الدبلوماسي الاميركي السابق مفيد الديك يتحدث لـ"القدس" عن صورة المنطقة بعد فوز ترامب

رام الله- "القدس" دوت كوم- قدم الدبلوماسي الاميركي السابق مفيد الديك، الذي عمل نحو 32 عاما في وزارة الخارجية الاميركية وتقاعد منها منتصف العام الجاري، في مقابلة مطولة اجرتها معه "القدس" دوت كوم، صورة مفصلة عما يحمله فوز دونالد ترامب، وظروف صعوده بعيدا عن الاطر الحزبية التقليدية في الولايات المتحدة، وملامح الخارطة والعلاقات السياسية التي ستربط مختلف الاطراف بالادارة الاميركية الجديدة التي سيقودها دونالد ترامب، والصورة العامة للعلاقات الدولية بعد هذا التغيير الذي يشكل مؤشرا على صعود اليمين الشعبوي عالميا.

فوز دونالد ترامب

وقال الديك في مقابلة مطولة اجرتها معه "القدس" دوت كوم ان فوز دونالد ترامب فاجأ الامريكيين وأثبت خطأ استطلاعات الرأي التي صدرت ما بين أواخر شهر يوليو/ تموز، بعد انعقاد المؤتمر القومي الديمقراطي في فيلادليفيا بنسفينيا، حيث ان جميع استطلاعات الرأي (حوالي ٢٠ استطلاعا يوميا) لم تكن تتوقع الغالبية الساحقة منها فوز ترامب ( فقط ٣٪ منها تقريبا) اما البقية فكانت تتوقع فوز هيلاري كلينتون وبفارق كبير جدا، لكن ترامب فاز بعدد الأصوات الانتخابية رغم انه خسر في الأصوات الشعبية، حيث ان كلينتون فازت بأكثر من مليون صوت في الأصوات الشعبية .. لكن نظام الأمريكي الانتخابي القديم هو الذي يعتمد الأصوات الانتخابية (أي عدد ما حصل عليه المرشح الجمهوري من اعداد ممثلة للولايات المتحدة) لذلك فقد فاز ترامب بالرئاسة، ما كان مفاجأة وصاعقة خصوصا لليبراليين ولليساريين بل حتى الكثير من المعتدلين، انعكس مظاهرات في الشارع الأمريكي وردود فعل متباينة اغلبها كانت سلبية في أوروبا و بقية العالم .

فشل استطلاعات الرأي

وقال الديك "ان مؤسسة استطلاعات الرأي الامريكية مؤسسة عريقة جدا ولا اعتقد انها فشلت في التنبؤ بمن سيفوز في الانتخابات الامريكية عبر عقود. هذه مؤسسة غنية بالقدرات والكفاءات وبالخبرة والمال والشيء الوحيد الذي قد يخطر في بالي (رأيت عدة تقارير عن هذا الموضوع) هو ان بعض الذين يُستطلعون كانوا يكذبون على المستطلع او كانوا يشعرون بالخجل ليقولوا انهم سيصوتون لترامب، لان صورة ترامب في وسائل الاعلام كانت جدا سلبية وسيئة.. انه رجل خارج عن كل التقاليد ولا يعرف كيف يتعامل مع المرأة وينتقد الأقليات، وعائلات الجيش الأمريكي وهذا قد يكون احد تفسيرات خطأ استطلاعات الرأي الامريكية. اما الشيء الثاني فقد يكون كما حصل في إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي حين كانت المنافسة بين حزب العمل و الليكود، حيث لم يعبر الناس عن آرائهم الحقيقية آنذاك بشكل متعمد".

