ندوة في القاهرة تناقش كتاب "تأملات في المسألة اليهودية"

القاهرة - "القدس" دوت كوم - في ذكرى حرب أكتوبر وهى أحد أهم جولات الصراع العربي- الإسرائيلي، عقد مركز يافا للدراسات والأبحاث بالقاهرة أمس، ندوة لمناقشة كتاب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (تأملات في المسألة اليهودية) الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع عام 2016، ترجمة ودراسة الدكتور حاتم الجوهري، الدكتور مصطفى النشار، شارك فيها المؤرخ الفلسطيني عبدالقادر ياسين، والدكتور ساهر رافع الباحث في فلسفة الأديان، وأدارها الدكتور رفعت سيد أحمد مدير المركز.

انحياز!

بداية أشار د. رفعت سيد أحمد، إلى المؤلف المتخصص في المسألة اليهودية والذي سبق له إصدار كتابين الأول (خرافة الأدب الصهيوني التقدمي)، الثاني (نبوؤة الخراب)، والكتاب الثالث (تأملات في المسألة اليهودية) المترجم عن نص المفكر الفرنسي المعروف "جان بول سارتر" الذي كتب في فترة الأربعينيات – عام 1944- عن المسألة اليهودية وحق اليهود في التواجد في فلسطين وهو جوهر الكتاب، ويكشف المؤلف في ترجمته الدقيقة والمقدمة النقدية البحثية للكتاب أهمية النص وخطورته ولماذا هذا النص تحديداً تم تجهيل هذا النص وعدم ترجمته إلى العربية رغم ترجمة كل المؤلفات لجان بول سارتر، في تعمد مقصود من بعض العرب المنحازين لإسرائيل حيث يظهر هذا النص انحياز سارتر الواضح لإسرائيل، على عكس ما قدم عربياً من انحيازه ومواقفه من القضايا العربية.

يضيف رفعت، لقد قام المترجم برصد التطور الفكري السياسي والفلسفي لسارتر في مراحلة المتعددة، وكشف عن الجوانب المجهولة في فكر وحياة شخصية سارتر، وقد قسم المؤلف حياة سارتر إلى ثلاث مراحل، الأولى- مرحلة وضع الكتاب في فترة الأربعينيات والذي انحاز فيه لإسرائيل انحيازاً كاملاً ويبدو تعاطفه الواضح معهم كضحايا النازية، المرحلة الثانية- تبنى فيها نظرة الإسرائيلي والعربي والفلسطيني، المرحلة الثالثة- لم يستطع سارتر إخفاء الحق العربي رغم تعاطفه البادي مع الاسرائيليين، وانحيازه الواضح لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين.

بين الحق والباطل

قدم د. حاتم الجوهري، ملخصاً سريعاً للكتاب وأبرز قضاياه، وجذور الأزمة عند الغرب الذي اختار مبكراً دعم الصهيونية ووجود اليهود على أرض العرب، والأسباب الموضوعية التي جعلته يدعم هذا الاختيار، وكيف ظهرت وترعرعت، لافتاً إلى عوائق ترجمة كتاب سارتر الذي غاص في عمق الثقافة الفرنسية من أجل الاستدلال على أفكاره مما احتاج من المترجم جهد كبير للرجوع للمصادر والأسماء والأحداث المذكورة لفهم سياق المسألة وطرحها، مشيرا إلى الفكرة الرئيسية للدراسة التي صاحبت ترجمة الكتاب تحت عنوان: سارتر ما بين الصهيونية وسلب الحق الوجودي للفلسطينيين، فقدم سارتر في كتابه أطروحة تدعم حق اليهود في العودة إلى فرنسا وفي الوقت نفسه نادى بالفكرة الصهيونية التي تقر بحق اليهود للرجوع إلى فلسطين على حساب الحق الوجودي للعرب الفلسطينيين.

