"بلعاوي".. فنان يطوع أوتاره ليترجم صرخات الفقراء والتواقين للحرية

جنين -"القدس" دوت كوم- علي سمودي - بين الموهبة والحلم المستمر يعيش الفنان العازف لؤي أحمد عبد الرحمن بلعاوي ، 22 عاماً ، من مدينة جنين ، حكاية عشق مع آلة العود التي تتطوع أوتارها بين أنامله الذهبية لتعزف من نبضات قلبه مشاعر دافئة لمحبوبته الأجمل فلسطين ، فتلامس القلوب العاشقة لأحلام الحرية ، وتترجم صرخات الفقراء والمهمشين والطامحين بغد مشرق بلا حدود أو حواجز أو قيود ، فتضفي على عالم الموسيقى الفلسطينية روح أصالة وإبداع تمتزج فيها كل المعاني بفن متميز يجسد أروع معاني الانتماء للانسان والقضية والوطن ، وتهدي لفلسطين فناناً صادق المشاعر وغنيا بالابداع ويستحق أن يحظى بفرصته حتى لا يبقى الفن احتكاراً يصادر طموح وأمنيات أمثاله من الموهوبين.

الوسيلة الوحيدة

رغم عمره الزمني ، فإن الفنان الجنيني لؤي، أثبت عبر مسيرته الفنية ، القدرات والطاقة الكامنة التي يتمتع بها بما يمتلكه من مواهب متعددة تجمع ما بين العزف والتلحين والغناء، ويفكر حاليا في تأليف أغاني ناقدة تلامس الوضع السياسي والاجتماعي الذي يمر به المجتمع الفلسطيني لقناعته أن الفن" هو الوسيلة الوحيدة التي تنطق وتعبر عما يجول في خواطر الناس لكنهم يعجزون عن التعبير" .

حصة التربية الفنية

في حي السيباط ، حيث الأصالة وروح مدينة جنين التي تنبض بالحب والحياة، ولد وعاش وتربى لؤي لأسرة مناضلة ، متواضعة وبسيطة ، والده عاش مناضلا وكادحا ومكافحا في سبيل وطنه وعائلته ويعتبر الداعم والمؤازر ومصدر الالهام لباكورة أبنائه الذي تفوق دوماً في دراسته ، وتميز بموهبته الغنائية التي فتحت أمامه الطريق .

من حصة التربية الفنية ، خلال دراسته في الصف السادس الابتدائي ، إكتشف الفنان المربي حسام السبع مدرس التربية الفنية، موهبة لؤي الفنية ، وهي لحظة لا ينساها ، فمنها عرف قدرته على الغناء، يقول " في أحد الأيام ، سألنا الأستاذ :من يعرف الغناء للطلبة ؟، رفعت يدي دون تردد ،وخرجت للغناء ، وأديت أنشودة" يا طيبة "، التي اعجب بها معلمي ، وطلب مني تدريبي على الغناء بشكل يومي والاهتمام بموهبتي لتطويرها "، ويضيف " اعجبتني الفكرة ، وتملكني الحب لفن الغناء الذي أتاح لي فرصة التعلم على عزف العود ، ورغم انها لم تستمر طويلاً ، لكنني شعرت بوجود علاقة كبيرة بيني وبين العود ".

لقب الفنان

بمرور الوقت ، وتكرار تجاربه الغنائية ،أصبح الفن جزءا أصيلا من حياة الطالب لؤي ، واصبح يلازم لقب "الفنان" اسمه في كل مرحلة دراسية ينتقل إليها ، مما جعله يشعر بفخر واعتزاز وثقة أكبر بقدراته خاصة في ظل تشجيع والده وعائلته والهيئة التدريسية وأصدقائه ، ويقول " جمال صوتي ونبرتي ، ميزتني كثيراً حتى أصبحت القارئ الرئيسي للقرآن الكريم والاناشيد والاغاني الوطنية بفترة الإذاعة المدرسية بشكل يومي، ثم أصبحت أمثل المدرسة في كل المسابقات والأنشطة التي تتعلق بالفن و الأنشطة اللامنهجية ".

اجمل فترة

هذه الفترة ،يعتبرها الفنان لؤي ،الأجمل بحياته ، كونها صقلت لديه روح الفن وموهبة الغناء ، فبدأ يجهز نفسه ويتدرب ويستعد أكثر للتميز والابداع و مقابلة جمهور أكبر، فقد ولدت لديه رغبة في الاحتراف ، خاصة بعدما ذاع صيته وهو على مقاعد الدراسة ، وأصبح معروفا كما يقول" لدى لجان التحكيم والتدريب لدى المشاركة في المسابقات التي تنظمها المدارس والتربية والتعليم ، فحصدت العديد من الجوائز على مستوى تربية جنين ، مما شكل بالنسبة لي حافزا على تطوير قدراتي والإلمام بهذا المجال بشكل إحترافي أكثر ".

