طفل أسير في مواجهة دولة لا تميز بين جرس المدرسة وصوت القنبلة!

بقلم: عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين

لقد اعترفت بكل ما أراده المحقق، كنت خائفا مرعوبا مضروبا، وقعت على إفادة باللغة العبرية لا اعرف ماهيتها، اردت الخلاص من التعذيب والضرب والشبح على كرسي طوال الليل، اردت النجاة من الشتائم والمسبات والصراخ ومنعي المتواصل من النوم.

هذه إفادة طفل أسير عمره 15 عاما، اعتقلته قوات الاحتلال الاسرائيلي الساعة الثالثة فجرا، ايقظوه فجأة من النوم، هجموا عليه واختطفوه من السرير ومن الحلم ، كوابيس سوداء تحيط به، قيدوه وجروه دون ان يودع والديه وأخوته المصدومين المرعوبين.

داخل السيارة العسكرية، بطحه الجنود على ارضيتها الحديدية، داسوا عليه ببساطيرهم المدببة ، داسوا على رأسه ورقبته، وانهالوا عليه ضربا بأرجلهم وباعقاب البنادق، ما اطول الطريق...

آلام مبرحة تنهش جسده الصغير، تورمات في وجهه وجروح في رأسه، يصرخ ثم يصرخ ولا مجيب، تستنفر عضلات قلبه، يجف ريقه، تتفكك مفاصل ركبتيه، مسبات وقحة وقذرة ترافق حفلة الضرب والتنكيل من قبل الجنود حتى وصل غرفة 4 في معتقل المسكوبية.

الولد يرتجف، دماء تسيل من رأسه، لا يكاد يرى شيئا سوى محقق ضخم الجثة يصفعه عدة مرات على وجهه، يقع على الارض، ينهض ثم يقع مرة أخرى، والصفعات تستمر وتصدر لمعانا من عينيه، يشتعل الولد خوفا، ينكمش ويبكي.

ماذا فعل هذا الولد الصغير ليختطفوه من مدرسته وحضن أمه وأبيه ومن وسط احلامه الخفيفات؟ يتهمونه برشق حجر على جنود الاحتلال، يبرز المحقق صور له وهو يقف مع مجموعة اولاد امام جنود يقفون على حاجز عسكري ، يصرخ المحقق: اعترف والا ستموت الآن.

لم تشفع له قطرات الدم التي تسيل على خديه، ولا الآلام الشديدة في ظهره واكتافه نتيجة الضرب، تقيأ عدة مرات، لا طبيب يسعفه ويداوي جروحه، لا كأس ماء يبلل حلقه الجاف، يجلس مقيدا من يديه وقدميه على كرسي صغير محني الظهر مما زاد من اوجاعه.

الطفل لم يعد قادراً على الكلام، لا صوت للخائف، حنجرته لا تصدر الكلمات ، ليس هنا غير النحيب والبكاء، تصلبت شرايينه ، قلبه يدق بسرعة ، مذهولا من وحشية المكان ووحشية هذا المحقق المستنفر الغاضب، وكان يبدو ان المحقق كان مذعورًا أكثر من الطفل، وربما كان من المقتنعين ان اطفال فلسطين قنابل موقوتة تنفجر في كل حين.

واصل المحقق عملية الضرب، وكلما ضرب الطفل يقع مع الكرسي ، يرتطم بقوة في الارض، وتشتد القيود الحديدية اكثر على رسغيه، وامام اصرار الولد انه لم يلق الحجارة، يشعل المحقق سيجارته ويطفئها في جسد الولد الصغير، صراخ حاد لم يسمعه الامين العام للامم المتحدة، ولا المسؤولين عن حماية الطفولة ، ربما لم يشموا ولا مرة رائحة جلد طفل مشوي بأعقاب سيجارة.

ينكمش الطفل، يتكور، يرتعش جسمه البض، تتقطع انفاسه، وكان واضحا له ان المحققين خائفين ايضا، واكثر منه، وإلا لماذا هذه القوات المدججة المسلحة التي احاطت ببيته واعتقلته بعد منتصف الليل؟ جنود ملثمين ، قوات خاصة، اسلحة تملأ غرفة النوم، كلاب بوليسية تنبح بشراسة تمزق ملابسه ودفاتره والعابه وسكون الليل، جنود فوق سطح البيت وسطوح الجيران، دولة اسرائيل النووية تشن حربا على طفل صغير تتهمه انه القى عليها حجرا.

الطفل يقع على الارض مغشيا عليه فيتم ايقاظه بسكب الماء على رأسه ، يفيق واذا بخمسة محققين ينهالون عليه ضربا مبرحا وشتما، صار كالكرة بين ايديهم وركلاتهم وسخرياتهم ، وكانوا كالمجانين المصابين بالهستيريا ، يقدسون الضرب، مهوسون بتعذيب الآخرين ، يكرهون الاطفال ، يكرهون الحجارة ، تصرفاتهم تدل انهم مرضى في لباس عسكري، و كان أحدهم يصور عملية الضرب ضاحكا، اين ستعرض هذه الصور الجميلة؟

ما هذا الخوف الذي يدفع جنود الاحتلال لسرقة دراجة هوائية صغيرة الحجم من طفلة فلسطينية في مدينة الخليل؟؟ احد الجنود يحطم الدراجة ويلقي بها بعيدا وسط بكاء الطفلة وصراخها خوفا من بطشهم واعتداءاتهم ، كأنهم لم يكونوا يوما اطفالا، لا يعرفون اللعب واللهو، ولدوا في معسكر كبير ورضعوا البارود والدم.

الاحتلال صنع الخوف لدى جنوده ، ولهذا اختبأوا وراء بنادقهم وحواجزهم وابراجهم العالية المحصنة، أفقدهم الخوف الاحساس بالحياة وبالآخرين ، جردهم من آدميتهم وأخلاقهم ، تحولوا الى خفافيش واشباح وآلات لا تجيد سوى اطلاق النار والاعدام والتعذيب والرفس.

الخوف ترك ذكريات صعبة لدى ذلك الطفل الاسير ، لا زال يراهم في المنام وفي اليقظة، يسمع حركاتهم خلف الباب، متسائلا أي دولة هذه التي لا تميز بين صوت القنبلة وصوت جرس المدرسة؟