القدس في ميزان مساعدات المانحين وأزمة الاقتصاد والتمثيل الفلسطيني

بقلم: رجا الخالدي - متخصص في التنمية الاقتصادية

رام الله- "القدس" دوت كوم- لا يمكن النظر إلى أوضاع الاقتصاد الفلسطيني في القدس وآفاقه، كما إلى لاقتصاد الفلسطيني عموماً، بعيدا عن السياسة، وبالتحديد في هذه الحالة دون التطرق إلى الفراغ القيادي المؤسسي والسياسي وانعدام التمثيل المدني للمقدسيين.

ظهرت هذه المقاربة مجددا خلال الأشهر الأخيرة في أربعة تطورات منفصلة، ترسم مجتمعة صورة مزعجة لحالة التجاهل والتهميش، بل النفاق، التي يتسم بها الواقع الذي يعيشه قرابة 400000 فلسطيني مصرون على البقاء في مدينتهم رغم الخطط والاجراءات الاسرائيلية المتواصلة لتهويد القدس الشريف، التي ليست فقط أكبر مدينة فلسطينية، لكنها تفترض أن تصبح العاصمة الأبدية للدولة العتيدة. هناك خيط رفيع يربط بين هذه المشاهد خلال الفترة الماضية: زيارة وفود أميركية وفرنسية رفيعة للبلاد، الإعلان عن صفقة المساعدات الأميركية الجديدة لإسرائيل ثم عن المساعدات التنموية الأوروبية لفلسطين، وأخيراً مصير القدس في الانتخابات المحلية الفلسطينية (المؤجلة حاليا). الخيط الرابط بين هذه الأحداث يعكس مدى ابتعاد القدس العربية عن لعب دور سياسي في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني اليوم، عكس موقعها قبل 15 سنة عندما كانت لا تزال محور النجاح أو الفشل في الحل السياسي (في مفاوضات كامب ديفيد) وفي المواجهة مع الاحتلال (في إطلاق شرارة الانتفاضة الثانية).

وفود تذهب واخرى تأتي

مع الجمود في ملف المفاوضات السياسية الفلسطينية الإسرائيلية منذ 2014 وغياب أية آفاق لها ضمن المشاغل الإقليمية للدول الكبرى، وتمترس أكثر حكومية إسرائيلية يمينية ومعادية منذ زمن طويل، شهدت القدس منذ بداية هذا الصيف عدد من اللقاءات "غير الرسمية" بين ديبلوماسيين غربيين زائرين وشخصيات مقدسية. جاءت بعض هذه الاتصالات حول موائد العشاء ودون رادار الإعلام في سياق جولات شملت اجتماعات رسمية موازية عقدت في رام الله ل"تسليك" الأمور وتهدئة الخواطر السياسية (خاصة الفلسطينية).

تمحورت هذه النقاشات في القدس حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية هناك، وتركزت تساؤلات الزوار، بدأ من رئيس الوزراء الفرنسي مانيول فالس ثم اعضاء الوفد الأميركي للجنة الاقتصادية الأميركية الفلسطينية المشتركة ومؤخرا نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون المساعدات، في صلب الأوضاع المعيشية الفلسطينية المتردية في القدس وما يمكن لهذه الأطراف القيام بها للتخفيف من وطأتها. وجه محاوريهم الفلسطينيين (من رجال أعمال وسياحة وخبراء اقتصاد وقانون ونشطاء اجتماعيين وشبابية) وابلا من الحقائق المثيرة والمقلقة تدل على عمق وخطورة ظواهر الفقر والبطالة ونكوص التصنيع وارتهان قطاع السياحة وارتفاع العبء الضريبي وانعدام الخدمات البلدية والتعليمية والإسكان الخ. بينما استمع بلطف رئيس الوزراء الفرنسي في لقائه لما طرح عليه من الحاح بضرورة التحرك الدولي العاجل لحماية فلسطينيي القدس من المزيد من الضغوطات التي تجبرهم على الرحيل أو "الأسرلة"، كان هم الموفد الأوروبي بالدرجة الأولى نقل رسالة مفادها أن قضية فلسطين تقع ربما على المرتبة السابعة أو أقل في سلم اهتمامات حكومته الخارجية (بعد قضايا الإرهاب والمهاجرين وسوريا، وايران والعراق ومصر وربما قبل السعودية....)، وانه يجب أن يقدر الفلسطينيون بانهم ما زالوا على السلم أصلاً، باختصار "تحملوا واسكتوا".

