سقوط داريا يزيد الضغوط على معاقل محاصرة للمعارضة في سوريا

عمان- "القدس" دوت كوم- يستهدف الرئيس السوري بشار الأسد الجيوب الأخيرة التابعة للمعارضة حول دمشق وحمص، ويعول على تكتيك الحصار والقصف الذي منحه النصر في الأسبوع الماضي، لكن جلب له إدانة من الأمم المتحدة.

ومع سقوط داريا في ريف دمشق الرمز القوي للانتفاضة ضد الأسد في الأسبوع الماضي، بدأ الجيش السوري في ممارسة ضغوط جديدة على المعضمية وحي الوعر المحاصر في حمص بغرب البلاد.

تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى تعزيز قبضة الأسد على المناطق الخاضعة للحكومة، في حرب أهلية متعددة الجبهات، انزلقت فيها قوى إقليمية وعالمية، وأججت الكراهية الطائفية، وأدت إلى مقتل أكثر من 250 ألف شخص وتشريد نحو 11 مليون آخرين.

وقال وزير المصالحة الوطنية علي حيدر على التلفزيون الرسمي "داريا حجر دومينو بعده بده يقلب مرتين وثلاثة وأربعة."

وفي المعضمية القريبة، يقول مقاتلو المعارضة في المنطقة، إن الحكومة وجهت إنذارا: إما إجلاء المقاتلين أو مواجهة هجوم عسكري.

وفي حمص التي كانت مثل داريا مركزا مبكرا للانتفاضة، يقول مقاتلون، إن القصف المكثف الذي استمر يومين أجبر مقاتلي المعارضة في الوعر على استئناف المحادثات المتوقفة بشأن اتفاق مشابه.

ووجه سقوط داريا التي أجلي سكانها في إطار اتفاق مع الحكومة ضربة معنوية كبيرة للمعارضة، بينما شجع الجيش على الاعتقاد بأنه على مقربة من إخضاع معاقل المعارضة حول العاصمة شديدة التحصين.

ومع ذلك عبر ستيفن أوبرين وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية عن "قلقه الشديد" بشأن إخلاء داريا وشدد على الظروف القاسية التي أجبرتها على الاستسلام محذرا من أنها سابقة خطيرة.

وأضاف قائلا "دعنا نكون واضحين كل (أشكال) الحصار تكتيك من العصور الوسطى ويجب أن ترفع... ما حدث في داريا لا ينبغي أن يكون وضع المناطق المحاصرة الأخرى في سوريا."

وقبل التدخل الروسي في العام الماضي، الذي ساهم في تحويل دفة الحرب لصالح الأسد، استخدمت الحكومة الهدنة لتقوية الهدف المحدود بتهدئة النقاط الساخنة، ومنها بلدات كاملة تديرها مجالس خاضعة للمعارضة.

وسمح التدخل الروسي للجيش وللفصائل المسلحة المتحالفة معه بتصعيد الحملات العسكرية في مساحات كبيرة من ريف سوريا خاضعة للمعارضة، لكن على حساب السماح للمعارضين بالإبقاء على الجيوب حول المدن الرئيسية.

وأضاف حيدر تحذيرا وجهه في المقابلة التلفزيونية بأن المناطق الخاضعة للمعارضة، ومنها داريا، لن تظل "مناطق معزولة تشكل تهديدا للدولة."

* "جهنم وكومة حجارة"

جاء استسلام داريا بعد شهرين من تعرضها لأعنف موجة قصف منذ سقوطها من قبضة الحكومة في عام 2012 حين بدأ حصار لا يلين دفع المدنيين لأكل العشب والاحتماء من البراميل المتفجرة.

وقبل أيام من موافقة المعارضة على الانتقال إلى شمال غرب سوريا، اقتربت دبابات الجيش حتى فصلتها أمتار عن السكان المحاصرين والمقاتلين، ليكون الخيار الوحيد لديهم هو المغادرة في جماعات.

وقال أبو جمال قائد لواء "شهداء الإسلام" الفصيل الأكبر في داريا "وصل القصف بالدبابات والطيران والقنابل الحارقة إلى الأقبية التي كانت العائلات تلجأ لها. حولوا داريا إلى جهنم ودمروها وأصبحت كومة حجارة.. ما عاد في خيارات أمامنا."

وقال مقاتلون في المعضمية إن السلطات تحركت سريعا بعد سقوط داريا لتوجيه إنذار للمعارضين في المعضمية المجاورة التي نجت من دمار مشابه نتيجة هدنة محلية.

وقال معارض وعضو في مجلس محلي طلب عدم نشر اسمه، إن قادة الفرقة الرابعة بالجيش السوري المتمركزة في منطقة قريبة، طرحوا على المقاتلين شروطا غير قابلة للتفاوض لإخلاء المنطقة خلال 72 ساعة أو اقتحامها.

