المبعد رامي شحادة بانتظار لحظة العودة من منفاه القسري

جنين – "القدس" دوت كوم- علي سمودي – بين إحياء ذكرى الانتفاضتين، الأقصى والقدس، ما زال المناضل رامي حسن محمد شحادة، 39 عاماً، ينتظر لحظة العودة من منفاه القسري في مدينة غزة التي ابعد اليها مع مبعدي كنيسة المهد في 10-5-2002.

يكافح رامي كما باقي المبعدين لاعادة قضيتهم لدائرة الضوء والاهتمام وإخراجها من دائرة التهميش والإهمال وكله أمل أن يفرح بعناق والدته المريضة حتى لا يتجرع الحسرة التي تذوقها برحيل والده الذي لم يره منذ ابعاده. يتألم لحرمانه من عناق أطفاله الثلاثة الممنوعين وعائلته من زيارته في القطاع المحاصر، ورغم واقع معاناته، يؤكد ثقته بأن إرادة الشعب الفلسطيني قادرة على صنع الانتصار ودحر الاحتلال.

الغربة والعودة..

ينحدر رامي من عائلة مناضلة، يفخر دوماً بتضحيات وكفاح والده في الغربة وبعد العودة للوطن بتربيته وتعليمه واخوانه الخمسة الذين ولدوا وعاشوا سنوات طويلة في منافي الشتات حتى تحقق حلم العودة للوطن بعد اقامة السلطة الوطنية عام 1994.

ويقول "لم يغادرنا امل وحلم العودة لفلسطين يوماً، وعشنا فرحة العمر عندما عانقنا ثرى الارض المباركة عندما عدت مع قوات الأقصى القادمة من بغداد، بعد عودتنا اكملت الدراسة الجامعية، وانخرطت في اجهزة السلطة، بداية بحرس الرئاسة الخاص، ثم موظفا في المخابرات العامة حتى اليوم".

الحصار والابعاد

أكثر ما ينغص حياة المبعد رامي، صدمات الفقدان التي تعرض لها منذ ابعاده، ويجهش بالبكاء عندما يتحدث عن والده الذي عاش معه لحظات الحصار في كنيسة المهد لكنه لم يره بعد ابعاده القسري ولم يودعه بعد وفاته، ويقول "بعدما حاصر الاحتلال بيت لحم وتوغل فيها، لم يكن لنا منفذ أو ملجأ سوى الكنيسة، لكن الاحتلال أثبت انه لا يقيم وزناً واحتراماً لدين وقانون وشريعة، فمهد السيد المسيح عليه السلام ، حوصر، قطعوا عنا الكهرباء والماء لكنا صمدنا ولم نهب الاحتلال".

ويضيف "عندما حوصرنا كان ابي متواجدا معي في الكنيسة، عاش معنا كل لحظات، وحضر كافة التطورات والاحداث من قصف وسقوط شهداء وجرحى وصولا للاجراءات التي حصلت من اتفاق لابعادنا، وخرجنا وعانقت ابي ولم اعلم انها المرة الاخيرة، فمنذ ذلك الوقت لم اراه وبكيت وحزنت لانهم حرموني حتى تشييع جثمانه الطاهر".

ويكمل "من اقسى الضربات التي تلقيتها بحياتي وفاة والدي وزميلي القائد في كتائب شهداء الاقصى نضال عبد الكريم صدوق، كان صاحبي وزميلي في المقاومة وتم اغتياله من قبل الاحتلال بعد ابعادنا".

أصعب المشاعر..

"من اقسى لحظات الألم وأصعب المشاعر.. انني لا استطيع ان افعل شيء " .. قال المبعد رامي للتعبير عن واقع حياته وظروفه بعد 15 عاماً من الابعاد، ويضيف " المراحل التي أمر فيها مؤلمة جدا، حياتي ألم وراء ألم ، كالطفل الذي يمر في مراحل نموه بصعوبة وتعقيدات ، الاحتلال قسم الوطن وفصل غزة عن الضفة، وفرق شملنا وشتتنا حتى أصبحت ممنوعاً و لا أستطيع رؤية عائلتي في بيت لحم، محروم من عناق أبنائي آية 14 عاماً، محمود 8 سنوات، عبد الله 6 سنوات"، ويضيف "أتواصل معهم عن طريق الانترنت والجوال، فحتى وصولي للاردن لمشاهدتهم ممنوعه، بينما يرفض الاحتلال منحهم تصاريح لزيارتي في غزة".

حنين وحزن

بألم وحزن، يعبر المبعد رامي عن تأثره الشديد لاشتياقه لبلدته الدوحة في محافظة بيت لحم، ويقول "مشتاق لكل شيء في منزلي ومدينتي ومحافظتي، تقتلني مشاعر الحنين والاشتياق لمراتع لطفولة، وعناق الاصدقاء، كل يوم نتذكر ويكبر الجرح ما زلنا في المنفى".