فوز ترامب بالرغم من خطابته العنصرية

ويقول الديك ان "أمريكا التي أتت في دونالد ترامب رئيسا لها بالرغم من كل تصريحاته العنصرية هي نفس أمريكا التي جاءت بباراك أوباما قبل ٨ سنوات بالرغم انه كان على يسار الوضع السياسي في أمريكا، وكان تقدميا في الكثير من اطروحاته وفاز بفارق كبير في فترتين انتخابيتين"

ولكن فوز ترامب "ليس فوزا عاديا فهو فوز استثنائي لانه لم يتفوق على المؤسسة الحزبية الديمقراطية بل عاد و فاز ايضا على المؤسسة الجمهورية .. أي انه جاء مناقضا للمؤسستين الحزبيتين الراسختين في اميركا منذ عشرات السنين ما يقودنا للاستنتاج بان ما مثله ترامب قد يكون بداية لحملة شعبية بعيدة عن الأحزاب السياسية التقليدية السياسية في أمريكا".

واشار الى ان الجمهوريين تخلو عن ترامب في أواخر حملته الانتخابية ومع ذلك فاز في الانتخابات بل قد يكون ساعد مرشحهيم على الفوز في الكونغرس، ما قد يكون بداية لحملة شعبية في الولايات المتحدة رافضة للمؤسسة، يمكن ان نسميها يميان شعبويا الى حد كبير الخطورة في هذا الموضوع وانها قد تكون جزء من حملة عالمية أوسع".

واضاف "يمكن وضع فوز ترامب في اطار مظاهر أخرى لا سيما خروج بريطانيا من أوروبا قبل ٣ شهور، وكذلك في اطار فوز اليمين في الانتخابات الفرنسية في الانتخابات القادمة، وهذا في غاية الخطورة أولا على الأقليات وابرزها الأقليات الإسلامية في أوروبا او في الولايات المتحدة حيث يعيش المسلمون في الولايات المتحدة الان في ظروف ممتازة دون تمييز ولكن الان مع قدوم ترامب الذي يشجع أنصاره على البدء بمعاملة المسلمين يطريقة مختلفة اذ بدأنا نرى مثل هذه المظاهر ما قد يؤدي الى اتخاذ المسلمين مواقف قد تكون معادية للولايات المتحدة وهنا تبدأ المشكلة".

واشار الى ان "الذي انقذ أمريكا من كل مظاهر الإرهاب هو ان المسلم الأمريكي يشعر بمعاملة دون تمييز في الوظائف او السكن او غيرها بل هو تحت القانون كجميع المواطنين".

تفشي الشعبوية اليمينية

واوضح ان تفشي الشعبوية اليمينية قد يكون تعبيرا عن ازمة مشير الى ان "ما يهم المواطن في أي بلد سواء ديمقراطي او غير ديمقراطي هو أمنه الشخصي، واذا شعر بأن امنه قد تهدد فهناك مشكلة وحينها سيشعر المواطن بانه مستعد للتخلي عن بعض حقوقه المهمة كالحرية اذا كان امنه الشخصي مهددا"

واضاف "اعتقد انه برز مؤخرا شعور في أوروبا والولايات المتحدة بين المواطنين بأن امنهم الشخصي قد تهدد، وهذا قد يدفع الناس في المجتمعات الديمقراطية الى التخلي عن بعض حقوقهم، وبالتالي فان بعض المسلمين الذين يقومون ببعض التصرفات الإرهابية يدفعون المجتمعات الغربية الديمقراطية لتتحول الى مجتمعات ديكتاتورية".

ترامب والقضية السورية

وبشأن الحرب الدائرة في سوريا اوضح الديك ان "ترامب لا يستطيع لوحده ان يغير السياسة الخارجية الامريكية بكاملها، فهناك مجموعة عناصر ومكونات تصوغ السياسة، وان الوقت الوحيد الذي كان الرئيس الأمريكي يستطيع فيه تغيير سياسة الولايات المتحدة الخارجية بشكل سريع يتعلق بالمواقف التي يشعر فيها المواطن الأمريكي بان امنه مهدد مثل تلك التي حدثت بعد هجمات ١١ سبتمبر، وبناء على ذلك استطاع بوش الابن اتخاذ سياسات قد يكون الأمريكي غير موافق عليها، ولكن بسبب انعدام الامن الشخصي لدى المواطن الأمريكي جعلته يمنح الثقة الكاملة للرئيس الأمريكي لاتخاذ القرارات و تسيير البلاد كما يريد".

