الاقتصاد الفلسطيني بين إنعقاد المؤتمرات والقيود المتواصلة؟

بقلم: الدكتور عقل أبو قرع

رام الله- "القدس" دوت كوم- في خضم توصيات وبيانات المؤتمرات والندوات المتعددة، والتي يتم عقدها من هذا الطرف أو من ذاك، وفي ظل الحديث من البعض عن التفاؤل وعن النمو المتوقع في الناتج القومي الاجمالي، يبقى الاقتصاد الفلسطيني، وفي ظل محدودية المصادر الطبيعية، وعدم التحكم في هذه المصادر المحدودة أصلا، من أرض ومن مياه ومعابر وثروات طبيعية، وفي ظل معيقات وقيود تعيق تطوره ونموه، واوضاع مثل أوضاعنا، يبقى هذا الاقتصاد بعيدا عن التغيير الكبير الذي يتحدث عنه أو ينادي به العديد من الخبراء ومن المحللين والذي تدعو اليه توصيات المؤتمرات، وتبقى نسب البطالة المرتفعة بشكل قياسي اصلا، ترتفع أكثر وأكثر كل عام، ويبقى الاعتماد الهش والمسيس على المساعدات الخارجية جزءا أساسيا من الميزانية ومن نسب الناتج القومي الاجمالي، ومن بند تنفيذ المشاريع التطويرية، ويبقى تحكم الجانب الآخر بمفتاح هذا الاقتصاد واقعا وحقيقة متواصلة، لا يمكن تجاهلها أوعدم القبول بها أو عدم الاعتراف بتكبيله لجوانب عديدة من هذا الاقتصاد.

حيث حسب الاحصائيات الحديثة، فان الفلسطينيين يستوردون ما قيمته أكثر من اربعة مليار دولار سنويا، من البضائع مباشرة من خلال الجانب الاسرائيلي، مع تصور الفائدة التي يجنيها الاقتصاد الاسرائيلي من ذلك، بينما لا تتجاوز الصادرات الفلسطينية الى اسرائيل، بضع مئات من ملايين الدولارات الامريكية، وان هناك قيود على الصادرات والواردات الفلسطينية، او ما يعرف بالكوتة، والتي تم تقييدها حسب الاتفاقيات الاقتصادية.

ومن المعروف أن اتفاق "باريس الاقتصادي"، بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، قد تم توقيعه وبالتالي تطبيقه، قبل أكثر من عشرين عاما، ومعروف ان هذا الاتفاق الذي ينظم العلاقات او المعاملات الاقتصادية والتجارية ونواحي العمل والضرائب والجمارك والاستيراد والمعابر وغير ذلك بين الجانبين، قد جاء في اطار تبعات اتفاق اوسلو وملحقاته، وبالتالي يمكن اعتبار اتفاق باريس الاقتصادي، جزء او امتداد للاتفاقيات السياسية التي تم توقيعها في حينه، والتي تمثلت باتفاق " اوسلو"، وبالتالي فان التعامل مع اتفاق باريس الاقتصادي، سواء من حيث التعديل او من حيث الالغاء، من المفترض ان يتم في اطار النظرة الشاملة الى اتفاق اوسلو، الذي رسميا ما زال قائما، وما زال الاساس الذي توجد عليه السلطة الفلسطينية وما يتبعها من مؤسسات، ومنها المؤسسات الاقتصادية.

وفي اقتصاديات دول أخرى، ومنها الاقتصاديات المتقدمة والتي تنمو بسرعة، بات الابداع والابتكار، هو مفتاح اساسي من اجل النمو والتقدم، وصحيح انه لا يوجد عندنا بنية تحتية تمتاز بالجودة لجذب الابداع، ولكن وبالاضافة الى البنية التحتية، من المفترض توفر الكفاءات والعقول البشرية وهذا عندنا، ومن المفترض توفر الخطط والاستراتيجيات وتوفر القوانين والتشريعات، وهذا من المفترض ان يكون عندنا، ونحن وفي ظل ضحالة المصادر الطبيعية، نحن الاحوج الى الاعتماد على الريادة وعلى الابداع والاختراع والتجديد، لكي نبقى وننافس ويتقدم الاقتصاد، وهذا يأتي بالاساس، من خلال الاستثمار في التعليم والتعلم والابحاث المرتبطة باحتياجات المجتمع والتدريب.