ويضيف "لن نتخلى عنها يوماً فبيت لحم هي ذكريات المقاومة، رائحة القهوة في منزلنا، رائحة ترابها وجبالها التي لن ننساها مهما مارس الاحتلال من ظلم بحقنا".

اللحظات المؤلمة

يعانق المبعد رامي صور أطفاله ويقول "وجعي ومعاناتي وحزني وضع أطفالي، فهم يسألون دوماً عني، وفي كل اتصال تتكرر صرخاتهم ودموعهم متى ستعود؟ نريد أن نعانقك، اشتقنا لاحضانك، نريد أن تشتري لنا الهدايا مثل الأطفال الآخرين".

ويضيف "يتمزق قلبي حزناً وغضباً، فهذه أبسط حقوقهم وأهم واجبات الوالد ، لكن الاحتلال يمنع كل ذل ، فأي كلمات تصف مشاعري عندما يطلب طفلي مني ان يراني امامه لادرسه وارافقه للمدرسة واحضر حفل نجاحه؟"، ويكمل "أصعب اللحظات المؤلمة عندما يتكلم اطفالي عن فرحتهم، ورغبتهم في التواجد معه في كل المناسبات خاصة حفلات المدارس، فهم يفتقدونني سواء في الفرح او الحزن " .

تنهمر دموع المبعد رامي، عندما يتحدث عن والدته الصابرة المريضة أم محمد، ويقول " امنيتي ان اركع تحت قدميها واقبلها واعوضها عن دموعها التي لم تتوقف منذ ابعادي الذي سبب لها الحزن والمزيد من الالم فوق ما تكابده من امراضها المزمنة".

ويضيف "والدتي اطال الله بعمرها ، تمكنت من زيارتي بعد ابعادي لمرة واحدة وبقيت عندي 10 أيام وعادت لبيت لحم، وطوال الفترة لم يسمحوا لها بزيارتي وطريقة التواصل الوحيدة عبر الهاتف، أي شريعة تجيز هذا الظلم والعقاب ؟".

مهمشون..

يؤكد المبعد رامي، ان ملف مبعدي المهد ما زال مكانه منذ اليوم الاول لوصولهم لغزة، ويقول "لايوجد أي تحرك، نحن ظلمنا ولايوجد من يتابع قضيتنا، دخلنا العام الـ15، وكان من المفترض بحسب الاتفاق أن نعود بعد عامين فقط، لكن الجميع تخلى عنا وأصبحنا مهمشين ولا أحد يسأل عنا"، ويضيف "لا ندري متى سنعود لمسقط راسنا وكأن إبعادنا أصبح بلا نهاية" .

الحياة في غزة

يقول المبعد رامي "نعيش في قطاع غزة بين عائلات طيبة وكريمة وسط اهلنا، لكننا نعاني كثيراً فكل مبعد يحن لبلده وذكرياته وارضه تراب بيت لحم الذي نتوق لنشتم رائحته، الجبال والسهول نتوق لرؤيتها"، ويضيف "نفتقد للابناء والاقارب ونشعر بالحزن الشديد خاصة في المناسبات والاعياد، نعيش الفرحة لوحدنا اذا تواجدت اصلاً ، حيث ينتابنا البكاء لاننا نتذكر كل اقاربنا واهلنا".

أما على صعيد الحياة الاقتصادية، يؤكد المبعد رامي، أن الراتب الذي يتقاضاه لايكفي في ظل الظروف الصعبة والاحتياجات الكثيرة للمبعدين الذين بدأوا حياتهم من الصفر ، مطالباً باعادة تقييم وضع ومتطلبات المبعدين وانصافهم على هذا الصعيد.

محاولات باءت بالفشل..

ويتابع: المبعدون اجتهدوا وكثفوا من مناشداتهم في إيصال مطالبهم وشرح ظروفهم المعيشية لكل الشخصيات البارزة في السلطة الفلسطينية التي تأتي إلى قطاع غزة بين الحين والآخر والتي كان آخرها اجتماعنا مع رئيس الوزراء رامي الحمد الله ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، ولكن من دون نتائج تذكر حتى اليوم ".

وتابع "سنبقى نطرق كافة الأبواب الداخلية والخارجية لحين الاستجابة لمطالبنا العادلة، فالى متى سنبقى على هذه الحال؟".

مناشدة..

ووجه المبعد رامي رسالة للرئيس وكافة الجهات لاعادة فتح ملف المبعدين، ويقول "قضيتنا منسية، لا تواصل أو متابعة، لا يوجد أي جديد، وحاولنا ان يكون هناك جمعية أو مؤسسة تتواصل وتتابع قضيتنا لكن دون جدوى".

ويضيف "نناشد الرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية والمراكز الحقوقية والمعنية بحقوق الانسان الوقوف لجانبنا".