واضاف "لا اعتقد ان الأمريكي يشعر ان امنه مهدد كما هو الحال في فترة ما بعد ١١ سبتمبر، فهناك شعور بالقلق من الجماعات الإرهابية، ومن بعض الاحداث الإرهابية التي وقعت، لكن لم تصل الامور الى مرحلة ان يمنح الرئيس الثقة الكاملة لتسيير البلاد".

واشار الى ان "تصريحات واحاديث ترامب ما تزال تتم ضمن اجواء الحملة الانتخابية وعليه فاننا يجب الا نحكم على مواقفه من الان، بل علينا ان نحكم على سياساته عندما يصبح رئيسا بعد ٢٠ من يناير القادم، حيث ان بعض الأشياء التي تكلم عنها ترامب خلال الشهور الخمسة الماضية تخلى عنها منذ الان".

واضاف "القضية الأساسية التي تخيف العالم العربي تتعلق بموضوع علاقته مع روسيا وسياسته في سوريا وما اذا كان ترامب يريد ان قيم علاقة جيدة مع روسيا، وما اذا كان مضطر للتعامل مع حلفاء روسيا في المنطقة، حيث انه لا يستطيع ان يصادق روسيا ويعادي ايران التي تعتبر محورا مهما في السياسة الروسية بالمنطقة".

وقال "دونالد ترامب تحدث بكلام جميلا عن مصر، ومصر لها كلمتها في كيفية إدارة السياسة الامريكية في المنطقة، وعلينا ان ننتظر دونالد ترامب من سيعين في منصب وزير الخارجية الامريكية، بالرغم انه لا يصوغ السياسة الخارجية وهو منفذ ومستشار للرئيس في الامور السياسة الخارجية

واوضح "أقول كما يقول الرئيس أوباما منذ يومين او ثلاث انه ليس متفائلا بشأن سوريا فالوضع هناك لن يكون جيدا خلال الفترة المنظورة واعتقد انه خلال الشهرين الأخيرين من إدارة أوباما، وفي ظل تقدم إدارة مستعدة علانية للتعاون مع روسيا في المسألة السورية، فان المشهد السوري يبدو وكما يحدث في حلب حاليا قاتم الى حد كبير في المرحلة القادمة".

ترحيب روسي بفوز ترامب

واوضح ان ترامب خرج الى العلن وبدأ بإيصال رسائل إيجابية عن روسيا والقيادة الروسية، بالرغم من ان "الروسي في الذهنية الامريكية هو عدو" منذ الحرب الباردة، لكن ترامب بدأ يتحدث عن ان بوتين رئيس يتمتع بقيادة افضل من قيادة الرئيس أوباما، وهذا كلام جديد في السياسة الامريكية .

هل سينفذ ترامب وعوده؟

وبشأن وعود ترامب التي اطلقها يرى الديك ان "وعود ترامب تبقى في اطار الحملة الانتخابية فقط، وهي تصريحات لاستقطاب اكبر عدد ممكن من الناس ، لكنه حين ينتقل الى البيت الأبيض سيطلع على الكثير من الاوراق والتقارير التي لا يعرف عنها شيئا، واعتقد هنا انه سيكون عليه تعدل مواقفه لتنسجم مع الواقع والا فانه سيفشل" مشيرا الى ان "ترامب بدأ بالتنازل عن الكثير مما قاله في حملته الانتخابية كمحاسبة كلينتون".

