بعد "الليلة المجنونة" في نابلس... دعوات لضبط "الفلتان الاعلامي"

نابلس – "القدس" دوت كوم – عماد سعادة - كان مساء الجمعة هادئا وطبيعيا في المدينة، والناس في الشوارع والمطاعم والمقاهي او في زيارات عائلية للاهل والاصدقاء، بحكم العطلة الاسبوعية، قبل ان يبدد سكون المدينة ورود معلومات أولية حول قيام قوات الاحتلال بإغلاق مفاجيء لكافة مداخلها وفرض طوق امني مشدد عليها.

وما أن أُغلقت ابواب المدينة، حتى انفتحت على رؤوس أهلها حرب اشاعات لا هوادة فيها اشتعلت بها وسائل التواصل الاجتماعي، واصبح الكل فيها اما صحفيا او محللا استراتجيا او "شاهدا ما شافش حاجة". وكالعادة اخذت سياسة "النسخ واللصق" منحاها على صفحات التواصل الاجتماعي، وانساق الى ذلك اعلاميون ووسائل اعلام ومواقع اخبارية، بحثا عن "سبق صحفي" من دون التحقق من أساس المعلومة أو مصدرها.

تمحورت الاشاعة، حول عملية اختطاف مستوطن وتهريبه الى داخل نابلس بواسطة سيارة، وبدأت المواقع وصفحات التواصل بالضخ والنقل عن بعضها البعض، ومما كتبه ونقله كثيرون أن شخصا ما، صرخ من داخل سيارة كانت تمر عبر حاجز حوارة العسكري، جنوب المدينة بعبارة: "انا مخطوف".

انتشرت هذه الشائعة مثل "النار في الهشيم"، وصدقها ورددها الكثيرون، دون ان يتحدث أحد عن مصدر معلوماته. بل وذهب البعض الى الحديث عن نوع السيارة ولونها، وزاد آخرون بنشر اسم المستوطن المخطوف وصورته.

صحيح أنه كانت هناك اجراءات حقيقية على الارض من قبل الاحتلال، توحي بأن هناك حدثا أمنيا ما، حيث أغلق الاحتلال كافة مداخل المدينة لعدة ساعات، واقتحم بعض الأماكن، لكن لم يصدر عن الجهات الاسرائيلية الرسمية أي شرح أو توضيح او تصريح حول الاجراءات الامنية في نابلس، حتى أن الصحف ووسائل الاعلام الاسرائيلية المعروفة لم تتطرق الى الموضوع البتة، وفقط في الصباح ذكرت وسائل اعلام عبرية بأن العملية العسكرية في مدينة نابلس كانت نتيجة بلاغ كاذب، فيما قالت اخرى بأن الامر كان مجرد تدريبات للجيش الاسرائيلي في حال وقوع عمليات خطف.

انتهت اجراءات الاحتلال الأمنية بعد عدة ساعات، وأعادت قوات الاحتلال فتح الحواجز، في الوقت الذي كانت فيه بعض المواقع ما تزال تتحدث عن حشودات ضخمة حول المدينة، وكأن حربا على الابواب، ما خلق حالة من القلق والتوتر وانشداد الاعصاب لدى الأهالي، الذين ربما منهم من لم يذق طعم النوم طوال الليل، وكل ذنبه أنه صدق ما قرأه روته له مواقع شبكات التواصل الاجتماعي.

آراء وتعليقات

ولتقييم ما حصل في تلك الليلة التي حقا كانت "ليلة مجنونة" بكل معنى الكلمة، وللوقوف على مكامن الخلل، وحجم الخطر الذي تسببه المواقع المختلفة، خاصة الاخبارية غير الموثوقة منها، على شبكات التواصل الاجتماعي، وبثها للكذب وترويجها الاشاعات المغرضة، فقد استطلعت "القدس" دوت كوم، آراء عدد من المواطنين من شرائح مختلفة.

