نحو رؤية إستشرافية لمعالجة مشكلتي البطالة والفقر... دور المؤسسات الأهلية في التنمية الاقتصادية

بقلم: سامر سلامة، الوكيل المساعد - وزارة العمل

محاضر في جامعة بيرزيت سابقا

رام الله- "القدس" دوت كوم- تكثر التساؤلات في هذه الأيام عن الدور الذي تلعبه المؤسسات الأهلية الفلسطينية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين. وتتسع دائرة النقاشات في أثر المشاريع التنموية التي تنفذها تلك المؤسسات وتحدي إستمراريتها وخاصة في ظل التراجع الكبير على حجم ونوعية التمويل الأجنبي الذي يصل إلى تلك المؤسسات. كل ذلك وسط تضارب في الآراء حول تلك المؤسسات وجدوى وجودها في المجتمع الفلسطيني. إذ نلاحظ أن المجتمع منقسم حول هذه المؤسسات بين داعم ومؤيد لدورها وبين معارض ورافض لها.

إننا لا نستطيع أن ننكر الدور الكبير التي لعبته هذه المؤسسات وخاصة في العقود التي تلت الاحتلال الإسرائيلي. فكان أهم ما يميز هذه المؤسسات أنها أنشئت بمبادرات شعبية جماعية وكانت تعمل على أساس تطوعي الأمر الذي نفتقده في هذه الأيام. ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية الدور الذي لعبته تلك المؤسسات إبان الاحتلال الإسرائيلي حيث شكلت ما يمكن وصفه بالحكومة الشعبية التي تقدم كافة الخدمات المباشرة للشعب الفلسطيني من تعليم وخدمات صحية واجتماعية وإغاثة وتطويرية وزراعية وغيرها. وقد كانت تعتمد في تمويلها على العمل التطوعي والمساعدات العينية من المجتمع وتمويل مباشر من منظمة التحرير وبعض المساعدات المالية من جهات أجنبية.

وبعد قدوم السلطة الوطنية زاد الدعم المالي المباشر لتلك المؤسسات الأمر الذي أفقدها الطابع التطوعي وحرف بوصلة التمويل لديها من طلب المساعدات العينية والمالية من جهات فلسطينية معروفة إلى التقدم بمقترحات لتمويل برامج ومشاريع بملايين الدولارات. وليس عيبا في ذلك إذ يكفل القانون الفلسطيني عمل تلك المؤسسات وحصولها على التمويل لتنفيذ البرامج والمشاريع. ولكن السؤال المطروح علينا والذي أصبح يتسع أكثر فأكثر ويوما بعد يوم عن أثر تلك المشاريع التي تنفذها تلك المؤسسات على التنمية الاقتصادية وخاصة أن عشرات الملايين من الدولارات تم صرفها على مشاريع تنموية لم نلمس الأثر الكافي لها بموازاة ما تم صرفه على تلك المشاريع. فعلى سبيل المثال لا الحصر وفيما يتعلق بموضوعنا الدائم المتعلق بالتشغيل والعمل فإنه خلال الخمس سنوات الماضية تم تمويل مشاريع موجهة للشباب لمساعدتهم على إيجاد فرصة عمل أو البدء في مشروع ريادي صغير. وبحسب معلوماتي الخاصة فإنه تم رصد أكثر من 200 مليون دولار لهذا الغرض من جهات ممولة مختلفة خلال الخمس سنوات الماضية. والسؤال المنطقي المطروح علينا الآن وبعد صرف هذه المبالغ الطائلة كم عدد من تم توظيفهم في نهاية هذه المشاريع وكم مشروع ريادي قائم حتى الآن؟!

فلو اعتبرنا وبحساب بسيط أن كل فرصة عمل جديدة ودائمة بحاجة إلى 10 آلاف دولار أمريكي فإننا بعد صرف 200 مليون دولار نستطيع خلق 20 ألف فرصة عمل جديدة ودائمة. إلا أننا وبالنظر إلى النتائج الفعلية لتلك المشاريع نحد وفي أحسن الأحوال ، أن تلك المشاريع لم توفر أكثر من ألفي وظيفة أي 10% فقط من المعدل الطبيعي للعائد على استثمار 200 مليون دولار.

وفي النتيجة نستطيع الجزم أن المشاريع التنموية ذات الطابع التشغيلي للمؤسسات الأهلية الفلسطينية والممولة بالكامل من الجهات المانحة الدولية لا تؤدي غرضها وإنما الأموال المرصودة لها تذهب أدراج الرياح دون أي أثر يذكر. والسؤال المنطقي الآخر المطروح هنا ما العمل؟!

إنني أعتقد هنا أن المؤسسات الأهلية تستطيع أن تلعب دورا رياديا في التنمية الاقتصادية الاجتماعية ولكي تقوم هذه المؤسسات بدورها الطليعي المطلوب لا بد أولا من تصويب أوضاعها الداخلية والمتمثلة في تعزيز الحوكمة الداخلية لديها وإعادة الاعتبار للعمل التطوعي بشكل أو بآخر. ومن جانب آخر فإننا بحاجة إلى مزيد من الانفتاح وجرعات زائدة من الثقة وبناء مزيد من الجسور بين الحكومة والمؤسسات الأهلية نحو بناء شراكة حقيقية تقوم على توزيع منطقي ومناسب للأدوار نحو تعزيز النزاهة والشفافية في تنفيذ المشاريع من جهة وموائمة عمل تلك المؤسسات والأجندة الوطنية. ولتحقيق ذلك لا بد من تشكيل إطار تنسيقي قطاعي بين المؤسسات الأهلية الفاعلة على مستوى كل قطاع والمؤسسات أو الوزارات الحكومية المختصة لزيادة التفاعل والتنسيق والتشاور في تصميم التدخلات التي تنسجم والأجندة الوطنية ومتابعة مشتركة لتنفيذ تلك التدخلات وتقييم أثرها بشكل دوري. كما ومن الضروري توحيد قنوات الاتصال والتواصل مع الجهات المانحة لضمان التزام تلك الجهات بتمويل البرامج والمشاريع التي يتم تصميمها بشكل مشترك بين الحكومة والمؤسسات الأهلية ذات الاختصاص مع تأكيد مساهمة الحكومة في تمويل جزء من مصاريف تلك المؤسسات وخاصة تلك التي تعطي للعمل التطوعي قيمة إضافية. كل ذلك نحو مزيد من الثقة والتعاون بين كافة الأطراف نحو تحقيق التنمية المستدامة.