معضلة المنتجات الفاسدة والبحث عن حلول مستدامة!

بقلم: الدكتور عقل أبو قرع

رام الله- "القدس" دوت كوم- ما زال موضوع ضبط واتلاف منتجات فاسدة، تلوث، سواء أكانت مستوردة وبالادق منتجات اسرائيلية، أو منتجات محلية، يثير القلق والخوف عند المستهلك الفلسطيني الذي قد تصل او وصلت اليه هذه المنتجات بسهولة، وبالاخص بعد التأكيد ان بعض المنتجات الاسرائيلية كانت منتجات ملوثة ببكتيريا " سالمونيلا أو ليستيريا" قد وصلت الى رفوف المحلات وبالتالي تم استهلاكها من قبل الناس، وما لذلك من تداعيات قصيرة وبعيدة المدى.

وفي الدول المجاورة والبعيدة، توجد هيئات مستقلة وفعالة وموحدة للتعامل مع امور سلامة الغذاء والدواء ، التي وبدون مبالغة تهم كل الناس، ومن ضمن هذه الدول الاردن، حيث تعمل الهيئة بفعالية وبحزم، ومن الامثلة البعيدة عنا، "وكالة الغذاء والدواء الامريكية"، وما تتمتع به من امكانيات وكفاءات واستقلالية واحترام عند الناس، حيث أن موضوع سلامة الغذاء والدواء من الامور المصيرية للناس.

وفي بلادنا، وفي ظل مواصلة ضبط ومصادرة مواد فاسدة متعددة، فالمطلوب اجراء عملية تقييم لعمل الجهات العاملة في هذا المجال، وهذا امر روتيني عادي تقوم به جهات كثيرة وذلك لتقييم عملها ولتبيان النقاط الايجابية ومن ثم تدعيمها، وكذلك لتبيان السلبيات ومن ثم العمل على تجاوزها، وحتى تتم عملية التقييم، ومن اجل طمأنة المستهلك، فالمطلوب من الجهات الرسمية وغير الرسمية المهتمة بسلامة الغذاء والدواء ولمنع وصول المواد الفاسدة للناس، وضع برنامج منظم ومتكامل من اجل سحب عينات عشوائية، سواء اكانت من الخضار او من الفواكة، او من الدواء، او حتى من الخبز والكعك، والحليب ومشتقاتة، واجراء الفحوصات الروتينية لهذه العينات، في مختبرات تم اعتمادها، وتم التأكد ومن خلال مختصين بجاهزيتها، سواء طاقمها او اجهزتها، والاهم كذلك نشر نتائج الفحوصات من خلال الاعلام، لكي تصل الى المستهلك.

وحسب منظمة الصحة العالمية، فأن حوالي 2 مليون شخص يموتون سنويا، بسبب الاغذية الملوثة او الفاسدة، والتي تشمل الماء والغذاء، ومنهم حوالي مليون ونصف المليون من الاطفال الذين يموتون بسبب امراض الاسهال، الناتجة في غالبيتها عن الطعام الملوث، وحسب المنظمة فإن الاطعمة الفاسدة هي المسبب الرئيسي لحوالي 200 نوع من الامراض المختلفة، سواء بسبب البكتيريا، الفيروسات، الطفيليات، او بسبب تلوثها بالمواد الكيميائية والاشعاعية، حيث يمكن ان يحدث التلوث في المزرعة، او خلال السلسلة التي من خلالها يصل الطعام الى المائدة ومن ثم الى الانسان، والطعام الملوث كيميائيا، يمكن ان يؤدي الى امراض مزمنة او الى تداعيات صحية بعيدة المدى، مثل امراض السرطان، والتغيرات العصبية والخلقية، وان الاستخدام المكثف للادوية البيطرية قد ادى الى تكون سلاسل من البكتيريا، تقاوم اشد انواع المضادات الحيوية فعالية، وما لذلك من عواقب صحية وخيمه؟

