كتبٌ "مخلةٌ للآداب" تغزو المكتبات الفلسطينية

نابلس - "القدس" دوت كوم - حياة أنور دوابشة (الرواد للصحافة والإعلام) - لم تعد القيم الأخلاقية الهابطة حكراً على مشاهد تلفزيونية أو ألفاظٍ نابية، بل باتت تدخل بين أكثر الأمور التي قد نستثني تواجدها فيه، داخل كتابٍ تعهد كاتبه أن ينقل من خلاله علماً أو يقص تجربةً أو يتحدث عن أحداثٍ تاريخيةٍ مشرفة، ففي الوقت الذي يزخر فيه الشعب الفلسطيني بتفاصيل هي أكثر من كافية ليتم ادخارها وأرشفتها في الكتب، وسجلاتٍ نضالية غابت عن عباقرة القلم، بدأت كتبٌ جديدة تطفو على السطح، كتبٌ أقل ما يقال عنها أنها تفتقد للآداب والحياء والأخلاق.

إحدى القارئات النهمات للكتب قالت بأنها سمعت كلاماً يثني على أحد الروايات الحديثة المتداولة، ولشدة فضولها طلبت من ذات الفتاة التي تتحدث عن الكتاب أن تعيرها إياه لتقرأه، ولكنها أكدت لنا أنها لم تستطع إنهاء أول صفحةٍ من الكتاب لفرط ما يحتويه على مصطلحاتٍ إيحائيةٍ مخلةٍ بالآداب، وتصويراتٍ جارحة للعقل والأخلاق.

كتب هابطة..

الغريب أن مثل هذه الكتب تلقى رواجاً واهتماماً كبيراً من دور النشر، وتسارع لاقتنائها وترويجها ودعم كتابها، وعمل حفلات إشهار وتوقيع لهم، والأمر اللافت هو مبادئ دور النشر والمعايير التي تتبعها عند قبول دعم أي رواية أو كتاب، فمن الواضح أن الأخلاق ليست معياراً مهماً لها.

عند مراجعة الرؤية لأي دور عرض في فلسطين بشكل خاص يمكن ملاحظة التشابه في الدور الذي تنتهجه في مجال نشر الكتب، وهو حماية حقوق الملكية الفكرية ومحاربة القرصنة، لكن ماذا عن حماية العقول الناشئة؟!.

مجموعة قراء تنوين المتداولة والنشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تم إنشاؤها استكمالاً لسلسة تنوين، تهتم بالكتب العريقة، وهي مجتمع مصغر للقارئين النهمين، ويمكن القول أن محتواها يعتبر مدعاة للفخر، المجموعة طرحت في الآونة الأخيرة نقاشاً على تعليقٍ لأحد القارئات" آية عجوري" وقد قالت" بعد قراءة هذه الرواية، فإنها لا تستحق سوى الحرق والتدفئة عليها"، مشيرةً للرواية في الصورة.

تعليق القارئة العجوري كان يتحدث عن رواية حديثة العهد وكاتبها عشريني –رغم أن السن لم يكن يوماً سبباً لفشل الرواية- وحوالي 50% من أعضاء المجموعة أيدوا كلام القارئة، وبدراسةٍ بسيطة لفحوى الرواية يمكن معرفة أن السبب يعود إلى الأسلوب في الطرح والذي يسهب في المواضيع العاطفية والهابطة.

وجهة نظر كاتب..

الكاتبة المقدسة الفلسطينية سلام عيدة قالت في حديثٍ معها "سر قوة الكتابة لدي على الأقل هي أنني لو توقفت عنها لانفجرت، فهي طريقي في التعبير عن كل أفكاري المؤلمة وملاحظاتي القاسية حول الحياة، فمن قبل كنت أعبر عن الرفض والاعتراض ومحاولة التغيير بالكلام وكان ذلك صعباً ومرهقاً".

ترى الكاتبة عيدة أن الكتابة تريحها وتجد طريقها لقلب القارئ بلا ضغوطات وأنها حين تبتعد عنها تصاب بالاكتئاب.