واوضح ان ترامب عين مجموعة من الاشخاص في ادارته وهؤلاء "قد يكونوا مؤشرا على إدارة ترامب واهم هذه التعينات السيناتور جيف ساشنس من ولاية الاباما الذي عينه كوزير للعدل، وكذلك تعيين الجنرال المتقاعد مايكال فليم كمستشار للامن القومي، وهذا موقع حساس جدا" مشيرا الى ان هذين التعينين" يثيران القلق حتى داخل الدوائر الليبرالية، خصوصا وزير العدل المسؤول عن حكم القانون في الولايات المتحدة، الذي سيأتي الى الوزارة بعد وزيرين من اصول افريقية اشغلا المنصب في عهد أوباما، وهذا الرجل بالتحديد معروف عنه ببعض مواقفه العنصرية ".

وقال ان "الديمقراطيين في الكونغرس ما زال لديهم قوى، وكل التعينات، ما عدا مستشار الامن القومي، سيكون للنواب قرار في تثبيتهم في مراكزهم او رفض ذلك اذا ما اصر عليهم ترامب، واعتقد ان الإدارة تقوم بدراسة ما يمكن عمله لإدارة ترامب، واختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، ولكن هناك مرحلة للتثبيت والمصادقة على التعيينات في مجلس الشيوخ الأمريكي والتي ستبدأ بعد تسلم ترامب الحكم في ٢٠ يناير ".

شعبية الديمقراطيين والجمهوريين

واشار الديك الى ان "ترامب لم يكن مرشحا جمهوريا كلاسيكيا، وانه كان مرشحا مختلفا لان المؤسسة الجمهورية حتى لم تكن دعمه، وانا لا أرى ان الحزب الديمقراطي تراجع او فشل بالرغم من فشل هيلاري كلينتون في الانتخابات، وقد بدأ الحزب الديمقراطي بعد الخسارة في البحث عن السبب في فشل استقطاب ما يكفي من الناس للتصويت للمرشح الديقمراطي رغم ما يقال منذ سنتين و ٣ سنوات من ان الحزب الجمهوري كان يعاني من مشكلة وجودية، وانه استعدى الأقليات وخاصة الاسبان في الولايات الامريكية " موضحا ان "الحزب الجمهوري بدأ ينكمش على ذاته و يتحول الي حزب يميني يعاني من أزمة وجودية، فجاء ترامب ردا على هذا الوضع و طرح نفسه بعيدا عن المؤسسة الجمهورية لذلك فاز ترامب ".

مظاهرات بعد فوز ترامب

وردا على المظاهرات التي خرجت في الولايات المتحدة يرى الديك انه "لا مشكلة في النظام الديمقراطي لقبول نتيجة الاقتراع، وهذه الاحتجاجات تعبر عن مشاعر لكن الفرق فيما يحدث بالدول الديمقراطية والديكاتورية هو انه في الدول الديكتاتورية تأتي قوة اكبر من الرئيس ومن المؤسسة الحزبية والديمقراطية، وتُغير الانتخابات لصالح المرشح الذي تريد، اما في المجتمعات الديمقراطية فان هناك حرية رأي وليس هناك مشكلة للمراقب بخروج المواطنين في الولايات المتحدة ليرفعوا صوتهم ضد فوز دونالد ترامب، وهذا لا يعني الغاء الانتخابات انما يعني ان هؤلاء الناس لديهم خوف وقلق من فوزه، ويمكن في المستقبل ان يتم تشكيل حركات ضد انتخاب دونالد ترامب وسياساته".

ترامب والقضية الفلسطينية

واشار الى ان السياسة الخارجية في البرنامج الانتخابي لدونالد ترامب لم تكن تحتل أولوية، وان السياسة الخارجية تراجعت على سلم أولويات الذهن الأمريكي السياسي خلال العقدين او الثلاثة الماضية وتحديدا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، موضحا ان "المواطن الأميركي يركز على أوضاعه الداخلية وهناك حالة من الانعزال الى حد ما".

وحول تصريحات دونالد ترامب المتضاربة عما سيقوم به ارتباطا بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي فبينما قال في بعض تصريحاته بانه سيكون حياديا، قال في اخرى بانه سينقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس وانه سيسمح بالاستيطان.

