دبلوماسية السرادقات!

رام الله-"القدس" دوت كوم - كتب ابراهيم ملحم - لم يختلف الناس يوما على أمر مثلما اختلفوا على مشاركة أبو مازن في جنازة شمعون بيريس، فما أن أعلن الرجل عن نية المشاركة الى جانب رؤساء الدول في جنازة من يصفه العالم بـ"حمامة السلام" والحائز على "جائزة نوبل للسلام"حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، بعاصفة من الانتقادات إزاء تلك الخطوة، بالنظر للسجل الدامي للرجل التسعيني، الذي أشغل الناس في مماته، مثلما أشغلهم في حياته، والذي كان في الحقيقة والواقع إرهابيا بدرجة رئيس، تورط كما غيره من الزعماء الاسرائيليين من قبل، ومن بعد، في العديد من المجازر بحق الفلسطينيين والعرب، منها العدوان الثلاثي على مصر، ومجزرة قانا عام 96 ضد المدنيين الذين لجأوا الى مركز فيجي التابع للامم المتحدة في جنوب لبنان، هربا من عناقيد الغضب التي صبها على رؤوس اللبنانيين في ذلك العام، فاستشهد أكثر من مئة منهم، بينهم نساء، وأطفال، وأصيب المئات بجراح، في مشهد لم ولن يسقط من ذاكرة الاجيال، وستظل دماء الضحايا تلاحقه الى يوم الدين، حتى أن الامم المتحدة أصدرت حينها قرارا بدا خارجا عن مألوف قراراتها، باعتبار المجزرة جريمة متعمدة ضد المدنيين.

بيد أن اللافت هذه المرة أن النيران التي تعرض لها أبو مازن كانت صديقة، ومن أنصاره أكثر مما هي من خصومه، الذين سبق وأن وجهوا اليه انتقادات بدت غريبة وغير مفهومة قبل سنوات، عندما تساووا مع اعدائه في التحامل عليه، اثر رفضه الخضوع للضغوط الامريكية، أو الاستجابة لنصائح بعض الدول العربية، باصراره على طرح مشروع اقامة الدولة على مجلس الامن، ولولا أن احدى الدول الصديقة تراجعت في اللحظات الاخيرة، تحث ضغوط اسرائيلية وأمريكية كبيرة ، لنال مشروع القرار بطاقة المرور في المجلس بالصوت التاسع، وهو ما كان سيدفع بالولايات المتحدة لاشهار سيف" الفيتو" ضده.

لا أحسب أن سيرة بيرس الدامية، وصاحب العقل النووي الاسرائيلي، غائبة عن عقل، ووجدان الرجل الحكيم، الذي يسجل له أنه استطاع رغم ما يؤخذ عليه من مآخذ في أدائه الداخلي ، أن يحافظ على ما استشهد من أجله سلفه، وأن يجنّب شعبه، ويلات شعوب دول كانت حتى الامس القريب آمنة مطمئنة، قبل أن تنزلق الى قوس النار، في منطقة مشتعلة بالبراكين، والحروب الاثنية، والعرقية، والطائفية.

ولا أحسب أيضا أنه غاب عن ذهن الرجل وهو يتخذ قراره بالمشاركة، أن مشاركته، ستكون محطّ انتقاد شعبي، وأنها ستسحب من رصيده الشخصي، ورصيد السلطة التي يرأسها بحساب مكشوف، مثلما ستسحب من رصيد الحركة التي يقودها، والتي تواجه صعوبه في تفسير الخطوة أمام فصائل منافسة تتربص بها عند صناديق الانتخابات في البلديات والجامعات وتسعى لتعظيم إنجازاتها على حساب الحركة التي تدفع ثمن فقه الضرورات في السياسيات للسلطة التي تحتضنها باعتبارها الحزب الحاكم لها. بيد أنه أقدم على ما أقدم عليه لاعتقاده بأنه لا يكفي أن تكون قضيتك عادلة لتكسبها، إذا لم تكن لديك الكفاءة في ملاحقة أعدائك، وسحب أرصدتهم في مناطق نفوذهم، وامتيازهم الحصرية، فالسرادق المنصوب تحت شبابيك بيته للثعلب الذي برز للعالم يوما في ثياب الواعظين كان واحدا من تلك المناطق .