وسيشترط الاتفاق تسليم خمسة آلاف معارض أسلحتهم الثقيلة، ومغادرة المعضمية بأسلحة خفيفة، للانضمام لفصائل أخرى للمعارضة السورية. وبإمكان أي معارض يقطع علاقته بالانتفاضة الالتحاق بقوة أمنية جديدة في المنطقة.

وقال علي خليفة عضو لجنة المعارضة التي تتفاوض مع الجيش في المعضمية لرويترز "ليس بالإمكان أفضل مما كان... حيث خُيرنا بين التسوية الشاملة أو تحمل العواقب."

ويمثل الاتفاق بالنسبة للمعضمية نهاية انتفاضة داخل البلدة التي يسكنها 45 ألف نسمة.

وقال كنان نتوف، وهو طالب سابق للهندسة من المعضمية ومقاتل هناك "صور الأسد التي مزقناها في المظاهرات رح ترجع، وبصراحة ما عاد في شيء اسمه ثورة في المعضمية.. أتمنى أنه ما تكون راحت تضحياتنا سدى."

* معقل المعارضة

في الوعر توصل الجيش والمعارضة إلى اتفاق العام الماضي توسطت فيه الأمم المتحدة، ويشمل إطلاق سراح بضعة آلاف من السجناء مقابل إجلاء المقاتلين المتبقين في الحي.

ويمثل الوعر جائزة قيمة للحكومة لكونه آخر المعاقل المتبقية للمعارضة في حمص، وهي مدينة كانت من أوائل المدن انتفاضا ضد الأسد وأصبحت لاحقا رمزا لمقاومة حكمه.

بيد أن الاتفاق انهار، وشدد الجيش في مارس/ آذار حصار الحي. وقال أسامة أبو زيد وهو ناشط إعلامي مؤيد للمعارضة هناك إن الجيش بدأ الآن استهداف المنطقة بالقصف الصاروخي والغارات الجوية المكثفة.

وأضاف أبو زيد، الناشط على الأرض، إنه بعد داريا استغل "النظام" ما حدث ليملي اتفاقا جديدا سيلزم المقاتلين وأسرهم على المغادرة في غضون أسبوعين وإلا سُوي حيهم بالأرض. وقال إنهم رفضوا ذلك وان المفاوضات عادت الآن إلى الشروط القديمة لاتفاق الأمم المتحدة.

وبالنسبة لكثير من جماعات المعارضة، سيكون من الصعب قبول اتفاق من هذا القبيل، خوفا من عواقب الاستسلام عندما يكون عدد كبير من سكان المنطقة مطلوبين لدى الحكومة بسبب دورهم في الانتفاضة.

وجاء في بيان لـ "الجماعات الثورية المسلحة في الوعر" وهو تحالف من جماعات المعارضة، إن استسلام الوعر لنظام الأسد سيعرض معظم المدنيين هناك للسجن والتعذيب والموت.

* الدفاع عن العاصمة

يعد الدفاع عن العاصمة الواقعة إلى الشمال الشرقي مباشرة من داريا، وحيث يتحصن أفضل قوات الجيش عُدة وعتادا، حاسما لبقاء الأسد.

لكن خلافا للوضع في جيوب المعارضة التي تحمل أهمية رمزية لكنها معزولة نسبيا في داريا والمعضمية في الوقت نفسه، تسيطر قوات المعارضة في مركز الغوطة الشرقية الذي يتألف من بلدات ومزارع على منطقة كبيرة متواصلة جغرافيا تحت إدارتهم المحلية.

وأوقف ذلك حملات عسكرية متتابعة من جانب الجيش لاستعادة معقل المعارضة في دوما، وهي أكبر مركز حضري في المنطقة.

وقال محللون عسكريون، إن نتيجة التقدم العسكري في داريا الآن أنعشت آمال الحكومة في أن حملة القصف التي لا تعرف هوادة قد تتمخض في آخر الأمر عن نتيجة مماثلة في تلك المنطقة.

بيد أن المعارضة ووكالات الإغاثة تندد بتلك السياسية بوصفها إحدى أساليب "التجويع أو الاستسلام" قائلين إنها ستجعل من الأصعب في الأمد الطويل مداواة جراح الحرب الأهلية.

ويقول كثيرون داخل المعارضة بالفعل، إن ممارسة إجلاء المقاتلين وأسرهم من بلداتهم ترسم حدودا سكانية جديدة، لن تؤدي إلا إلى إذكاء النعرات الطائفية.

وقال رياض حجاب رئيس اللجنة العليا للمفاوضات التي تدعمها السعودية "هذه الهدنة تمهد لتطهير عرقي وتهجير قسرى غير مسبوق."