رغدة شحادة.. مبدعة بدأت مشروعها بـ37 شيكلا

نابلس- "القدس" دوت كوم- حياة انور دوابشة- لن تغدو رقماً هامشياً على طرف الحياة حين تنجح في استرداد نفسك وفي استنهاض أحلامك، ستصبح رقماً صعباً آنذاك، كقصة "رغد" الشابة الطموحة التي علّمت الذين تشبعت حياتهم باليأس والإحباط، وباتوا ينقلون عدوى مرضهم الفتاك، درساً في الإرادة، فلا أجمل من أن تعرف أن طموحاً وحلماً طفولياً تحقق برأس مالٍ لا يتجاوز الأربعين شيقلا.

كان صباحاً منعشاً لابد، حين جلست رغدة زايد شحادة (30 عاماً) من بلدة عجة قضاء جنين في غرفتها بعد أن أنهكها اليأس من إيجاد وظيفة ما، وظيفة كانت تريد تحصيلها في غضون سنة على التخرج، وهو أمرٌ شبه مستحيلٍ، لكنه عملٌ كانت تؤمن بأنه لا يجب أن يتأخر مع كم الجهد الذي بذلته في دراستها والتفوق الذي حققته، طموح تجاوز حدود وطنها فلسطين.

قصة رقم 37..

يحمل الرقم 37 حكاية خاصة مع الحرفية والفنانة رغدة شحادة، يحمل قصة نجاح ودعابة حين نعلم أنه كان رأس المال الذي بدأت به مشروعها.

حين قررت رغدة أن تنهض من شرودها خارج النافذة وتتوجه صوب شقيقها عميد، لتطلب منه 37 شيكلا لا أكثر، 37 شيكلا لتبدأ بصناعة حلمها في الوقت الذي لم ينصفها المجتمع في الحصول على عملٍ يحاكي دراستها.

كثيرةٌ هي الأمور التي عملت فيها شحادة قبل هذه المغامرة، فشلت في الكثير الكثير ونجحت في القليل، لكن القليل هذا هو ما تحول لإنجازٍ عملاقٍ لاحقاً في حياتها.

الفنانة شحادة تخرجت من جامعة القدس المفتوحة بدرجة البكالوريوس في تخصص إدارة الأعمال، دراسة تفوقت فيها وأحبتها كثيراً، وخططت على الصعيد المستقبلي أن تعمل في مجالها.

كانت تثق ثقة عمياء بأنها ستحصل على عمل فور تخرجها من هذا التخصص، ثقة منبعثة من تفوقها الجامعي، فقدمت امتحانات حصدت مراكز متفوقة فيها في وزارة التربية والتعليم، لكن سنة مرت دون عمل، شعرت فيها رغدة بصدمة من سوق العمل الفلسطيني، هذه السنة تحاكي معاناة كثيرين من الخريجين الذين لم يجدوا عملاً بعد، والذين مضى عليهم أكثر من سنة، لكنها تخالفهم حين تختار أن تتحدى سوق العمل وحين ترى أن هذه السنة لم يكن يجب أن تمر عليها دون تحرك.

حلمها القديم..

رغدة لابد تعلمت أن طفولتنا تعود لاحقا لتطارد المراحل الشبابية من أعمارنا، خاصة حين نفشل في شيء ما، منها نستمد أموراً ومواهب دفينة، وهذا ما حدث معها تدريجياً.

قررت رغدة أن تعبئ وقت فراغها بتعلم لغة ما، وأثناء بحثها عن موقع موثوق يساعدها على إتقان هذه اللغة، رأت عملاً يدوياً لإحدى الفتيات، شدها بطريقة غريبة، ربما ساعدها حبها للفن والأزياء على البحث عن تلابيب هذا الإعجاب.

سرعان ما فكرت رغدة أنها تستطيع فعل ذلك، بل تستطيع فعل أجمل من ذلك، لتبدأ العمل في هذا المجال، وتكون صفحتها الشخصية على "الفيسبوك" دكانها الصغيرة، وتنشر أشغالاً يدوية متنوعة من ملابس بألوانٍ صوفية زاهية، لأدوات نستخدمها كل يوم ويعتليها خطها مرسوماً كما لو أن روحها خطته، إلى تذكارات تحمل أفكارنا وصورنا وعبارات نؤمن بها.

بهذه الأمور البسيطة دخلت رغدة بيوتنا الفلسطينية واحتلت مكانتها هناك، حين بدأت قصتها مع أول تصميم لفتاة أعجبها عملها المنشور، ومن هناك ابتدأت الرحلة، بكثيرٍ من فرح.

مصنعٌ منزلي..

الآن تعمل رغدة في كل شيء يدوي تقريباً، تشتغل بالكتابة على الزجاج، وتزخرفه بخط يدوي خاص، رفضت أن تتعلمه بدورة تدريبية حتى تحافظ على روحها داخل هذا الخط، الاكسسوارت أصبحت لعبة بيدها تشكلها كصانع حاذق وتصنع من اللاشيء شيئاً ثميناً، كانت تؤمن بأن لا مكان للمستحيل ولن يهزمها سوق العمل، وبأن مساراً ما ينتظر سلوكها إياه.

الآن تتزين الناصرة وقلنسوة والطيبة ونابلس وجنين ورام الله والقدس والإمارات والسعودية والأردن بعملها، طلبيات كثيرة تطوف في حيفا ويافا تحمل شيئاً من روحها الطيبة، كما لو كان إنتاج مصنع ما، رغم أنها والحقيقة لا تملك حتى معملاً في البيت.

رغدة قصة تحدت مخاوف البطالة واختارت أن تتمرد على الفراغ، لم تكتف بالندم على دراسة ضيعت عمراً غير يسير من حياتها، بل كافحت لتصل إلى عمل يعيد لها ذاتها وقيمتها، وهي في كل قطعة تصل لمشتريها تعلم أن حلمها آخذٌ في النمو، ولا ضرر أن يصل للعالمية.