وفي هذا الاطار قال المدون والمتابع للشؤون الاسرائيلية محمد ابو علان، بأنه وخلال تلك الليلة، استعرض كافة وسائل الاعلام العبرية المتاحة، ولم يجد لا اصلا ولا فصلا لذلك الخبر، موضحا أن عادة في حال حصول حدث أمني يبقى تحت الرقابة العسكرية ولا ينشر الا ما تسمح به الرقابة.

كلام ابو علان هنا، يوضح الفرق بآليات العمل بيننا وبين الاسرائيليين، فهم لديهم رقابة تلتزم بها وسائل اعلامهم، اما لدينا فلا رقيب ولا حسيب ولا التزام بأية معايير.

فلتان اعلامي

ويرى مدير العلاقات العامة في محافظة نابلس، الكاتب زياد عثمان، بأن "الفلتان الإعلامي" هو اخطر مما يسمى بـالفلتان الأمني؛ لان الإشاعة واثارة البلبلة في أوساط المجتمع من أناس يزعمون انهم إعلاميون هي أشد فتكا.

واضاف عثمان بأنه بناء على ذلك يجب أن تتوافر معايير مهنية لمن يمتلك صلاحية العمل الإعلامي حتى لا يقع المواطن ضحية أعمال صبيانية لا أساس لها، داعيا الى محاسبة كل من يخرق القواعد المهنية وينقل اخبار غير معروفة المصدر وموثوقة، لكي يرتدع مثيرو الإشاعات عبر شبكات التواصل.

وقال الخبير في نظم المعلومات، ابراهيم ابو صفية، بأن "أبناء شعبنا، للأسف، وكأنهم ينتظرون كارثة تحل به للتسلية ويتمنون الخراب والاسوء دائما". ويسوق مثالا على ذلك عند اقتراب منخفض جوي معين، يتحول كل منهم الى راصد جوي يروج لحالة جوية ربما لم يشهدها التاريخ، مضيفا "أننا بحاجة الى الوعي".

ويعتقد الباحث، طاهر المصري، بأن "غياب الثقة بوسائل الإعلام المحلية، اضافة الى غياب الرواية الرسمية الفلسطينية وضعف المسؤولية لدى الكثيرين وعدم الاكتراث، كل هذه اسباب تقود إلى اخذ الاشاعة على انها حقيقة".

فبركة اعلامية

ويرى المقدم في الأمن الوطني رياض صلاحات، بأن "وسائل التواصل الاجتماعي اصبحت اكثر المصادر لنقل الاخبار والمعلومات دون التحقق من صحتها ولا من مصدر المعلومة، فكثيرا ما جرى تناقل خبر وفاة زعيم او ممثل او غيره، وبعدها يتبين ان الخبر مجرد فبركة اعلامية، وكثيرا ما تم نقل خبر على انه حدث في احد الدول ليتبين فيما بعد انه مجرد مونتاج. واضاف صلاحات بأن هناك صفحات كثيرة هدفها جمع "اللايكات" واخرى هدفها بث الفتنة".

وقالت الباحثة نداء ابو طه، بأن بث مثل هذه الشائعات والاخبار الكاذبة، يلحق الضرر بالناس ويعطل اعمالهم، ومن الأولى أن ينشغل كل منا باختصاصه، ومن لديه معلومة او خبر يمكنه ان يبلغه للصحافة التي من واجبها ايضا التدقيق في صحتها.

وقال المدرس عماد صلاحات، بأنه "اصبحنا وللاسف نتناقل الاخبار بسرعة، دون التأكد من صحتها أو دقتها". واضاف: "لاحظت بخصوص ما حدث في نابلس، أنه وبعد اول منشور عن تواجد الجيش في نابلس وحولها، ظهرت عشرات وربما المئات من المنشورات التي تدعي الاستناد الى شهود عيان، رغم أنهم غير متواجدين في المنطقة اصلا.

وبحسب الصحافية سمر عميرة، فان "كل صاحب حساب على احدى شبكات التواصل اصبح اعلاميا، بل وان هؤلاء يشككون في روايات الصحفيين المهنيين والمتمرسين.