لفت الجوهري إلى السياق التاريخي للكتاب بعد الحرب العالمية الأولى والثانية التي كانت سبب الأزمة بالنسبة للحضارة الأوروبية وفكرة الحداثة فقد اكتشفوا بأن منتجات العقل والمشاريع الفكرية لتسيير حياة البشر التي تم طرحها في الحداثة لم تحقق النتائج المرجوة منها، وكانت شكوى الغرب من ظلمات العصور الوسطى التي نتج عنها مذابح، وأزمات تمثلت في الحربين العالميتين، فبدأت حركة ما بعد الحداثة أو حركة التمرد على منتجات العقل في هذه الفترة التاريخية عام 44 تحديداً والتي شهدت خروج كتاب سارتر (تأملات في المسألة اليهودية) الذي كان نتيجة لما أثير حول عودة يهود فرنسا في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى بلادهم. وقد استخدم سارتر في الكتاب منهج يقوم على الفلسفة الوجودية في الفكر الأوروبي والتي تقوم على فكرة رئيسية هى الانطباعية أو الذاتية أو عمل قطيعة مع التراث، نظراً لشعور الفيلسوف الفرنسي بأن التاريخ تسبب في خلق أزمة للشعوب الأوروبية أدت إلى حروب متتالية فاختار الوجود الإنساني في هذه الفترة التاريخية متناولاً فكرة الجوهر والعودة للتاريخ، أما عن بنية الكتاب التي تقوم على منهج انطباعي ذاتي ظاهري يقوم على استطلاعات رأي مع 100 يهودي في أوروبا ، وقد كون سارتر رأيه انطلاقاً منها وليس اعتماداً على التاريخ.

تضليل متعمد!

أشار المترجم إلى خطورة الكتاب في تلك الفترة التاريخية وصولاً لليوم، وأن الكتاب الذي ترجم إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان (المعادي للسامي واليهودي) والذي حاول فيه سارتر تقديم المشكلة اليهودية بأسلوب فلسفي ليؤكد بوضوح على أن اليهود شعب الله المختار، وأن اضطهاد العالم لهم هو الذي شكل الهوية اليهودية، أي أن وجود اليهود هو رد فعل لموقف العالم تجاههم، وبالتالي يخلع فكرة المسئولية والاختيار عن اليهود، وقد ربط المفكر الفرنسي ما بين المسألة اليهودية في أوروبا انطلاقاً من العصور الوسطى، فقد بدأت تحدث صدامات ما بين الجماعات اليهودية والشعوب الأوروبية في البلدان المختلفة، ورأى سارتر أن الجماعات اليهودية التي تواجدت في أوروبا عبر التاريخ كان سبب أزمتها أو مشكلتها الصورة النمطية المسبقة لليهود التي وضعتها ذهنية الآخر الأوروبي، وقد رد المؤلف في الدراسة على هذه النقطة بان الجماعات اليهودية من الجماعات التي لديها شعب متعالي عنده تصور مسبق في علاقته بالآخرين، ولحل هذه المسألة ربط الفيلسوف الفرنسي ما بين فكرة انتقال معاداة السامية والصراع التاريخي الذي نشأ بين الجماعات اليهودية في أوروبا وبين الحل الذي يتمثل في الصهيونية وتخلص الغرب من مشكلته التاريخية والتي نشأ عنها الصراع العربي- الصهيوني، وهو الإرث الثقيل الذي انتقل إلينا من الأوروبيين الذين يدعون الحضارة والحرية وحقوق الآخر.

ويضيف المؤلف أن خطورة البنية الفلسفية لكتاب سارتر تكمن في تقديم الصهيونية على أن اليهود في العالم هم جماعات مضطهدة نتيجة معاملة العالم لهم كشعوب متدنية، وان الحرية اليهودية كموقف جماعي قائم على المسئولية والاختيار الحقيقي لن تتحقق إلا من خلال الصهيونية واحتلال اليهود أرض فلسطين، أما أخطر الأفكار التي قدمها جان بول سارتر في دعمه للمسألة الصهيونية، هو إيمانه بفكرة هيجل عن تحرير العبد أو المضطهد من سيده، وحتى يسترد حريته وشخصيته لا بد أن يتحرر عن طريق القوة وممارسة العنف مما يدعم فكرة العنف الصهيوني والجماعات المتطرفة استناداً إلى النصوص الدينية.

انتقادات لاذعة!