وقال الديك "اخشى ان يبتعد دونالد ترامب عن عملية السلام كليا، لان هذه العملية تراجعت خلال السنوات الخمس الماضية، اي بعد ما يسمى بالربيع العربي، وهناك الان مجموعة الكوارث والاحداث الكبيرة في العالم العربي التي تجذب الرأي العام، ليس العالمي فقط بل الإقليمي والفلسطيني ايضا، والقضية الفلسطينية تراجعت على سلم الاهتمام الدولي، فمنذ يومين كان هناك مؤتمر حول السياسة الخارجية (يحدث كل عام في أبو ظبي يحضره وزراء خارجية من العالم العربي و أمريكا و أوروبا)، لم تطرح القضية الفلسطينية في اعماله التي استمرت يومين الا لماما في حين ان هذا الملف كان قبل ٥ سنوات كان هو الموضوع الاول في أي نقاش عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الاوسط ".

وقال "اعتقد ان الفلسطيني يمر الان في بحر متلاطم، وهناك عواصف تحيط به، وهذه ليست المرة الاولى التي يمر بمثل هذه الاوضاع التي هي اقرب ما تكون من تلك التي رافقت حرب ١٩٩٠ حين احتل صدام حسين الكويت و شعر الفلسطيني انه اتخذ مواقف ابعدته عن حلفاء تقليديين في العالم العربي، وأُبعد عن إمكانية الحوار مع قطب مهم (الولايات المتحدة) ما جعل الفلسطيني يتخذ مواقف سياسية لم يكن سيتخذها لولا تلك الظروف".

واضاف "هذه ليست المرة الاولى، لكنه وضع صعب في ظل تراجع اهمية القضية الفلسطينية وتراجع الدعم العربي والإقليمي لها بسبب انشغاله في قضايا عربية اخرى، ومجيء ترامب الذي سيتبع سياسات غير كلاسيكية مقارنة بالسياسات التي انتهجت خلال الـ ٦٠ سنة الماضية في ظل إدارات أمريكية جمهورية وامريكية ، كانت اخرها إدارة أوباما الذي قد لا ترضي سياساته بعض الفلسطينيين لكني اعتقد ان بعض الناس سيتحسرون على أيام باراك أوباما مما، قد يواجهون من سياسات هوجاء ومفاجأة ومحابية لطرف ضد الاخر".

هل ستنسحب واشنطن من حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي؟

وبخصوص امكانية تراجع واشنطن عن التدخل لحل الصراع الفلسطينية الاسرائيلي اوضح الديك ان "ساحة الشرق الاوسط ليست ساحة أوروبية او روسية، بل ساحة أمريكية في الأساس، وبالتالي فاننا قد نجد ان الروس يدخلون كلاعب رئيسي في وضع سوريا التي كانت دائما ملعبا روسيا، اما بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فهذا صعب جدا، لان هذه تعتبر جزءا من الساحة الامريكية حيث انه وعلى مدى ٤٠ عام من محاولات السلام في المنطقة كان الاوروبي دائما لاعبا ثانويا وتابعا الى حد ما، ولا أرى إمكانية ان يقوم الروس او الاوروبيون بملئ الفراغ او تعويض النقص في التدخل الأمريكي".

واشار بهذا الشأن الى مؤتمر باريس للسلام وتساءل عما حدث وانه لم ينتج عن كل هذا اي شيء، موضحا انه "دون ان يكون هناك قائد امريكي لعملية سلمية، يأتي الاوروبيون كتابع للمساعدة في انجاز بعض الامور فانه لن يكون هناك عملية سلام".

واضاف "اذا اتخذ ترامب سياسات سلبية فان ذلك سيكون مكلفا جدا للفلسطينيين وسيئا جدا لهم، واذا ابتعد عن هذه القضية واتخذ موقف حيادا فان ذلك سينعكس سلبا على الفلسطينيين ايضا لأنه سيتيح للطرف الاخر باستغلال هذا الفراغ واتخاذ الكثير من القرارات والامور بلا خوف من انتقاد او ملامة او عقاب، اما اذا تشكلت إدارة تؤيد الاستيطان الاسرائيلي ولا تعتبره مخالفا للقانون او يعيق عملية السلام، فان اسرائيل ستشعر حينها انها قادرة على القيام بأمور لم تكن قادرة عليها من قبل".