أما المسؤولون الامريكيون، ممثلين لإدارة على وشك الخروج من السلطة، لم يحملوا بجعبتهم ما يشفي غليل المقدسيين، سوى أن يركزوا الحديث على ما يمكن فعله "لخلق الفرص" الاقتصادية، واكتفوا بمقترحات مثل إنشاء حاضنات لتشجيع الابتكارات المعلوماتية وبرامج تدريب للشباب على كيفية التقدم لوظيفة و"المهارات الحياتية" ومبادرات معنوية مماثلة، دون الاستعداد بالالتزام بتشجيع الاستثمار أو تقديم المنح أو حتى قروض، وذلك برائيهم يمكن أن يساعد على الأقل في توفير الأمل إن لم ينجح بتوفير العمل! وعندما طرح عليهم بأن مثل هذه الأفكار الطيبة غير كافية على الإطلاق لمواجهة البطالة (30%) والفقر (82%) وانهيار قطاع السياحة والاكتظاظ السكاني والإدمان والتسرب المدرسي والكم الهائل من المشاكل التي ذكرت، لم يكن للزوار الأميركيين ما يجيبون به حيث أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) لا تقيم برامج في القدس المحتلة، انسجاماً مع عدم الاستعداد الأميركي لمواجهة إسرائيل في القدس، منذ اوسلو على الاقل.

وهنا اشار احد المحاورين الفلسطينيين الى انه لا يمكن السير في بقية مناطق الضفة الغربية (بما فيها في مناطق "ج" الواقعة تحت السيطرة المباشرة للاحتلال) دون مشاهدة يافطة تعلن هذا المشروع أو ذاك ("هدية من الشعب الأميركي للشعب الفلسطيني") وتؤكد على الشراكة مع السلطة الفلسطينية ("نستثمر بالبنية التحتية")، كما أن المساعدات الأميركية تدخل غزة تحت حكم «حماس» عبر منظمات غير حكومية أو مؤسسات الأمم المتحدة. لكن لا توجد في القدس الشرقية العربية مدرسة أو شارع أو مستوصف أو حتى حاوية قمامة مهداة من الشعب الأميركي لسكان المدينة العرب، كأنهم ليسوا تحت احتلال أو ربما لا ينظر لهم كجزء من الشعب الفلسطيني!

الوفاء والسخاء... لإسرائيل

مقابل هذا المشهد وبالرغم من تكهنات بعض المراقبين الليبراليين الاميركيين بأن باراك أوباما قد يهتم بوضع "ميراثه" السياسي في الشأن الفلسطيني قبل مغادرته البيت الأبيض من خلال تحرك أو موقف جريء لصالح الحقوق الفلسطينية، فان خطابه الوداعي في الأمم المتحدة كان خال تماما من أية إشارة بهذه الاتجاه، بل انه استخدم الفرصة أكثر لتصحيح بعض الخلل في العلاقة الشخصية المتوترة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي. هذه لم تكن مهمة صعبة حيث كان قد أعلن قبل أيام من ذلك عن صفقة ال38 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل خلال السنوات العشر القادمة لتعزيز ترسانتها بالمزيد من الأسلحة الأميركية الصنع والمتضمنة للتقنيات الرفيعة الإسرائيلية، مؤكدين بذلك ثبات التحالف الاستراتيجي رغم بعض الإشكاليات العابرة.

طبعا هذا لا يعني أن المساعدات الأميركية تتجاهل فلسطين تماماً، بل أن الموازنة السنوية للمعونات الأميركية المخصصة للأراضي الفلسطينية (المستثنية للقدس) تعادل حوالي 10% من قيمة المعونة العسكرية السنوية لإسرائيل، حيث قدمت الولايات المتحدة "للضفة الغربية وقطاع غزة" عام 2015 حوالي 365$ مليون كمساعدات، جزء منها مخصص مباشرة للسلطة الفلسطينية (دعم موازنة وأمن ومساعدات اجتماعية)، وجزء آخر من خلال منظمات الأمم المتحدة الإنسانية والتنموية، وجزء أخير بواسطة منظمات غير حكومية وشركات ومتعاقدين فرعيين أميركيين، إضافة لبعض الشركات الفلسطينية التي تقدم خدمات إدارية أو هندسية أو قانونية لتنفيذ المشاريع الأميركية. دون احتساب المبالغ المحددة هنا، ما هو مثير أن جزءاً لا بأس من هذه المساعدات المسجلة على سخاء الشعب الأميركي تجاه الشعب الفلسطيني، تصرف على رواتب الموظفين الأميركيين المشرفين على هذه البرامج من السفارة في تل أبيب، وجزء آخر على الشركات الإسرائيلية التي تورد الآلات والخدمات المكتبية لهؤلاء في تل أبيب، بما فيها شركة "عيدين" الإسرائيلية للمياه المعدنية (العربية) المستخرجة من الجولان السوري المحتل!

ما هو أكثرمن مضحك/مبكي أن العديد من برامج تشجيع التعايش والتسامح والتعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي تفتخر بها الولايات المتحدة والتي تديرها مؤسسات إسرائيلية ليبرالية محترمة مثل "سيكوي" وجامعة بن غوريون في النقب و"متحف كيبوتز عين دور" و"معهد ارافا البيئي" وصولاً إلى "مركز بيريس للسلام"، كلها مسجلة على أنها مساعدات أميركية للشعب الفلسطيني..... وشكراً للعم سام!

