هنا مخيم عسكر الجديد!

نابلس - خاص بـ "القدس" دوت كوم - غيداء نجّار / مدار للصحافة والاعلام – إذا وجدت نفسك في بقعة جغرافية صغيرة تضيق بأهلها، ونظرت شرقا وشمالا فرأيت قنوات ضخمة مكشوفة للصرف الصحي والمياه العادمة، وشرقا وغربا فرأيت منطقة صناعية وحسبة للخضار حيث الضجيج والصخب، ومسلخا بلديا وسوقا للحلال حيث الروائح النتنة، ومجمعا لخردة الحديد حيث الخطورة على الأطفال الذين يلعبون بجواره؛ فاعلم أنك في مخيم عسكر الجديد.

مخيم عسكر الجديد، يسكنه أكثر من 6500 لاجىء فلسطيني فوق مساحة إجمالية لا تزيد عن 109 دونمات، وتصل فيه نسبة البطالة إلى 70%، ثمة نفايات على جوانب الطرقات، وهواء ممزوج بروائح كريهة منفرة، ودخان أسود ينبعث من كل مكان وفي جميع الاتجاهات ليملأ سماء المخيم، ومدارس جامدة لا روح فيها، كل ما يشغل طلابها هو موعد انتهاء الدوام والخروج من صفوفها المكتظة إلى الأزقة بحثا عن رحاب اوسع، بحثا عن فسحة أمل في واقع مغلق.

حال يزداد سوءا

حال سكان المخيم تزداد سوءًا يوما بعد يوم من حيث الوضع الصحي، التعليمي، البيئي، الفقر والبطالة، وعدم قدرة أبنائه على تحصيل أدنى حقوقهم من وظائف وفرص عمل في ظل تقليصات متتالية من وكالة الغوث الدولية (الاونروا).

إن المساعدات التي كانت تقدمها الوكالة، على بساطتها، كانت تساعد الأسر الفقيرة على سد بعض احتياجاتها، لكن وكالة الغوث اليوم قلصت ثلثي مساعداتها، حتى طالت هذه التقليصات أهم قطاعين وهما الصحة والتعليم، وفي المقابل فإن تدخل السلطة الفلسطينية للحد من الفقر والبطالة في المخيمات شبه معدوم بذريعة عدم تجاوز مسؤولية وكالة الغوث.

أوضاع صحية مزرية

الوضع الصحي في المخيم حدث ولا حرج، وهنا يقول عضو لجنة الخدمات الشعبية، أمجد الرفاعي، بأنه تم افتتاح عيادة صحية في المخيم سنة 2010، ويداوم فيها طبيب واحد وثلاث ممرضات، لكن العيادة لا تسد حاجة سكان المخيم؛ فهي تفتقد للأدوية، وفي بعض الأحيان ينفذ دواءا السكري والضغط، وهما أهم وأبسط احتياجات الكثير من المرضى.

ويتابع الرفاعي "زيادة عدد سكان المخيم، وظهور أمراض جديدة أدت لعدم كفاية الأدوية للسكان، كما ان طاقم العيادة لا يعمل يومي الجمعة والأحد، وفي حال احتاج أي شخص للعلاج يضطر للجوء لمراكز صحية خارج المخيم بغض النظر عن مدى حالته الصحية".

ويضيف بأن ما يزيد من الأمر سوءا أن معظم التحويلات الطبية يتم توجيهها إلى مستشفى قلقيلية، أَضف إلى ذلك أن الصيدلية تغلق عند الثامنة أو التاسعة مساء.

نفايات متكدسة

خلال التجول في شوارع وأزقة وحواري المخيم، تلحظ النفايات مكدسة في كل مكان. ويعلل الأهالي ذلك بسبب قلة الحاويات، وعدم كفاية عمال النظافة إذ أن عددهم لا يتجاوز 4 عمال، ويعملون فترة ساعتين فقط. ويشكوا الكثيرون من انتشار الأمراض الجلدية اضافة الى الاميبا والربو وغيرها من الأمراض، ويقولون بأن دور الوكالة غائب في هذا المجال.

تدني في مستويات التعليم

حال التعليم في المخيم ليس بأفضل من الوضع الصحي، وما يشغل الأهالي والطلاب والمعلمين على حد سواء، هو اكتظاظ الشعب في المدارس.

ويقول الأهالي بأنه كان الطالب قبل عام 2009، أي قبل بناء أول مدرسة في المخيم، يسير نحو 3 كم وصولا الى المدارس في المخيم المجاور (عسكر القديم)، وهو يحمل حقيبة يصل وزنها نحو 5 كغم، ونتج عن ذلك وفاة بعض الأطفال.

ومن ملاحظات الأهالي فإن الوضع التعليمي في المخيم لم يصبح أفضل حالا بعد إنشاء المدارس في المخيم عام 2009، فالغرفة الصفية الواحدة الآن تضم ما بين 40-45 طالبا. وتسعى الوكالة لزيادة العدد حتى 50، عدا عن نقص الكادر التعليمي من معلمين ومعلمات، ولظروف ما يتسرب الطلبة من مدارسهم؛ قد يكون السبب في ذلك عدم إغلاق أبواب المدارس، وعدم وجود أسوار، وقد يكون بسبب عدم متابعة ذوي الاختصاص، أو عدم متابعة الأهل لأبنائهم.

