همّام... ألم العجز لا يحجب ابتسامته

نابلس- "القدس" دوت كوم- أسماء حاج سعيد- حينما تنظر إلى وجهه لن تستطيع أن تقاوم جمال تلك الابتسامة وهاتين العينين الواسعتين، يبدو لك وهو يجلس قريباً منك كأي طفل في عمر الثالثة، تتراقص عيناه فرحاً وابتهاجاً بشكل دائم، يداه عادةً ما تلوحان وتصفقان، إنه وبلا أدنى شك طفل سعيد للغاية.

يجلس على الأريكة، يراقب إخوته وهم يلعبون أمامه، يزيح رأسه وعينيه عندما يبتعدون عنه وينتظر اقتراب أحدهم ليمسك به ويشده للعب معه، يهدأ للحظات يستولي عليه فيها الإحساس بالضجر يريد أن يتحرك مثلهم أن ينهض ويلعب، يريد أن يشعر بأنه طفلٌ حر، ولكنه لم يعهد هذا الإحساس من قبل، فقد اختاره القدر من بين ألف طفل ليولد مصاباً بطفرة وراثية منعت عن أطرافه السفلية الحركة.

كانت والدة همام ملايشة من بلدة جبع جنوب جنين تستعد لاستقبال مولودها الثاني، عندما فاجأها أحد الأطباء بأنها ستنجب طفلاً يعاني من عيب خَلقي كما بدا واضحاً في الصور الطبية.

تقول أم همام: لقد سعدت كثيراً عندما بشرتني الطبيبة بأنني سأرزق بمولود ذكر، كنت في شهري الثامن عندما لاحظت على وجه الطبيبة نظرات غريبة، أخبرتني أن الطفل ربما يعاني من عدم تناسب في حجم رأسه وجسده ونصحتني بعمل صورة للتأكد من سلامته، ولكن كانت نتائج الصورة الأولي إيجابية.

شهر مرَ والقلق يعتمر قلب الأم وتخوفٌ من أن يولد طفلها وهو يعاني مرضاً ما، قبل الولادة بساعات تبين أن قلب الطفل ينبض بشكل سيء وحوّلت الأم كحالة ولادة للمستشفى الحكومي، وبعد ثماني ساعات بين انتظار وقلق، تقترب الممرضة لتسأل ما إذا كانت هنالك قرابة بين الأم والأب، فمن المحتمل أن المولود أصيب بمرض وراثي، كان يعاني منذ ولادته من مشاكل في التنفس وكان لا بد من إجراء عملية جراحية له.

صدمة تعرضت لها الأم التي لم تلمح مولودها بعد، ففي الوقت الذي كانت فيه بأمس الحاجة للمؤازرة والتشجيع، ترددت عبارات على مسامعها تفيد بأن طفلها يعاني من وجود فتحة من الدرجة الثالثة في ظهره وأنه إن لم يمت خلال أيامه الأولى فإنه لن يعيش طويلاً، ربما سيعيش لشهر أو اثنين، حزن سيطر على قلبها لمدة أربعة أيام قبل أن يُرسل الطفل لتجرى له عملية إغلاق لفتحة ظهره في مستشفى الإتحاد، شعرت الأم بفراغ كبير عندما عادت إلى منزلها من دون أن تحضر معها مولودها الجديد و قالت: غادرت المشفى، تركت إبني وتركت قلبي معه.

بعد مرور شهرين تحسنت حالة همام وظل والداه يهتمان بمراجعة حالته الصحية، إلى أن أصيب بانتفاخ في الرأس بعد أربعة أشهر أخرى نتيجة لصعود مادة النخاع إلى رأسه بعد عملية إغلاق الفتحة، واصطحب همام الى مشفى نابلس التخصصي لتجرى له عملية تركيب أنبوب يسحب الماء من الرأس إلى البطن، أصيب بعد العملية بارتفاع حاد في درجة الحرارة وبسبب عدم وجود طبيب للأطفال في المستشفى، أصيب همام بمرض السحايا وبقي في المشفى لمدة أحد عشر يوماً إلى أن تحسنت صحته.

يدعى المرض الذي يعاني منه همام مرض التورم النخاعي السحائي، وهو عبارة عن عيب خلقي يصيب واحداً من بين ألف جنين، ويتشكل عندما تمتنع فقرات العمود الفقري من الإلتقاء مشكلةً فجوة في الظهر تسمى "الصلب المشقوق"، ويعاني المصاب بهذا المرض من مشكلة الاستسقاء الدماغي(أي تورم في حجم الرأس) ومن فقدان القدرة على المشي كلياً.

والدة همام تقول أنه يحتاج إلى التأهيل فقط ولم يعد بحاجة للعلاج ـ الذي لم يتوفر يوماً ـ ولكن يظل هنالك تخوف من أن يصاب همام بفشل كلوي بسبب وجود مشاكل في الجهاز البولي ومن المحتمل أن يعاني من هذه المشكلة طوال حياته.

وتقول الأم وهي تجلس بجانب ابنها: سيبقى الأمل لدي موجوداً لظهور علاج يسمح لهمام بالسير، وسنبذل كل الجهد في البحث عنه في حال توفر في أي مكان، و أتمنى أن لا تسوء حالته أكثر وأن يظل صغيري بخير وأن يعيش حياة سعيدة حتى وإن لم يتمكن من المشي يوماً.

وأضعاف الألم يزداد الإيمان في قلب إمه التي ما فتئت يوماً تشركه في كل لعبة مع إخوته وأقرانه حتى لو اضطرت إلى حمله والتنقل به، وتسعد حينما يطلب منها اللعب ثانية وثالثة فتكفيها ضحكات عينيه.

من يعرف، فلربما ترفع أفكاره عقله أكثر مما قد ترفع أقدامه جسده، وربما ستسير به مدارك عقله عندما يكبر إلى طريق غير التي يسلكها الجميع، فالحياة كما يقولون ليست بحاجة لأقدام بل لإقدام.