تماشياً مع موقف أوروبا المتميز قليلاً عن التحيز الأميركي لإسرائيل، لا تتجاهل المعونة الأوروبية تماماً احتياجات القدس حيث تصل القليل من المساعدات الأوروبية لمشاريع فلسطينية في القدس: 10 ملايين يورو من رزمة 40 مليون أعلن عنها مؤخرا كمساعدات "تنمويةّ" أوروبية (وهذا المبلغ الأخير يشكل حوالي 10% من مجموع ما تخصصها أوروبا لدعم موازنة السلطة الفلسطينية). في هذه المساعدات المخصصة في الغالب لمسائل غير مثيرة (ثقافية وتربوية ورياضية وحقوقية) لفتة معنوية على غرار تطمينات مانويل فالس (لم ننساكم) أكثر من تأثير ملموس في الأوضاع المعيشية المتأزمة أو تحدٍ للاحتلال. بل تدعو بعضها للسخرية، مثل إقامة ملعب كره "تنس" راقي وعصري في قلب البلدة القديمة، ربما لتشجيع الأطفال المقدسيين على تعلم هذه الرياضة غير المألوفة. من الصعب القبول بأن هذه الأنواع من التدخلات الصغيرة والهامشية ستغير شيئاً في الواقع الفلسطيني أو حتى إيصال رسالة ذات مغزى للمقدسي المحاصر والمعزول، سوى ربما: قاوموا بكرة التنس!

أين تقع القدس في الخارطة السياسية؟

إذا كان واضحاً مما سبق أن القدس غائبة عن حسابات الدول المفترض أن تكون معنية بها (ما عدا دولة إسرائيل التي تعمل دون كلل على تحقيق خططها هناك)، يقر الجميع انه منذ استشهاد فيصل عبد القادر الحسيني في أوائل أشهر الانتفاضة الثانية قبل 15 سنة (وهو يركض من عاصمة عربية لأخرى بحثاً عن دعم لصمود مدينته)، ثم إغلاق إسرائيل لجميع مكاتب منظمة التحرير في المدينة وحظر أي تواجد أو نشاط لها داخل القدس، فأنه تبلور فراغ متزايد في تمثيل سكان القدس ومصالحهم واحتياجاته في النظام السياسي الفلسطيني وفي برامجه. هكذا أصبح الأمر الواقع رغم وجود محافظ ووزير للقدس ودائرة رئاسية للقدس ولجان وصناديق قومية لنصرة القدس ودائرة القدس في م.ت.ف. وغيرها من التشكيلات منزوعة الصلاحيات وغير القادرة على الفعل داخل القدس.

هذا الفراغ الكبير ينسحب على غياب أي محاور وعنوان موحد تخطيطي اقتصادي اجتماعي في الميدان، مما يسهل على الدول المانحة عدم التجاوب المكثف مع احتياجات القدس وتطلعات أهلها وبالتالي صياغة ما تراه مناسبا من مشاريع.

رغم كل هذا والتهميش والمزاودة باسم القدس، فان تغييب القدس لم يمر مرور الكرام على الجميع، حيث نجح محام من القدس بالطعن بعملية الانتخابات المحلية الفلسطينية التي كان مقرر تنظيمها خلال شهر تشرين أول، بسبب استثناء عملية الاقتراع البلدي لتمثيل الفلسطينيين المقيمين هناك (حوالي 15% من فلسطينيي الضفة الغربية). ما يؤكد بالاضافة لذلك أن القدس لم تغيب تماماً عن الحياة السياسية الفلسطينية رغم كل ما يدفع بهذا الاتجاه، أن مسألة التمثيل البلدي لسكانها احتلت اهتماماً متجدداً من احدى مؤسسات منظمة التحرير حيث نظم "مركز التخطيط الفلسطيني" ندوتين خلال الأسابيع القليلة الماضية لدراسة إمكانية تفعيل "أمانة القدس" التي كان قد أنشأها الرئيس المرحوم ياسر عرفات كموقف سياسي قبل استشهاده وجدد تشكيلها الرئيس محمود عباس في 2014

تكمن أهمية فكرة تفعيل هذا الاطار ليس في توفير حق الاقتراع للمقدسيين اذ ان امانة القدس تعتبر هيئة معينة من الرئيس، بل كونها قد تمهد الطريق للم شمل الفعاليات المقدسية وتسخير مواردها المشتركة لدعم صمود المدينة ومعالجة بعض ابرز مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.

مع أن الندوات لن تنقذ القدس وأن المزيد من التشكيلات دون صلاحيات أو موارد قد تضر أكثر مما تفيد، وحتى إذا كان موضوع القدس سوى سبب ظاهري لتأجيل الانتخابات المحلية، فأن مجرد طرح موضوع تمثيلها في سياق الحوار الفلسطيني الداخلي يدل على أن القدس ما زال لها ثقل ما في ميزان الوجدان الفلسطيني، بمثابة "الرقم الصعب" في النظام السياسي والقانوني الفلسطيني. وهذه هي البشرى السارة من فلسطين!