوضها، وبموهبة الرسم التي لديها، استطاعت أن تنقل قضيتها دون أن تنطق بكلمةٍ واحدة، فنظرة يتيمة إلى لوحاتها كفيلة بفهم الحكاية كاملة، وهي نقطةٌ تتميز فيها الرسامة إلهام.

درست الرسامة إلهام تخصص الرياضيات، ثم الهندسة المعمارية، وهي تعمل حالياً كمترجمةٍ في دوائر الأمن الفرنسي، وكاتبة عدلٍ في بلدية باريس.

عائلةٌ استثنائية

إلهام اختارت أن تحمل جزءاً من القضية الفلسطينية في لوحاتها، فكثيرةٌ هي الصور التي نشرت لها توضح شخصيات الأسرى والأسيرات والأطفال الذين يعتقلهم الاحتلال زوراً وبهتاناً، صورٌ يمكن أن تميز أنها من صنع يدي إلهام، فلا ينقل تجربة الإنسان المظلوم، إلى من عاش ذات التجربة وخاض ذات الغمار.

كان زوجها الأسير محمد نجيب مصطفى نزال، من بلدة قباطية، جنوب مدينة جنين، الدافع الرئيسي وراء خوضها باستفاضةٍ في رسم لوحاتٍ خاصةً بالشعب الفلسطيني لاحقاً، حين تداخل عالمها بعالم أهالي الأسرى والأسيرات، حين خاضت تجربة الفراق مثلهم، وفهمت حيثيات الاعتقال، والحرمان والزيارات من خلف الشباك.

الآن، ليس الشباك، فقط من يفصل بين إلهام وزوجها الأسير، بل هو وجودٌ عائليٌ استثنائي في منطقتين مختلفتين، فالأسير نزال يتواجد حالياً في سجن النقب الصحراوي، في حين استقرت هي خارج الوطن، برفقة طفله الرضيع محمود، الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر.

في البدء

عام 2014 كانت إلهام بصدد الخوض في تجربةٍ جديدةٍ من حياتها، تقول "تعرفت على زوجي في بداية سنة 2010، كنت بصدد إنجاز مقال ولوحة لأخيه الشهيد القائد محمود نجيب مصطفى نزال، وكانت تلك هي البداية".

الرسامة إلهام والأسير نزال عانيا كثيراً في سبيل إنجاح زواجهما، تروي إلهام حكايةً تحفظ تفاصيلها وألمها، فتقول" قضينا ستة سنوات في انتظار الزواج مع محاولات دائمة للسفر من مصر، حيث كان يقيم، إلى فرنسا حيث أتواجد أنا، كان اللقاء الختامي في الأردن، وذلك بعد أن تمت الموافقة من أبي على زواجنا في ذلك البلد".

21 يوماً فقط هي حصيلة الأيام التي استطاعت فيها إلهام أن تتعرف على زوجها، وعادت لفرنسا في انتظار أن ينجز أوراقه ويلحق بها.

لكن الأوراق لم تنجز، فبعد أيام ظهرت عراقيل كثيرة في طريق الزوجين اليافعين، بعد أن خاضا تجربةً سابقة في زيارة المحاكم الشرعية والمكاتب الإدارية.

إلهام بالنظر للحكاية من زاويتها لم تتوقع يوماً أن محمد سيغدو أسيراً، فهو ليس مطلوباً، كما أن الأمن المصري حقق معه لمدة سنة كاملة، قبل أن يسمح له بالسفر عبر مطار القاهرة إلى عمان، ولم يحدث شيء.

تعلم إلهام الآن أنها تقضي غمار تجربةٍ ليست بالسهلة، ولكنها تؤنس نفسها ربما، بقصص الأسرى الآخرين الذين تعاملت معهم بحكم تساوي النكبات، لتصغر همومها أمام همومهم ومعاناتهم ولو قليلاً.

هدية انتظار

رزق الأسير محمد نزال بطفله محمود، ولم تتح له فرصة استقباله واحتضانه وإسماعه الآذان بصوته كما تمنت والدته، تقول" رزقت بمحمود وأنا وحيدة، فقد كانت مشاعري متضاربة بين خوف شديد وشوق إلى محمد ، شغلت نفسي بالذكر والاستغفار وسألت الله أن يجبرني فمن علي سبحانه بابننا محمود بتاريخ 18/09/2016.

مضت 10 شهورٍ لاحقة لم تلمح فيها إلهام وجه زوجها، فلا تواصل بينهما، إلا عن طريق المحامي، أو بعض الكلمات الخجولة التي تصلني أحياناً من خلال الزيارات، حيث كانت تمضي وقتها باحثةً عن أخباره، أو عن أحدٍ يمكن أن يزوره، لعله يوصل إليه سلاماً منها، ويطمئنها عليه.

لم تقبل إلهام أن تتخلى عن زوجها الأسير محمد في أول امتحانٍ لهما بعد الزواج، فهي كما تؤكد تربت على تقديس رابط الزواج، فلم تفكر إلا في الدعاء ليمنَّ عليهما الله بالفرج.

إلهام الرسامة

تصور الرسامة إلهام لوحاتها عن الأسرى بنقل واقع أن السجن هو عذاب مزدوج، فرض عليها الحرمان من زوجها، وخلال فترة اعتقاله ستعيش مرغمةً دور الزوجة الفلسطينية، رغم كونها مغربية الأصل.

أتيح لإلهام أن تقاسي آلام الشعب الفلسطيني بشخصها، فاكتشفت عذاب الأهالي مع مؤسسة الصليب الأحمر، فقد قضت ثمانية أشهر في محاولة الحصول على وكالة تمكنها من تسجيل ابنها محمود باسم أبيه، وكان مندوب الصليب، يخبرها بأن زوجها يرفض مقابلته قبل أن تكتشف أن ذلك لم يحدث.

كما وتفاعلت إلهام الرسامة مع السجون والظلم الشديد اللاحق بأهالي الأسرى، فقد كانت تتوقع أن يسمحوا لزوجها بإجراء مكالمة هاتفية واحدة، فلم يحدث ذلك.

إلهام لم ترسم قضايا الشعب الفلسطيني فقط، بل تتخذ منحىً عربياً أوسع، فتنقل في لوحاتها معاناة الوطن العربي، في العراق وسوريا واليمن، وهي لا تعلم من أين يأتيها الإلهام لعمل هذه اللوحات بتلك الحرفية، فلا تتعمد وضع فكرة في عقلها قبل أن تشرع بالتنفيذ، بل تدع الأمور ترتسم من تلقاء نفسها، ومع ذلك حين انتهائها، يخيل لك بأن اللوحة تتحدث إليك بثقة عن القضية التي تحتضنها.

وتغمر السعادة قلب إلهام حين ينقل أهالي الأسرى لها ردة فعل أبنائهم حين رأوا صوراً لهم من رسم يديها، وأعطتهم دفعةً من الألم، وحين يصلها خبرٌ أن زوجها شاهد رسوماتها ويفتخر بها وبفنها دائماً.

حتى هذا اليوم، تبحث ألهام بين لوحاتها عن قصة سعادة مرتقبة، لوحة ترسم فيها حرية زوجها، ولقاءه الأول بفلذة كبده محمود، وحتى ذلك الوقت تترقب إلهام أي طريقة وفرصة سانحة، يمكن أن توصل لزوجها الأسير تغير التفاصيل في وليده البعيد عن أحضانه.