كيف سيتصرف الفلسطينيون؟

واوضح ان افضل ما يمكن ان يفعله الفلسطينيون في ظل هذا الاوضاع يتمثل بـ "العودة الى عملية البناء الداخلي، وتعزيز مؤسساتهم الشرعية التي يحترمها المجتمع الدولي، ولعمل على ان يكون هناك مجلس اتشريعيا منتخبا وسلطة منتخبة، وتعزيز الثقة بين السلطة والشعب، وايجاد المزيد من فرص العمل، وان يشعر المواطن انه هو والمسؤول في سلة واحدة، وانهم جميعا يواجهون ذات الوضع الصعب، وان يتم البحث عن حلفاء في الاقليم مستعدين لمحاولة درء المصاعب والتحديات التي ستواجه القيادة والشعب الفلسطيني مستقبلا، والتواصل مع مصر لانه سيكون لديها قدرة على التواصل مع الإدارة الامريكية اكثر من غيرها، وكذلك التواصل مع روسيا في حال اراد ترامب إقامة علاقة صداقة معها، والتواصل مع إدارة ترامب والبحث عن فرصة لإيصال وجهة النظر الفلسطينية، وعدم مقاطعة الإدارة الاميركية المكلفة بالأمور الداخلية والخارجية و عدم مقاطعتها ليست مجدية".

نقل السفارة

ولم يستبعد الديك قيام ترامب بنقل السفارة الاميركية الى مدينة القدس وقال بهذا الشأن "اذا سألتني هل سيقوم ترامب بنقل السفارة سأجيب لا أعلم، ولا احد يعلم، ولكن هذا الامر ممكنا؟.. نعم ممكن لأن قانون نقل السفارة الاميركية الى القدس كان اتخذ قبل ٢٠ سنة، والذي كان يمنع تنفيذ ذلك هو الرئيس الأمريكي، الذي ظل ملتزما بيوقع بيانا بعارض فيه نقل السفارة من تل ابيب الى القدس بسبب أمور تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، فالقانون موجود واذا ما جاء رئيس يرى ان نقلها سيخدم الامن القومي الاميركي فان تنفيذ ذلك سيكون مسألة وقت وإجراءات سريعة ".

اليمن يتجه للحكم في أوروبا

ويرى الديك ان هناك حركة يمينية شعبوية قد تؤدي الى وصول اليمين الى قمة الحكم في الدول الديمقراطية الليبرالية، وان ترامب يفتح لها المجال، مشيرا الى حركة بهذا الاتجاه في أوروبا حتى قبل وصول ترامب الى الحكم، وان المسلمين في هذه الحالة سيقدمون كمسؤولين عن هذا الوضع و علينا ان ننظر الى ذواتنا بدقة، ف "نحن قد ساعدنا الاوروبيين للوصول الى هذه المرحلة، والوضع السيء الذي اصبح المواطن الاوروبي في ظله مستعدا للتخلي عن اهم مكتسباتهم (الديمقراطية) بعد الحرب العالمية الثانية لأنه خائف ان يقتل بلا ثمن".

وقال "بدأنا نرى تداعيات هذا الوضع في فرنسا، بعد العمليات الإرهابية الأخير حيث فرضت حالة الطوارئ التي لم يكن الفرنسي ليقبل بها لولا مقتل عشرات الاشخاص في يوم واحد، وهذا يحدث في أي دولة في العالم، فالمواطن له سلم أولويات أهمها امنه الشخصي ومأكله ومسكنه ثم الحريات والتجمع السلمي و العمل السياسي".

