زيتونة فلسطين.. صاحبة التاريخ والقضية

نابلس - "القدس" دوت كوم - جنان أبو زيتون/ الرواد للصحافة والاعلام - في إحدى صباحات هذا الخريف، ذي النسمات الباردة، تجهزت أنا وعائلتي لقطف الزيتون، جمعنا ما تحتاجه الرحلة من أمتعة، مقص للشجر ومنشار وأكياس خيش كبيرة لنضع الزيتون فيها، بالإضافة لمياه وزوادة طعام.

تحركنا نحو جبلنا الشامخ، لأشجار زيتون امتد عمرها سنين عديدة، عاشرت تلك الأشجار أجيالاً لا بأس بها من الأجداد والأحفاد، كل منهم ساهم في إنشاء علاقة حب ومودة معها.

على الطريق الطويلة الوعرة للجبل، دار في ذهني شريط من أحاديث أجدادي، حول الأرض وقصة الزيتون، فتساءلت! من هم الذين زرعوا الأرض؟ وما هو السر وراء عشقهم لشجرة تجلس في وسط الأرض وتأبى أن تتحرك؟ وهل تحتاج هذه الشجرة لأن يسخروا كل حياتهم للعناية بها؟ وهل كانوا يتذمرون بصعود هذا الجبل كما أفعل أنا الآن؟

ظلت تلك التساؤلات عالقة في رأسي، أبحث لها عن جواب! فقصة وطن ضاع برمشة عين، وحكاية شعب تشتت في رحاب الله الواسعة، وانتهاك وسلب للأراضي من أهلها بالقوة والجبروت أمر يحتاج للتحليل أكثر مما نتصور.

فمن تحت زيتونة ضخمة يكاد زيتها يضيء، ظل والديَّ يحدثانني عن هذه الأرض: "يا ابنتي هذه الأرض غالية علينا لا يمكن لنا أن نتركها هشة مدمرة، فجد جدك دللها وحافظ عليها كطفلة الصغير، حاكى فيها الغصن والورقة وارتبط فيها كثيراً، فكيف لنا نحن أن ننساها أولا نرعاها، فالزيتونة هي قوتنا نحن الفلسطينيين وسببٌ لوجودنا هنا حتى اللحظة".

فأمعنت النظر في الطبيعة الساحرة، وفي حركة الفلاحين المليئة بالسعادة بين أشجارهم ليقطفوا زيتون السنة ويجنوا زيتاً شهياً، حينها حيرني أمر من هم في مكان غريب عنا الآن، الذين هجروا من ديارهم، واستيقظوا بكامل الاستعداد في أول صباح لموسم الزيتون ليقطفوه، لكنهم وجدوا أنفسهم في مكان خالٍ من الشجر، في مكان اكتظت به البيوت وتلاصقت بطريقة عجيبة، بعيدا عن كل ما يسمى بالطبيعة بل بالحياة، اضطروا آسفين أن يجلسوا على عتبات منزلهم في المخيم، يحاولوا أن يجدوا تفسيراً مقنعاً لوصولهم إلى هناك، وعدم قدرتهم على أن يحصلوا على رشفة زيت زيتون أو حبة صغيرة منه.

ففي الوقت الذي ننعم فيه نحن في ضفتنا الغربية الفلسطينية بين أكناف شجرة مباركة، نلامس حباتها وأوراقها بلطف وانتماء، هناك من يحاول أن يصل إليها ويستلذ مذاقها العذب، ولكننا ندرك تماماً أنه لا يستطيع، فحلم كهذا لا يمكن أن يحقق بالهين، فشجرتنا العزيزة تقطع وتنتهك وتذهب جذور جذورها إلى الجحيم المجهول، ولكننا نحاول أن نسيطر على الواقع وأن نصع أملاً، ونسعى بكامل قوانا أن نتجه صوب إعادتها وإعادة كل فلسطيني اشتاق لجلسة صباحية تحتها وبين يديه الجبارتين رغيف زيت وزعتر وقرص من الجبنة.

أنهينا قطاف أكبر نعمة يفتقرها أناس كثيرون، وأيقنت بعد إمعان عميق بشجر الزيتون حولي، أن كل ما يدور حولنا يثبت قضيتنا، ويرسخ مفهوم الوطنية الفلسطينية، فكل سلسلة من الحجارة على جبلنا الصامد، وفي كل طريق وفي إي مغارة صغيرة وأي شجرة امتلأت أغصانها بحبات الزيتون كانت هناك رواية عميقة المعنى تؤكد وجود الفلسطيني منذ زمن طويل في هذا المكان، وتعلن أن أهل فلسطين أهل عز وشهامة أين ما ذهبت بهم مآسي الحياة، فزيتونةُ أرض فلسطين ليست كأي زيتونة في هذا العالم، فهذه الزيتونة صاحبة قضية وتاريخ عريق له ألف ألف حكاية.