أكثر العناصر والتجارب والاصوات التي جذبته لعالم الفن من غناء ثم العزف لاحقاً ، تأثره الكبير بالفنانين مارسيل خليفة وسميح شقير والشيخ إمام الذين حفظ اغنياتهم بداية عن والده الذي كان يرددها أمامه ، ثم سماعه بشغف دائم لها ، مما أكسبه كما يعبر " ثقة كبيرة بنفسه واهمية فن الغناء الذي إختار منها اللون والفن الوطني الملتزم ".

ذكرى مؤثرة

من الأشياء التي تحتفظ بها ذاكرة الفنان لؤي ، تقديمه لاول مرة أغنيته الخاصة عن القدس التي كتبها والده الذي يمارس فن الكتابة والتأليف والرسم ، ويقول " فرحت كثيراً لانني جمعت كل المعاني ، كلمات أبي وفن وطني وغنائي الشخصي ، فقدمتها خلال مهرجان محلي في جنين ونالت إعجاب الجمهور، فشكل كل ذلك ، مقدمات لبحثي عن طريق تبرز موهبتي وتعزز قدراتي وتأخذ بيدي لتنمية موهبتي لتصبح لي بصمتي الخاصة" .

جمعية الكمنجاتي

وجد لؤي ضالته وطريقه في جمعية " الكمنجاتي" التي أسسها الفنان إياد إستيتي ، فارتبط بها في سن الخامسة عشرة بالرغم المعيقات التي اعترضته سواء على صعيد دراسته وحرصه على مواصلة التمسك بتعليمه كونه متفوق ،إضافة للظروف المادية والاجتماعية رغم دعم والده الكبير له ، لكنه بعدما حظي بمنحة من جمعية "الكمنجاتي" عاد ليبحث عن الأمل بين أوتار العود .

عناق العود

من أجمل الذكريات بحياة الفنان لؤي ، لحظة عناقه العود لأول مرة،فهو يعتبره "العالم الروحاني والوجداني الذي نمى بداخله خلال سماعه لمارسيل والشيخ إمام وسميح شقير فأصبح يحلم بالعزف عليه،وفي المراحل الأولى من التدريب أتقن عزف هذه المقطوعات.

يروي لؤي ، انه في حصة الموسيقى الأولى في "الكمنجاتي"، خرج مدربه ، ليقول :بأنه سيكون له مستقبل كبير كعازف موسيقي ، فأقبل على التدريب واضعاً نصب عينيه الهدف الأسمى بأن يصبح "عازف عود عالمي ليمثل فلسطين في كل العروض "، ويضيف " كل تقدم ونجاح حققته ، زاد من طموحي بالوصول لمرحلة أقدم فيها عروضي الخاصة التي اهديها لوالدي وأمي ووطني فلسطين كونهم يشكلون إلهامي ".

لؤي والعود

شكل التحاق لؤي ، بجمعية " الكمنجاتي " في مدينته جنين ، بداية نقلة نوعية في حياته الجديدة لتترجم أفكار وأحلامه ، وعندما وصل لعامه الموسيقي الثالث ، ألف أغنية من كلمات شقيقته الكاتبة الواعدة ولاء بلعاوي، وغناها ، فكانت كما يقول " صادمة لأساتذتي وزملائي في الجمعية من كثرة إعجابهم بها ،حينها شعرت بأنني بدأت أنجز وأسير بالاتجاه الصحيح ، ولحظتها قررت أن أبدأ بأعمال تخصني مثل الألحان والأغاني والكلمات "،ويضيف"بدأت أتدرب دون توقف وأتطور أكثر في موهبتي كعازف ، ولحظة بدئي بالعزف أحاول أن أعبر عن ما بداخلي بالموسيقى للوصول إلى ألحاني وموسيقاي الخاصة بي ".

في هذه المرحلة ، أصبح الفن كما يرى لؤي " رسالة و أمانة بالنسبة لي ، يجب أن تحمل رسالة كبيرة تعبر عن الواقع والإرث الثقافي والوطني لوطني ولشعبي وحياتي ووالدي الذي أفخر به دوما "، بينما تحول " العود" لحياتي المرسومة بلوحة فنان ، فكل ضربة على وتر تسير مع نبضات قلبي لنصبح كتلة واحدة أنا والعود " ، ويكمل "أصبحت كلما تعلمت وتدربت أزداد التصاقا وحباً وعشقاً للعود بانتظار لحظة ولادة لحن جديد خاص بي" .

خلال فترة دراسته للموسيقى ،حظي لؤي بفرص ساهمت في صقل وتعزيز موهبته ، فقد شارك بعروض موسيقية وجولات،وفي إحدى المرات حصلت الجمعية من خلال فرقة الموسيقى الشرقية التابعة لها على المركز المركز الأول بمسابقة الموسيقى الوطنية التابعة لمعهد إدوارد سعيد ، ويعتبر لؤي الذي شارك كعازف مع الفرقة هذا الفوز من أجمل لحظة حياته .

