المسيحيون في زمن تجديد الرؤية

د. شارلي يعقوب أبو سعدى

تعيش كنائسنا في المشرق العربي أزمة واضحة المعالم بسبب تاريخ مليء بالأحداث المؤلمة، وعوامل داخلية تخص الكنائس والنظام البطريركي بشكل خاص، وصعوبات أخرى خارجة عن إرادتها. فنرى اليوم كنائس مشرقية منهكة نوعاً ما وتستعد لرفع الراية البيضاء، ذلك لأن الضغوطات كثيرة والأعباء تكثر وتكثر والموارد تشح، بينما ما تزال الكنيسة تؤمن بأن أعمال المحبة التي تقوم بها هي واجب عليها في سبيل خلاص ومساندة الضعيف والمريض والمهمش وذلك بحسب تعاليمنا الإنجيلية.

وُلد النظام البطريركي مع بدايات التاريخ الكنسي، فظهرت بوادر ما يسمى بالبطريركيات في مجمع نيقيا المسكوني (381) وأُكمل نصاب البطريركيات الخمس في مجمع خلقيدونية (451). ومرت الأيام والسنين على كنائسنا المشرقية، وظهر الإسلام والدولة الإسلامية، وبدأت القطيعة بين الكنائس الشرقية والغربية تظهر على الساحة، حتى جاء اليوم الأسود (16 تموز 1054) أي يوم الإنقسام الكبير بين بطريركيتي روما والقسطنطينية. ومن ثم كانت حملات الفرنجة والتي لا نزال حتى اليوم ندفع ثمنها نحن المسيحيون العرب. أما الضربة القاضية الثانية فكانت يوم سقوط القسطنطينية يوم 29 أيار 1453.

ومع سقوط القسطنطينية تغيّر الكثير على الساحة الكنسية المشرقية. فمنع الفاتحون عملية التواصل ما بين المسيحيين الشرقيين وإخوتهم الغربيين، وفي 24 آب 1516 انتصر السلطان العثماني سليم الأول على جيوش المماليك في معركة مرج دابق الشهيرة بالقرب من مدينة حلب الشهباء، فبدأ بذلك احتلال العثمانيين الأتراك لبلاد الشام والذي استمر قرابة أربعمائة عام أي حتى الحرب العالمية الأولى. إن ذهبنا إلى الحديث عن أوضاع المسيحيين تحت حكم العثمانيين فإننا لا نرى إلا الضبابية والسواد. فقل عدد المسيحيين في ذلك الزمن، ومُنعوا من العلم والتطور، أما السلطات العثمانية من جهتها فعمدت إلى تقوية نفوذ بطريرك القسطنطينية المسكوني على حساب البطاركة الآخرين، فتمكن اليونان بالتالي من إحكام السيطرة على البطريركيات الأخرى ومنها بطريركية القدس، مما أدى ألى نشوء نزاعات داخلية ما نزال نعيشها حتى يومنا هذا.

وأراد الأتراك أن يكون البطريرك هو المسؤول الديني والمدني الأول والأخير عن جميع أتباعه، وأدى هذا إلى تطور كبير في فكر ومفهوم وأهمية البطريرك. فأصبح البطريرك وفي ظل الاحتلال العثماني الذي لم يهتم بالكنائس ولا بالمسيحيين، أصبح هو الشخصية الأكثر أهمية على الصعيد الكنسي وخصوصاً المدني بالنسبة للمواطنين المسيحيين. مما يعني أن الكنيسة أصبحت الملاذ الأول والأخير للمسيحيين. فقامت كنائسنا المختلفة بتنفيذ ما كان يجب أن تقوم به الحكومة أو السلطة المدنية القائمة على الأرض. وهكذا نشأت المدارس المسيحية مثلاً. فقد رفض العثمانيون إعطاء حق تعليم للمسيحيين، فما كان من المطارنة إلا أن فتحوا كنائسهم لتكون منبراً حراً للصبيان المسيحيين حتى يتعلموا القراءة والكتابة. وهذا أيضاً هو نفس سبب وجود المستشفيات المسيحية والعيادات ودور العجزة وغيرها من أعمال المحبة والرحمة. فكان الكهنة والرهبان والراهبات هم السبّاقون بالنزول إلى الشارع لمساعدة الفقير والمريض والمحتاج، وكل هذا بسبب غياب السلطات السياسية والمدنية القائمة في ذلك الحين.

تمكنت الكنائس من الصمود بأعمالها الخيرية حتى تحت الاحتلال الإسرائيلي. لكن الأمور تغيّرت وتبدلت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. فبدأت الضائقة المالية الإقتصادية في بلاد الغرب وأثّرت تأثيراً مباشراً وسلبياً على جميع الكنائس والمؤسسات الكنسية. وقام البوعزيزي بما قام به، واستغله الكثيرون فتحول الربيع العربي إلى شتاء عربي إسلامي مسيحي، الذي ما يزال يأكل الأخضر واليابس خصوصاً في سوريا والعراق.

وإذا ما تحدثنا عن فلسطين فلا بد لنا أن نعي أن قيام السلطة الفلسطينية قد غيّر الكثير من الموازين إلى حد ما. فأصبحت السلطة تقوم قدر الإمكان بواجبها اتجاه مواطنيها بلا استثناء، فبنت المدارس والمستشفيات وساهمت حتى في بناء بعض الكنائس ورممت الكثير منها ومن المؤسسات المسيحية. ومن جانب ثان، فقد أصبح العلمانيون أكثر نضجاً ومستعدين إلى حد كبير للقيام بواجبهم تجاه كنائسهم ومجتمعهم.

لقد تحملت الكنيسة مضطرة وليس بخاطرها ومنذ بداية الحكم العثماني، الكثير من الضغوطات والضيقات، وقد أُجبر رجال الدين حتى يومنا هذا على تحمل أعباء أكثر من طاقتهم وقدراتهم. وهذا كله يجب أن ينتهي اليوم لأن كنائسنا شاخت بسبب هذا العبء الثقيل. بالطبع علينا جميعاً كهنة وعلمانيين الاستمرار بالقيام بأعمال الرحمة المختلفة. ولكن خير الأمور الوسط، فلنعطِ الدولة المدنية دورها الطبيعي في المساهمة في تقديم الخدمات الإجتماعية المختلفة. لكننا يجب أن نغيّر أو نجدد رؤيتنا للكنيسة. فالكنيسة هي الأم التي تجمع الجميع، وليست الأم التي يجب أن تتحمل هي فقط ولوحدها كل الأعباء والهموم. فليساعد كل منا الكنيسة ومجتمعنا قدر الإمكان. أما الراية البيضاء فلم يحملها أجدادنا من قبلنا ولن نحملها نحن أيضاً في زمننا هذا، لأننا شعبٌ علمنا الإنجيل أن نسير في طريق توجد على جانبيه ورودٌ من الأمل والرجاء في مستقبل أفضل للجميع.