وكان قد تم الاحتفال في يوم الصحة العالمي في العام الماضي، تحت شعار" سلامة الطعام من المزرعة الى المائدة"، وبدون شك ان أهمية هذا الموضوع تتجلى بوضوح في بلادنا، حيث لا يكاد يمر يوم الا ونسمع عن اكتشاف او عن ضبط ومصادرة واتلاف اطعمة ومنتجات فاسدة وبأنواعها، وهذه الدوامة اصبحت مكررة ومملة، وتحتاج الى تدخل نوعي، يهدف الى ايجاد حلول جذرية لموضوع الاطعمة الفاسدة او غير الصالحة في بلادنا، ومنها تشكيل هيئة تمثيلية وموضوعية وعلى اساس علمي، كمرجعية او كاطار موحد، يعمل من اجل الحفاظ على سلامة الغذاء والدواء في بلادنا؟

وفي بلادنا، فإن الطعام الملوث كيميائيا، قد يصل الينا من خلال مسارات عديدة، سواء من خلال الغذاء الذي نستهلك، او عن طريق المياه التي نشرب، وعلى سبيل المثال، يمكن ان نتعرض لكميات قليلة من المبيدات الكيميائية في منتجات غذائية او في المياه، هذا بالاضافة الى الازدياد في اتباع انماط غذائية غير صحية، من حيث استهلاك المواد المصنعة او المجمدة وما تحويه من مضافات كيميائية، او الاطعمة السريعة، والتي تعتبر مؤشرات مقلقة للاصابة بامراض غير سارية او مزمنة؟

وفي بلادنا، ورغم الجهود والخطوات التي قامت وتقوم بها، الجهات الرسمية وغير الرسمية للتعامل مع ظاهرة الاطعمة الفاسدة، وبالتحديد في ظروفنا او في واقعنا الخاص، الا ان هذا الموضوع، ما زال يثير القلق والارباك والحيرة، عند المواطن الفلسطيني، وبالاخص انه يدرك ان ما يتم اكتشافه او ما يتم الاعلان عن ضبطه واتلافه، لا يمثل الا الجزء البسيط، من تلك المواد الموجودة في السوق، والذي وبدون شك، جزء لا بأس به، يصل الى المائدة، ومن ثم الى ايادي وبطون المستهلك، وما لذلك من اثار وتداعيات، ان لم نلمسها الان، فأنه قد يكون لها انعكاسات بعيدة المدى.

وبالاضافة الى الاطعمة غير الصالحة، فإن موضوع سلامة الادوية يضاهي بالاهمية موضوع الاطعمة الفاسدة، حيث تتحدث الاخبار، بين الفينة والاخرى، عن وجود ادوية غير فعالة او مهربة او منتهية الصلاحية في السوق الفلسطينية، ، وعن وجود مستحضرات تجميل مهربة او غير مسجلة، وبالتالي غير خاضعة للتفتيش والفحوصات، وما لهذه الانباء من تبعات ومن اهمها حالات القلق والارباك وعدم الوضوح عند المواطن الفلسطيني، وكذلك الاثار الصحية والبيئية والاقتصادية المترتبة على ذلك، وهذا يؤكد على اهمية وجود هيئة مستقلة تملك الامكانيات من كفاءات بشرية ومختبرات وبرامج عمل لحماية المواطن الفلسطيني من الادوية والمستحضرات الاخرى والمتداولة في السوق الفلسطينية، والتي قد تكون في احيان عدة خطيرة.

وفي ظل واقع وجود جهات متعددة عندنا، سواء اكانت رسمية او غير رسمية، تعمل او تتدخل في مجال سلامة الطعام والدواء في بلادنا، والذي قد يؤدي في احيان عديدة الى تضارب او الى غياب التنسيق بين هذه الجهات، او حتى الى مبادلة الاتهامات وتحميل المسؤولية حين يكون هناك اشكال او مشكلة، لذا فإنه من الاحرى المبادرة من اجل انشاء جسم واحد يضم كافة الجهات العاملة في مواضيع سلامة الطعام والدواء، تعمل على تحديد الاولويات وتوفير الامكانيات تحت مظلة واحدة، وتكون العنوان الاوحد الذي يتعامل مع أمور مصيرية تهم كل الناس.