أول معزوفة

"أنين "، أول معزوفة موسيقية ألفها لؤي قبل أربع سنوات ويقول " هي معزوفة حزينه استوحيت إسمها من تأثري بجريمة إستشهاد ثلاثة شبان خلال إقتحام الاحتلال لمخيم جنين ومن حادثة وفاة زوج خالتي التي كنت أرتبط بها بعلاقة وطيدة ، صدمت لتزامن الحدثين المؤلمين ،وشعرت بأن الألم الذي بداخلي هو الأنين الذي يعتبر أصعب مشاعر يمر بها الإنسان عندما يريد البكاء ولا يتمكن وغير قادر على التعبير عن القهر والألم الذي يسيطر عليه " ، ويضيف " عندما كنت في مناسبة لمديرية الثقافة في جنين ، وكانت المرة الأولى التي أقدم فيها معزوفة من تأليفي ، نالت نجاحا كبيرا حتى أن الشاعر باسم الهيجاوي وصفها "بأنها مجزرة أنين لأنها تحتوي لحظات هدوء وعنف وثورة ".

بصمة الفنان

هكذا انفتحت قريحة لؤي على التلحين والتأليف الموسيقي ، ويقول " بدأت أفكر وأبحث عن أفكار وألحان جديدة لكي تترك بصمة خاصة بي ، و لمجرد أن يسمعها أحد يميزها ، فواصلت تأليف ألحان جديدة ،وبعد أن أصبح لدي مجموعة منها ، شكلت فرقة " الثلاثي شغف" لعزف مقطوعات من ألحاني ذات الطابع الروحاني الارتجالي المعاصر " ، ويضيف " بهذه الروح بدأت الخطوة الأولى التي وضعتها لنفسي من سلم الصعود للنجاح ، فنظمت للفرقة عدة جولات وعروض في فلسطين لتقديم ألحاني وشاركنا بمهرجان " أدنبرا " في اسكتلندا".

مقطوعة "قربان "

يعتبر الفنان لؤي مقطوعة "قربان " ،من أهم انجازاته على مستوى كبير ، كونها تعبر كما يوضح " التضحية فكل فلسطين قربان"،فاطلق العنان لعوده ليعبر عن مشاعره الجياشة وتقديره واعتزازه بكل إنسان يضحي ،بغض النظر عنها ، مضيفاً " هناك تضحية الأب لإعالة أسرته ،تضحية الشهيد في سبيل وطنه ،المعتقل من أجل الحرية ، المغترب في تعليمه والعامل من اجل لقمة عيش شريفة "، ويضيف "شكلت هذه المقطوعة بداية نجاحي الملموسة في الوطن ، كما خرجت المقطوعة للعالم عندما عرضت في برنامج تلفزيوني موسيقى حول العالم على التلفزيون الأمريكي.

نجاح مقطوعة "قربان " حفز الفنان لؤي ، على التوجه نحو تأليف موسيقى تصويرية ، وإنتاج موسيقى مباشرة في مسرحية عرض مباشر قدمت عروضها في جامعة بيرزيت ،وكل هذا وفق إفادته ، "بالاعتماد على قدراتي الشخصية وعلاقاتي بالفن والموسيقى ، ولم أحظ بمساعدة أو دعم من أحد ، سوى منحة تعليمي التي تلقيتها بدعم من مؤسسة الكمنجاتي" .

في المقابل ، يعبر الفنان المبدع ، عن تأثره لما يتعرض له المبدعون من إهمال وتهميش ،ويقول " للأسف لا يوجد من يهتم ويرعى الفنانين الموهوبين ، ونشعر بالحزن بسبب هذا الواقع الذي يحرمنا حقوقنا، ومما يؤلمني أن اثنين من الموسيقيين العالميين عندما استمعوا لمقطوعة "قربان"، قالوا لي : أنني لا أقل أهمية عن عازفي العود المشهورين عالمياً ،لكن للأسف لا يوجد من يسمع أو يهتم بهذا الوطن !!!".

طموحات وامنيات

رغم ذلك ، ما زال الفنان لؤي ، يؤلف ويصدر مقطوعات فنية متميزة ، رافضاً التنازل عن موهبته وأحلامه رغم عدم توفر مورد رزق أو دخل أو مساعدة له ، وطموحه كما يقول " إنجاز وتسجيل وإصدار اسطوانة كاملة لمعزوفاته لكي تصل للعالم وللجمهور الفلسطيني الذي يعتبره ذواق وبحاجة ، لكن غياب الجهات الداعمة والراعية يحول بينه وبين ذلك" ، ويطمح لؤي للحصول على فرصة لتمثيل فلسطين في العالم ، فهو يعتبر الموسيقى رسالة وفنا انسانيا وحضاريا و أحد أشكال الصمود والثبات والمقاومة ورفض الذل والواقع لذلك يردد دائما "ذات يوم سوف أرسم حجرا على ورقة لكي نقاتل به ،وسأعزف بالحجر على أوتار العود لاجل الحرية والاستقلال والعودة ".