ومن ضمن هذه الاقتصاديات، الاقتصاد الاسرائيلي، حيث حسب استطلاعات اجراها" المنتدى الاقتصادي العالمي"، تحتل اسرائيل المرتبة الثالثة على مستوى العالم في مجال الابتكار والابداع والاختراعات والتجديد، وتحتل كذلك المرتبة السادسة في عدد براءات الاختراعات، والسبب الاساسي لذلك هو مستوى التطور والتقدم والاهتمام في البحث العلمي والتطوير للمنتجات والخدمات، وهذا كله بالاساس عائد الى مدى الاهتمام بالتعليم ونوعيته، وفي نفس الوقت تحتل المرتبة 27 في قائمة مستوى التنافسية للاستثمار وجذب رؤوس الاموال وبالتالي تطور واستدامة تقدم الاقتصاد والتنمية الاقتصادية.

ونعرف ان من ضمن العوامل التي تحدد درجة التنافسية وبالتالي أفاق نمو الاقتصاد وتدعيمه، جودة البنية التحتية ومقدرتها على جذب وتشجيع ودعم الابداع والابتكار والريادة، وبات مستوى التقدم في الريادة هو المعيار لتحديد مستوى التقدم عند الدول، اي من خلال تصنيفها " غنية او فقيرة بالابتكار والريادة"، واصبح التنافس على مستوى الدول او الشركات وبالتالي النجاح والتقدم وحتى البقاء يقاس بمدى القدرة على تقديم الجديد ، بالجودة والفائدة والاهم الجديد الذي يلبي حاجات الناس ويخدم مصالحهم.

ومن اجل البقاء والتنافس وبالتالي التقدم الاقتصادي الذي تنادي به توصيات المؤتمرات، من المفترض الاستثمار في التعليم من الاساس، اي في البنية التحتية للتعليم، بدأ من الاسلوب والمنهاج وتحفيز التفكير والابتعاد عن التلقين، والاعتماد اكثر على البحث العلمي ، وهذا يعني توفر السياسات التي تصب في هذا الاتجاه، وهذا يعني تكامل النمو في الاقتصاد مع فلسفة التعليم، وهذا يعني بالاساس وجود الاهتمام بالتعليم والتعلم والابداع كأولوية على المستوى الرسمي، وهذا يعني ان يتم تخصيص جزء رئيسي وان لم يكن الجزء الاكبر في الميزانية للتعليم، ولا عجب اذا علمنا ان في دولة مثل تركيا، حيث حققت تقدم اقتصادي مستدام، بل حققت معجزة اقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية، يحتل التعليم البند الاول والاهم من حيث مقدار ما يتم تخصيصه للقطاعات المختلفة في الميزانية التركية، حيث يتقدم ما يتم صرفة على قطاع التعليم قطاعات اخرى كالصحة والامن والخدمات وغير ذلك.

والتركيز على الابداع والابتكار والبحث والتطوير، كعامل اساسي لمواصلة تحقيق نمو مستدام، فان الاقتصاد الفلسطيني، ورغم صغر حجمه، ورغم قلة الموارد، من المفترض ان يركز اكثر على الكفاءات البشرية الموجودة، وعلى افكار ابداعية ربما متواجدة، ولكن تبحث عن حاضن وعن ممول وعن داعم، وبالتالي الاستثمار في الابداعات وفي الريادة، ذات العائد الاقتصادي والاستثماري، والتي اصبحت ، احدى اساسيات وقوة وثبات اقتصاديات الكثير من الدول، والتركيز على استثمارات ابداعية في قطاعات انتاجية مهمه ونحتاجها، في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والمياه والطاقة وحماية البيئة.