وعلق الصحفي نواف العامر قائلا: "قد يجد المرء عذرا لغير الاعلاميين، لكن الملاحظ هو الجنون الذي اصاب الحالة الاعلامية في التعاطي مع الاشاعة دون تروي" . واضاف بأن المطلوب من الاعلامي التحري والضبط، في الاولى المصداقية وفي الثانية حماية النسيج النفسي للمواطن الذي ظل ساهرا يتابع. وقال: أن تملك حسابا على مواقع التواصل يل يعني ذلك انك مؤهل للنشر.

تهويل

وفي شهادته حول التهويل الاعلامي لما حصل في نابلس، قال الصحفي عاطف دغلس: "كنت في طريق العودة من قريتي برقة الى مدينة نابلس، وقد رأيت جيبا عسكريا ينصب حاجزا بالقرب من قرية دير شرف غربي المدينة، وكانت المركبات تلف حول الحاجز وتسلك طرقا أخرى على مرآى من الجنود، الذين كان بامكانهم منع ذلك، لكنهم أرادوا لنا أن نحترف الكذب والخوف معا، وهذا ما حصل فعلا. واضاف: "أدرك تماما أن الاحتلال قادر على ان يقلب المدينة وقراها عسكريا بظرف ساعات قليلة، لكني لم أر أسوأ منا في تقليب الخبر ومساعدة الاحتلال بأكثر مما يريد، حتى بات عليه أن يشكرنا على التهويل الذي قدمناه والخوف الذي عشناه لليلة كاملة".

الناس انتظروا صفقة تبادل في الصباح

وقال الاعلامي الاذاعي، عميد دويكات، بأن من انتظر في الليل تفاصيل عملية الاختطاف، انتظر صباحا أخباراً عن بدء عملية التفاوض على عملية إطلاق سراح أسرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال بأنه سابقاً كان مصدر الخبر وكالة أنباء أو وسيلة إعلام أو صحفي يعمل بمهنية عالية، ولكن اليوم حين تسأل عن خبر صحفي ومصدرة يقول لك: فلان. وفلان يقول نقلته عن فلان، وفلان نقل عن فلان.. إلخ.

واضاف دويكات: "المشكلة ليست في مواقع التواصل الاجتماعي، وانما في التعاطي مع صفحات التواصل الاجتماعي والنقل عنها دون التأكد من حقيقة ما تنشر، ودون النظر إلى طبيعة من قام بالنشر، وإلى أي مدى يجب الثقة بما يقوله هذا الشخص أو ذاك وهل هو مصدر ثقة أم لا؟، للأسف ان هناك عددا من العاملين في القطاع الإعلامي والهواة وقعوا ضحيةً لهذا التسرع في النقل دون التدقيق في المعلومة، وربما يعود ذلك لمحاولاتهم استباق النشر والفوز بالسبق الصحفي.

ويرى دويكات أنه بإمكان الجميع تجاوز هذه العقبة وعدم الوقوع فيها من خلال اعتماد مواقع تواصل اجتماعي (سواء كانت شخصية أو مؤسساتية) تتبع لجهات واضحة ومعينة ذات مصداقية، وتعمل بوضوح وشفافية، والتعامل مع هذه المواقع فقط دون غيرها والابتعاد عن ما بات يعرف بمواقع اللايك (أي أن هدفها فقط حصد الإعجابات ولا تهمها الحقيقة).

من ناحيتها، قالت ريما الوزني من وزارة الاعلام بأن المشكلة ذاتها تتكرر في كل مره وفي كل حدث، ويتمثل ذلك باعتمادنا كشعب وكإعلاميين ووكالات أنباء على مصادر اخباريه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

واضافت انه على الصحفي الممتهن ان يتحقق من صحة المعلومة قبل ان ينشرها، وهذا هو الفرق بينه وبين الشخص العادي العادي الذي هو حر فيما يكتبه على صفحته الشخصيه، فهي صفحته الشخصيه وليست موقعا اعلاميا، وكل دول العالم تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي بحريه دون ان تكون مرجعيه للأخبار.