نحو رؤية إستشرافية لمعالجة مشكلتي البطالة والفقر في فلسطين... العائد الديمغرافي وتحديات التنمية

بقلم : سامر سلامة، الوكيل المساعد - وزارة العمل

محاضر في جامعة بيرزيت سابقا

رام الله- "القدس" دوت كوم- يشير العائد الديمغرافي إلى النمو الاقتصادي الذي ينجم عن انخفاض معدلات الوفيات والخصوبة، وانخفاض نسبة العبء الديمغرافي نتيجة ارتفاع نسبة السكان في سن العمل، وانخفاض معدلات وتأثر النمو لدى الفئات غير القادرة على العمل بالمقارنة مع الفئات المنتجة. ويحدث ذلك في المجتمعات التي لديها قدرة على إحداث توازن ممنهج ومنظم بين النمو السكاني والموارد المختلفة في البلاد بحيث يتم تحقيق الرفاهية لكافة السكان بشكل عادل. وقد أشرنا في مقال سابق وبشكل سريع إلى هذا التحدي الذي يواجه عملية التنمية في فلسطين بسبب الخلل الواضح في ميزان العلاقة بين النمو السكاني وتوفر الموارد التي تلبي احتياجات النمو الاقتصادي. وفي هذا المقال سنسلط الضوء بشكل أوسع إلى العائد الديمغرافي في فلسطين وتحديات التنمية المستدامة.

تعتبر فلسطين من أكثر دول عالم في ارتفاع النمو السكاني فيها إذ تصل النسبة الطبيعية للنمو السكاني إلى 2.9% وهي نسبة عالية جدا مقارنة بالدول ذات الإقتصادات المتطورة والتي يصل النمو السكاني الطبيعي فيها إلى 1.2%. والنمو السكاني يعتبر سلاحا ذو حدين. فمن جانب يعتبر النمو السكاني ضرورة طبيعية لرفد البلاد بالطاقات البشرية الشابة والمتجددة في حال إحداث التوازن بين النمو السكاني وتوفر الموارد ومن جانب آخر يعتبر كارثيا في حال عدم التوازن (كما في الحالة الفلسطينية) إذ يثقل النمو السكاني الكبير كاهل الدولة ويضاعف من عجزها عن تلبية متطلبات الزيادة السكانية الكبيرة الأساسية كتوفير الحد الأدنى المطلوب من خدمات التعليم النوعي أو توفير الخدمات والرعاية الطبية الضرورية لتصل إلى عجزها عن توفير المواد التموينية الضرورية. هذا ناهيك عن استنزاف الأراضي وخاصة الزراعية التي تتقلص رويدا رويدا أمام المد العمراني الكبير وما لذلك من آثار سلبية على البيئة بكل مكوناتها من تنوع حيوي نباتي أو حيواني والتلوث وغير ذلك من الكوارث. وبالطبع فإن الاقتصاد سيصبح عاجزا تماما عن الإنتاج الذي يفي بمتطلبات السكان الأمر الذي سيعكس نفسه على ارتفاع نسب البطالة في البلاد.

إننا لا نستطيع أن نتجاهل أبدا أن أحد مظاهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو صراع ديمغرافي إذ يحاول كل طرف التغلب على الآخر من الناحية الديمغرافية. وبالتأكيد من غير المطلوب فلسطينيا أو من غير الممكن النظر للموضوع الديمغرافي بمعزل عن بعده السياسي لما للموضوع من أهمية سياسية على مستقبل القضية الفلسطينية. ومع ذلك، لا يعفينا هذا الموضوع من التفكير بالبعد الديمغرافي من منطلق اقتصادي اجتماعي لكي نحقق العائد الديمغرافي بمفهومه الشامل لتحقيق الأهداف السياسية المرجوة لكي لا نجد أنفسنا أمام بعد ديمغرافي يشكل عبئا علينا وبالتالي خسارة القيمة المضافة لهذا البعد سياسيا.

وعلى ذلك فإنه مطلوب منا كفلسطينيين التفكير أو التخطيط للبعد الديمغرافي بتوازن وموضوعية حتى نحقق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المرجوة وبالتالي استخدام العمق الديمغرافي كسلاح فعال في مواجهتنا السياسية مع الاحتلال. وحتى نحقق ذلك لا بد من العمل على سياسات واستراتيجيات ديمغرافية فعالة لتحقيق العائد الديمغرافي المطلوب. لذلك لا بد من الاستثمار الأوسع في منظومة الصحة الشاملة لتعزيز النظام الصحي نحو زيادة معدل البقاء على قيد الحياة وتطوير الخدمات الصحية والإنجابية وأنماط الخصوبة ووسائل تنظيم الأسرة والحد من انتشار الأمراض المعدية والوراثية. كل ذلك نحو تحقيق التوازن المطلوب بين النمو السكاني الطبيعي وبين توفر الموارد الوطنية. كذلك تمكين المرأة والشباب ودعم مشاركتهم الفعالة في الحياة السياسية والاقتصادية يقلل من رغبة هذه الفئات من الهجرة وبالتالي تقليل استنزاف العقول والقدرات الشابة التي ستبني الاقتصاد وتحقق التنمية.

وبما أن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع فتي والشباب يشكلون ما يزيد عن 30% (بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني) من مجموع السكان فإن الاهتمام بهذه الشريحة أصبح أولوية وطنية لا يمكن التغاضي عنها أو تأجيل الاهتمام بها. لأن الشباب يمكن أن يشكل التحدي الأكبر أمام التنمية في فلسطين. وعلى أقل تقدير فإن عدم الاهتمام بهذه الشريحة يمكن أن يؤدي إلى زيادة وتيرة الهجرة في صفوفهم وبالتالي استنزاف أهم موارد البلاد التي يمكن التعويل عليها في بناء الدولة والاقتصاد. ومن هذا المنطلق لا بد من تبني عدد من التدخلات الإستراتيجية الموجهة للشباب مثل تحسين جودة التعليم بما يتلائم واحتياجات سوق العمل، وضمان الحق بالعمل اللائق وتوفير فرص عمل كافية لهم، وضمان مشاركتهم في الحياة السياسية وصنع القرارات والسياسات الوطنية، وضمان الحرية الفكرية وحرية الرأي والتعبير ، وتسهيل دخولهم الى عالم الأعمال والقطاع الخاص ومنع الاحتكار والاستغلال.

إن التخطيط الجيد للبعد الديمغرافي لتحقيق العائد المطلوب منه يعتبر أولوية قصوى على المستوى الوطني نحو الاستثمار الأمثل في الموارد البشرية الشابة في فلسطين واستباقا لتحول البعد الديمغرافي في فلسطين من نعمة وعمق إستراتيجي نحو التحرر والاستقلال إلى نقمة وعبء يقوض التحرك الوطني نحو الحرية والاستقلال.