الكاتبة عيدة أصدرت أولى روايتها مطلع العام 2014، لذلك يمكن اعتبارها كاتبة حديثة العهد، وقد لقيت رواياتها جمهوراً واسعاً، وتسعى قريباً لنشر روايةٍ بعنوان" هل أخطأت العزف" غير أنها تواجه صعوبات كبيرة مع دور النشر لأجلها.

توضح الكاتبة عيدة معنى الكتابة الحقيقية بالنسبة لها فتقول" يبدأ الأمر في لحظة تأمل، فكرة ما في الحياة تسرقني بعيداً عن كوني كاتبة، موضوع يشد اهتمامي وأفكر فيه كإنسانة لا ككاتبة، فأغرق فيه لأنه يستحق التأمل لا الكتابة، حتى إذا وجدت أن الأمر شدني لدرجة أنني لا أستطيع الانشغال عنه، أخوض وأكتب فيه".

إحدى الأمور التي تغيب عن أذهان الكتاب الجدد هي أن الكاتب وأي كاتب يجب أن يطمح إلى أن تخلد رواياته وإلى أن تقرأها أجيالٌ متلاحقة، وهذا الأمر يستدعي كماً من الأدب والمعلومات والاكتشافات والقراءات المميزة، وهو ما تفتقده كثير من الكتابات الحديثة ويغيب عن أذهان كثير من الكُتاب.

الكاتبة الناشئة شذا غضية صاحبة رواية جادور تحدثت حول الفكرة التي ألهمتها لكتابة هذه الرواية، وهي رواية لاقت إعجاباً شديداً لدى القُراء في طريقة العرض والمحتوى، تقول غضية" عادة ما يملك الكاتب أسباباً للكتابة، وإلهاماً ما، وهو ينبع من الحياة، سواء كان سبباً اجتماعياً أو عاطفياً أو سياسياً، وعادة ما يكون مؤثراً بشكلٍ عميق داخل الإنسان، وروايتي جادور جمعت كل هذه الأسباب، لأخرج بما هو من الواقع والجمهور".

استغرقت الكاتبة غضية في كتابة الرواية مدة عامين، ولاقت ردود فعل إيجابية، وعن رأيها في الكم الأدبي الذي وصل له الكتاب الناشئين تقول غضية" هناك كُتاب وصلوا لمرحلة كبيرة من المعرفة والأدب وأعتقد أنه من الصعب علينا المقارنة بين الأدب البعيد والحالي لاختلاف الأجيال والثقافة والاهتمامات، وبذلك يمكن أن يكون الأدب الحالي ركيكاً إذا ما قورن بالقديم، لكن ليس المهم أن يكون الأدب ملاصقاً لأدب الأسطورتين مثلاً، كنفاني وأحمد مطر".

يرى الكاتب العراقي العالمي أحمد خيري العمري أنه ثمة ناقد شرير داخل كل كاتب يعكر عليه متعة القراءة لنفسه ويقرعه بل يعذبه أحيانا وبشدة، كان يجب أن تكون أفضل!، كنت تكتب أفضل مما تفعل الآن!، المساومة الوحيدة الممكنة في رأيه هي في أن يقتنع الكاتب أنه أدى أفضل ما يمكن لحظة الكتابة ولم يعد ثمة إمكانية لتغيير ذلك ، رغم أن ذلك يبقى منغصاً جداً، كثيرون من الكتاب يتناسون هذه القيمة عند الكتابة ولا يعيرونها اهتماماً، حتى باتت المكتبات لدينا ممتلئة بكتب لا تستحق النظر إليها حتى.

تتناسى دور النشر والمكتبات العارضة للكتب حين الإعلان عن حفل توقيع كتاب، عدد القراء الذين سيلتقطون هذه الكتب ونوع الأدب الذي سيدخل عقولهم، فلم يعد أمراً غريباً أن تغزو مكتباتنا كتبٌ تفتقر للقيم والأخلاق وتصف نفسها بالكتب العصرية المقدمة لأناسٍ منفتحين، في حين غالبية قرائها طلاب جامعيون في سنٍ حرجة يظن ذووهم أن الكتاب لن يكون بالشيء الخطر على أخلاقهم.