دمج الصفوف

ويقول رئيس لجنة الخدمات في المخيم، محمد ابو كشك، بأن إدارة وكالة الغوث عمدت منذ بداية الفصل الدراسي الحالي إلى دمج الشعب بعضها ببعض، وأصدرت قرارا ملزما في جميع مدارسها بعدم "تشعيب" الصفوف، إلا في حال بلوغ عدد الطلاب في الصف الواحد "50 + 1" بخلاف خطط الوكالة المتعارف بإن تلتزم وكالة الغوث بقوانين ومعايير السلطة المضيفة وما تطبقه وزارة التعليم في السلطة، كأن يتم التشعيب في المرحلة الأساسية على "40 + 1" وليس على "45 + 1". ويكشف أبو كشك عن سبب دمج الصفوف وعدم التشعيب بقوله "بهذه الطريقة أصبح لدى الوكالة 267 مدرسا إضافيا "زائدا" نتيجة لدمج الصفوف، وبذلك تكون الوكالة فقدت أساس عملها في إغاثة اللاجئين وتشغيلهم، وبهذه الطريقة وفرت على نفسها الأموال ومنعت خلق فرص عمل للخريجين اللاجئين والمعلمين غير الموظفين".

وفي سياق متصل، يلفت أبو كشك إلى استغلال الوكالة للمعلمين من خلال إعطائهم 28 حصة دراسية في الأسبوع، في مقابل 22 حصة دراسية للمعلم في مدارس الحكومة، وكذلك 45 دقيقة للحصة الواحدة في مقابل 40 دقيقة في مدارس الحكومة.

المواصلات من أهم المشاكل

تعتبر مشكلة المواصلات من أهم المشاكل التي تواجه سكان المخيم، وقد عقدت فعاليات المخيم اجتماعا لها قبل عدة أيام طالبت خلاله الجهات المختصة، وعلى رأسها وزير المواصلات، بالنظر في معاناتهم اليومية الناجمة عن مشكلة المواصلات، حيث النقص الكبير في عدد السيارات العاملة على خط المخيم، وعدم التزام السائقين بالعمل على الخط المحدد لهم.

وشدد المجتمعون على ضرورة ايجاد حل جذري لهذه المشكلة، بما يضمن تنقل المواطنين من المخيم واليه بشكل سلس.

وبحسب الرفاعي، أن مشكلة خط مواصلات عسكر هي من ابرز المشاكل التي يعاني منها المخيم في الوقت الحالي، عازيا سبب ذلك إلى عدم التزام السائقين بتحميل ركاب مخيم عسكر الجديد تحديدا، اضافة الى عدم كفاية المركبات لتغطية المنطقة الشرقية.

من ناحيته يطالب أبو كشك بزيادة عدد المركبات العاملة على خط عسكر، وتخصيص مركبات تعمل على خطوط عسكر الجديد، والحسبة، للتخفيف من معاناة الأهالي اليومية.

لا أماكن للترفيه

يخلو مخيم عسكر من أماكن للترفيه عن النفس، ولا يجد أطفال المخيم سوى الشارع والأزقة لتمضية اوقاتهم وممارسة ألعابهم الرياضية.

ويقول عضو الهيئة الإدارية لمركز التطوير المجتمعي، ناصر أبو زر: "لعبة الأطفال الكبرى هي الخروج إلى الشارع لأنه لا يوجد لهم متنفسا غيره، فما أن يرجع الأطفال من مدارسهم، حتى يعودون إلى الأزقة ليفرغوا طاقاتهم وضغوطاتهم خارج إطار الذات والبيت"، مضيفا ان تصرفات الاولاد تؤدي احيانا الى نشوب خلافات بين الاهالي والجيران.

الوجه الاخر للمخيم

وعلى الرغم من كل المشاكل والمعيقات والمعاناة، فإن سكان المخيم يواصلون الحياة وتذليل ما امكن من عقبات، فقد بادر شبان ونشطاء إلى تأسيس مؤسسات وجمعيات محلية لتقديم ما أمكن من خدمات وتخفيف الضغط بأشكاله المختلفة عن الناس، ومنها مركز التطوير المجتمعي، وجمعيات أُخرى، وقد انبثق عن هذه الجمعيات "فرقة مشاعل فلسطين للفنون الشعبية" التي أصبحت أحد المعالم الحضارية والتراثية في المخيم.

ويقول أمجد الرفاعي وهو من النشطاء المبادرين إلى تأسيس مثل هذه الجمعيات والمؤسسات بأن فرقة مشاعل فلسطين تمثل الوجه الآخر للمخيم الحزين، وتحاول استجلاب الفرح كلّما أمكن ذلك، مضيفا ان الفرقة تأسست عام 2003، وهي فرقة فنية شعبية محلية تقدم العروض التراثية والدبكة الشعبية والفلكلور الفلسطيني بألوانه المختلفة.

واضاف بان الفرقة التي تتراوح اعمار منتسبيها بين 12 – 20 عامًا، عملت على نقل التراث الفلسطيني للخارج، ومثلت فلسطين من خلال تقديمها لعروض فنية وفلكلورية متنوعة في دول مثل النرويج والسويد وفرنسا، وأصبح لها صداقات عديدة في هذه الدول.