انتقد المؤرخ الفلسطيني عبدالقادر ياسين، محبو سارتر من جمهرة المثقفين العرب الذين ترجموا كتبه ومواقفه ومسرحياته منذ بداية الخمسينيات، وتعمدهم إغفال ترجمة كتاب سارتر، مشيداً بالترجمة السلسلة للكتاب الذي يصحح صورة سارتر المغلوطة عند المثقفين العرب وكتاباته، لافتاً إلى ان الكتاب هو نموذج للدعاية المبتذلة وقد حفل بالتسطيح وغياب المنهج والخلفية الاجتماعية السياسية الثقافية والاقتصادية للعينة غير العشوائية من مجموعة تنفر أساساً من اليهود وتمنى ياسين اختيار عينة عشوائية حتى يتمكن سارترمن عمل مقارنة أقرب للصواب حتى يتمكن من معرفة سبب كراهية الغرب لليهود الذين كانوا يعملون بالربا وقد يكون ذلك أحد أسباب النفور منهم.

د. ساهر رافع، كمتخصص في الشأن الديني الإسرائيلي في التوراة والتلمود وتأثيرهم على رسم السياسات السياسية والعسكرية في إسرائيل، استند إلى مجموعة مقالات أساسية ليبني عليها ما توصل إليه من نتائج، أولاً- أن الصهيونية معادلة للعنصرية المعادلة للنازية التي كانت مشكلة المشاكل في أوروبا وقت ظهور كتاب سارتر، ومن الناحية الفلسفية فإن سارتر الذي دخل في الظاهرة الاجتماعية من خلال عملية التفاعل الاجتماعي التي تتم بين الأفراد في المجتمع، قام بعملية إزاحة وليس اسقاط للجرائم التي ارتكبها الأوروبيين بحق اليهود اعتماداً على انطباع عينة من 100 شخص، فضلاً عن اعتماد الفيلسوف الفرنسي على فلسفة هيجل العبد والسيد، وتمرد سارتر على ما هو موجود في الكتاب المقدس بشقيه التوراة والإنجيل مثله مثل ماركس.

ولفت رافع إلى أهمية الكتاب على المستوى الفلسفي والسياسي والعسكري، وأهم زاوية فيه حيث أنه يؤسس للذهنية سواء لنا كعرب أو بالنسبة للعقلية الأوروبية المشبعة بالأفكار الدينية أيا كانت اتجاهاتها، وخطورة الشعب اليهودي باعتبار أن ليس لديه جغرافيا أو تاريخ لعدم امتلاكه أرض ثابتة لبناء حضارة أو ثقافة عليها فكان الحل الوحيد المحافظة على العلاقة بكل من هو يهودي موجود على سطح الكرة الأرضية، والتمسك بالنص المقدس وبغض النظر عن متى وكيف تمت كتابته - بعد 800 عام- من موت "موسى" واستمرت كتابته ألف عام، والعمل على التجديد والإضافة للتلمود حتى اليوم والذي يتميز بالعنصرية والتعالي على الأغيار، مشيراً إلى أن اليهودية هى أحد المراحل التي تصل إلى الصهيونية الموجودة في صلب التوراة وهذا كان أحد أسباب خلافه مع د.عبد الوهاب المسيري، فالصهيونية عند رافع هي المرآة الحقيقية المعبرة عن التوراة والتلمود، وسارتر بحكم نشأته ودراسته كان متأثراً بالنص الديني الذي يحركه، وبالتالي حاول غسيل الأوروبيين من الجرم الذي ارتكبوه بحق اليهود عن طريق إزاحة المشكلة بالكامل ليعود اليهودي طاهراً كما ولدته أمه، كما كانت فلسفة سارتر انعكاس للمعتقد الديني، واليهود يؤمنوا حتى اليوم بفكرة تعدد الآلهة و"يهو" هواله مميز عندهم، هواله محارب، قائد جيش ضد الأغيار الذين يحرضهم على قتلهم فإذا لم يفعل اليهود، تسببوا في اغضابه ويكونوا عرضة للعقاب، ومن هنا يتم تبريرالعنف لدى اليهود والسياسة في أوروبا لأن العنف مقدس عند اله اليهود.

أخيراً رحب د. علي أبو الخير، بترجمة الكتاب الذي قام بتعرية الفكر الغربي والكشف عن الصراع بيننا وبين الغرب والصهيونية، كاشفاً عن العنصرية الموجودة عند بعض المسلمين والصراع الداخلي في نفوسنا، الذي علينا مواجهته وكشف زيفه ومحاربة الذين يسمون أنفسهم سلفيين أو دواعش والذين ينظر إليهم البعض على أنهم الصهاينة الجدد بسبب التأويلات الفاسدة العنصرية التي يقوم بها بعض المسلمين وتتسبب في مقتل الأبرياء.