اميركا ودول الخليج

واشار الى ان "ترامب ادلى بالعديد من التصريحات التي تُفهم انها ضد دول الخليج العربي، ولكني لم اشهد أي تصريح مماثل بعد انتخابه كرئيس للولايات المتحدة، ومع ذلك قد لا استغرب ان يكون هناك تغيير دراماتيكي في العلاقة ما بين أمريكا و دول الخليج لأن أهمية دول الخليج كمصدر رئيسي للنفط تراجعت، ودول الخليج تدرك هذا الكلام، وان أمريكا باتت قادرة على انتاج ما تنتجه السعودية من بترول خصوصا بعد بدء استخدام تقنيات جديدة لانتاج الزيت الصخري" موضحا ان "ما اصبح يهم السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط و دول الخليج ، اصبح مرتبطا بمكافحة الإرهاب، وأهمية وجود إسرائيل في صناعة القرار الأمريكي الخارجي ".

اميركا وإسرائيل

ويرى ان هناك علاقة استثنائية ممتدة بين اسرائيل والولايات المتحدة منذ سنوات طويلة وان "العمل العربي غائب عن الساحة (الاميركية) وضعيف لأن لديه عدة قضايا، كما وان إسرائيل نجحت في اقناع الولايات المتحدة بان لديها نظاما ديمقراطيا وبالتالي يسهل على أمريكا إقامة علاقات مع دولة ديمقراطية مقارنة بالعلاقة مع دولة ديكتاتورية" فضلا عن "العامل الديني المشترك (المسيحية اليهودية) في حين ان الإسلام بعيد عن هذه عن هذا المزيج الموجود في أوروبا او الولايات المتحدة، اضافة الى ان هناك مجموعة يهودية ناشطة في الولايات المتحدة تعمل ضمن النظام الأمريكي، وتعلمت كيف تدخل الى النظام وتحول عددها واصواتها واموالها لصالح دعم أمريكا لإسرائيل ".

ويرى ان "إسرائيل بالنسبة لامريكا ليست ملفا سياسيا خارجيا عاديا مثل ملف ايران او تركيا او كوبا .. هناك بُعد داخلي للموضوع الإسرائيلي يلعب دورا في صياغة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وليس اللوبي الإسرائيلي هو اللوبي الوحيد والمهم على الساحة الامريكية، فهناك مثلا اللوبي الأرمني الذي كاد ان يسيطر على صناعة القرار الأمريكي ضد تركيا، وهناك اللوبي الكوبي الذي يضم مجموعة من الامريكيين المنحدرين من كوبا والذين سيطرو على القرار الأمريكي فيما يتعلق بكوبا، فالنظام الأمريكي مفتوح لتكوين مجموعات تملك ما يكفي من المال للتأثير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة باتجاه معين".

------------------------

الأستاذ مفيد الديك-

- دبلوماسي أميركي متقاعد عمل في وزارة الخارجية الأميركية لمدة 32 عاما وتقاعد منها في حزيران الماضي.

- عمل السيد الديك في السنوات الخمس الأخيرة في وزارة الخارجية الأميركية في بلدين عربيين يعتبران الأهم في العالم العربي حاليا، حيث عين في منصب الملحق الصحفي/ الناطق الإعلامي الرسمي للسفارة الأميركية في الرياض بالمملكة العربية السعودية في الفترة الممتدة ما بين 2010 – 2013، وبعدها مباشرة عُين في نفس المنصب بالسفارة الأميركية في القاهرة بمصر ما بين عامي 2013-2015.

- التقى الديك خلال عمله بالعشرات من كبار المسؤولين في الدول العربية التي خدم فيها، كما ظهر في عشرات اللقاءات الصحفية في الوطن العربي والعالم.

- عمل الديك في مناصب عديدة بوزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، وتحديدا في مكتب شؤون الشرق الأوسط في الوزارة، كان آخرها مدير مكتب الدبلوماسية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث كان يشرف على إصدار كل المواد الإعلامية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن أبرز المنشورات التي حررها في هذه الفترة عدة كتب عن الولايات المتحدة من بينها "موجز التاريخ الأميركي"