وبالاضافة الى التركيز على الابداع والابتكار كمسارات استراتيجية لنمو الاقتصاد، فان هناك الاقتصاد الاخضر، أو الاقتصاد المستدام، وهو الاقتصاد الذي تتم ادارته بصورة مستدامة وفعالة وصديقة للبيئة، اي بدون استنزاف اقتصادي وبيئي، ومن هذا المنطلق فان البناء الاخضر مثلا، يجب أن يراعي الجوانب البيئية، قبل البناء، من حيث اختيار موقع البناء، وخلال البناء من حيث اختيار المواد المستخدمة في البناء، مثل استخدام التربة والحجارة المحيطة بالمنطقة، واستعمال الرمل، والمواد التي لا تلوث البيئة او تستنزف مصادرها.

والاقتصاد الاخضر يهدف الى ترشيد استخدام الطاقة والمياه وتقليل انتاج النفايات بأنواعها المختلفة، خلال وبعد الانتهاء من البناء، مثل استخدام الطاقة الشمسية او المتجددة بشكل اساسي وفعال، واعادة تكرير المياه واستخدام المياه الرمادية، ووجود انظمة من اجل فصل وتدوير النفايات، وهناك مؤسسات تحدد معايير واسس ومواصفات البناء الاخضر، وهناك دول تقوم بمنح الحوافز والتشجيع من اجل التوجه الى هذا النوع من البناء او الاقتصاد الاخضر؟

ومن اجل تشجيع الممارسات الخضراء بشكل عام، الممارسات التي لا تضر بالطبيعة والبيئة، احتفل العالم قبل سنوات، بيوم البيئة العالمي تحت شعار" الاقتصاد البيئي او الاقتصاد الاخضر"، كاقتصاد مستدام، يحافظ على البيئة ويعمل على عدم استنزاف المصادر الطبيعية غير المتجددة، وبات من المعروف العلاقة الوثيقة التي تربط البيئة وبمصادرها المتعددة مع الاقتصاد او التنمية والتقدم الاقتصادي وما الى ذلك من انعكاسات اجتماعية وثقافية وحتى سياسية؟

وفي بلادنا، فان الاقبال على الممارسات الاقتصادية والعمرانية الخضراء، من خلال عدم استنزاف المصادر المتاحة، وخاصة في الحالة الفلسطينية التي تتمتع بمصادر طبيعية محدودة وبحيز مكاني ضيق، سوف يعمل ويشجع في المحصلة على انشاء المزيد من المشاريع التنموية، وبالتالي الى ايجاد المزيد من فرص العمل والتشغيل، وبالتالي يعمل على محاربة الفقر والحد من البطالة، وفي نفس الوقت حماية البيئة من الدمار ومن الاستنزاف، ومن عدم القدرة على ملائمة عيش الاجيال القادمة.

ومن أجل نمو حقيقي ولو ضئيل للأقتصاد الفلسطيني، ومن أجل تغيير على ألارض يمكن ان يلمسه المواطن، بعيدا عن شعارات وتوصيات المؤتمرات الكبيرة والبراقة، فاننا من المفترض أن نتجه ومن خلال استراتيجية وطنية شاملة وملزمة ومحمية بقوانين وتشريعات، ومن خلال تشجيع التكنولوجيا والمبادرات والخبرات، ومن خلال الحوافز والدعم، الاتجاه الى مصادر الطاقة المستدامة أو الطاقة المتجددة، أو الصديقة للبيئة أو النظيفة، أو مصادر الطاقة الخضراء، ومنها الشمس والرياح والمياه والغاز وما الى ذلك من مصادر نستطيع ان ننتجها ولو بشكل تدريجي أو تراكمي، وفي نفس الوقت نستغني وبشكل تدريجي عن مصادر طاقة، تكبل ايدينا وتستنزف اموالنا وتلوث بيئتنا، وتقوم بتقييدنا سياسيا وماليا واقتصاديا ونفسيا، وما يترتب على ذلك من مضاعفات على السياسة وألاقتصاد؟