عندما تقود حافلة، في طريق ضيقة في منطقة يكتنفها الضباب، وتكثر فيها المطبات والمنعطفات الحادة ، ويتدنى فيها مستوى الرؤية الافقية ، فاعلم أن حياة الركاب ستكون أمانة في عنقك ، وأن أي ارتباك في القيادة، بدعسة زائدة، أو ناقصة على البنزين أو الفرامل، ستكون لها نتائج لا تحمد عقباها، ما يجعلك مختلفا في أدائك، وانتباهك، وتركيزك عن غيرك من الركاب، الذين قد يكون بعضهم قد غطّ في نوم عميق، أو انهمك في قراءة كتاب، أو تصفح جريدة، أو انشغل في "التشات"و"الدردشات" في الفضاء الالكتروني، أو التقاط صور لسحب الضباب التي تلامس الشباك، وقد يرسل من مقعده في الحافلة "تغريدة" أو يشيّر"بوستا"على صفحته، ينتقد فيها بطء السائق، وعدم سماحه للركاب بالتدخين داخل الحافلة، وقد تكثر التدخلات و"الشورات"من الركاب، فبعضهم يريده أن يسرع، وآخرون يذكرونه بالمثل القائل "في العجلة الندامة"، وقد يأتيه من أقصى الحافة رجل نهض لتوه من النوم ، ينصحه بالتوجه يمينا، وآخر يتثاءب الكلام في فمه ينصحه بالتوجه يسارا، وغيرها من التدخلات التي قد تجعله يوقف الباص، ويطلب منهم أن يجلسوا مكانه، وهم الذين لم يقودوا دراجة هوائية في حياتهم!

أما من ينتقدون مشاركة أبو مازن من خصومه في الاسلام السياسي، فهم من برّروا بالامس لمرسي-فك الله اسره- تهنئته الشهيرة لبيريس في مستهل أول تجربة للاسلام السياسي في الحكم، حتى أنهم صنفوها ضمن فقه التعزيات التي تمليها حسابات السياسات والصداقات، والبروتوكولات بين الدول، وهم الذين طالما وصفوا السياسة بالنجاسة، لكنهم لا يرونها كذلك عندما يمارسونها هم لا غيرهم من خصومهم فهي في أيديهم سياسة، وفي أيدي غيرهم نجاسة، ورجس من عمل الشيطان... تخيّلوا لو أن مرسي بقي في الحكم هل كان سيمتنع عن المشاركة، أو أن ينتدب ممثلا عنه فيها، أو أن يرسل برقية تعزية مثلما أرسل برقية تهنئة؟

ثم هل تذكرون كيف أن مرسي وصف السيسي بأنه رجل من ذهب ليستميله الى جانبه، وكيف أنه أدار ظهره للثوار عندما تحالف مع العسكر ضدهم ، وعندما تعرضت إحدى الفتيات لاعتداء العسكر بحادثة السحل الشهيرة في ميدان التحرير أثناء حكم الاسلاميين، لاموا الضحية بدل أن يستجيبوا لاستغاثتها وقالوا: "ايه اللي وداها هناك". ثم هل تذكرون أن أتباع مرسي منعوا الثوار من مواصلة الثورة في ميدان التحرير، بعد أن أصبحوا هم في قصر عابدين، وأنهم وصفوا كل من ينزل الى ميدان التحرير بالمتامر على الثورة وعلى الجيش، هذه مجرد نماذج لاسعاف الذاكرة ازاء تقلب الوجوه في سماء السياسات.

باستثناء عبارات التخوين، فلا حجر على رأي، ولا قمع لنقد، فكل الانتقادات التي وجهت ضد المشاركة محقة، وهي دليل عافية للشعب الذي ينتقد رئيسه بحرية، وللرئيس الذي يتقبل تلك الانتقادات بديموقراطية، ومؤشر صحة وعافية، لحركة فتح التي لا يخضع عقلها السياسي لولاية الفقيه، فخرج من أبنائها من يجاهر بالرفض لتلك المشاركة في مشهد لا ينبغي له أن يغيب عن قيادة الحركة وهي ترصد التحولات اللافتة في مواقف وأمزجة اجيالها الجديدة ، مثلما هي مصدر قوة للرئيس في مواجهة غطرسة القوة الاسرائيلية، أمام زعماء العالم الذين يعرفون كم يتحمل الرجل من أثقال وهو يقود سياساته السلمية حتى يحقق حلم الحرية لشعبه، الذي لم ير من السلام المفقود غير الدماء، وهدم البيوت، ومضاعفة الاستيطان .

قد يتساءل البعض وما الذي حققه أبو مازن من مكاسب من وراء تلك المشاركة المثيرة للجدل؟ الاجابة على السؤال هي: درء مفسدة فقط، بسحب مخزن الذخيرة، من سلاح نتنياهو الذي كان سيستخدمه ضده وضد شعبه، للتاكيد على صحة ادعاءاته، بعدم وجود شريك للسلام، وأن أبو مازن برفضه المشاركة في جنازة شريكه في صنع السلام، إنّما يستبطن مواقف معادية لهذا السلام، رغم أن ابو مازن يعرف مثلما نعرف، أن بيرس تنكر لتلك الشراكة وأنه وجميع من جاؤوا بعده استبدلوا السلام بالسلاح.

في دبلوماسية السرادقات رسائل، تتجاوز في حدودها ودلالاتها ومعانيها،الاشخاص الذين اقيمت من أجلهم تلك السرادقات، وهي رسائل يحاول من خلالها كل واحد من الحضور، تسجيل الحضور، والحضور فقط.