29 عاما على رحيل الفنان ناجي العلي

رام الله- "القدس" دوت كوم- مصعب أبو سيف- "يلي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو ميت"

هذه العبارة العامية القصيرة والبسيطة اختصرت كل الحكاية، فمجرد الحديث عن فلسطين وقضيتها، حتى بـ"الرسم" قد يعني الحكم على صاحبه بالموت!

العبارة المذكورة قالها يوما من الأيام الراحل "ناجي العلي"، رسام الكاريكاتير الفلسطيني الأشهر في سياق حديثه عن الثمن الذي قد يدفعه بسبب رسوماته عن فلسطين التي سكنت روحه واحتلت هواجسه حتى آخر يوم في حياته وكانت سببا في اغتياله.

من هو ناجي العلي؟

ناجي العلي هو مواطن فلسطيني ولد عام 1938، في قرية الشجرة الواقعة بين مدينتي الناصرة وطبريا في الجليل الفلسطيني. عايش ناجي وقائع النكبة عام 1948، عندما هاجر قسرا مع أهله إلى جنوب لبنان، وسكن في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، ومنذ هجرته وحتى اغتياله فانه لم يستقر في بلد واحد.

علاقته بالصحافة والإعلام؟

بالرغم من أن ناجي العلي يحمل شهادة في ميكانيكا السيارات، إلا أن عمله كان بعيدا كل البعد عن ذلك، فقد ساقته الأقدار للعمل في الصحافة آنذاك، بعد أن اكتشفه الصحفي والأديب الفلسطيني غسان كنفاني عام 1961، عندما كان في زيارة لمخيم عين الحلوة، وشاهد إحدى رسوماته، وهي عبارة عن خيمة تعلوها يد تلوح، فنشرها له في مجلة "الحرية" العدد 88، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة ناجي في بحر الصحافة والإعلام، حيث عمل فيما بعد في صحف الطليعة، والسياسة، والقبس، وهي صحف كويتية، وكذلك في صحيفة السفير اللبنانية. وقد عمل في هذه الصحف محررا ورساما للكاريكاتير.

السخرية العميقة والكوميديا السوداء

أربعون ألف رسم فني وكاريكاتير رسمها ناجي خلال خمسين عاما هي كل عمره. لا شك في أن ذلك رقم هائل جدا، وهو دليل على الحس الفني المرهف، والذكاء الحاد الذي تمتع به ناجي العلي، كما يقول أحمد رفيق عوض، أستاذ الإعلام في جامعة القدس.

ويوضح عوض في حديث لـ "القدس" دوت كوم، أن ناجي استغل ذكاءه هذا في إيصال رسائله وآرائه عبر فن الكاريكاتير، والتعبير عن معارضته لبعض التوجهات السياسية التي ظهرت في تلك الفترة.

ويصف عوض ناجي العلي بأنه "كان قادرا على تصوير المتناقض في لوحاته ورسوماته، التي حملت قدرا كبيرا من السخرية العميقة من الواقع، والكوميديا السوداء القادرة على الإضحاك والإبكاء في ذات الوقت، وتقدم وجبة غنية من الفهم والإدراك، وقريبة لروح الجمهور الجمهور، وما تفكر به العقلية الشعبية".

ويقول عوض، كان ناجي يستعين في رسوماته بالكلام، كي يشرح للمتابع مضامين اللوحة ورسائلها، التي كانت تحمل شحنة تحريض عالية على الواقع، الذي كان ناجي معارضا له، لذلك كانت هذه اللوحات قريبة، ومفهومة من الجمهور.

ويوضح عوض أن رسومات ناجي كانت معارضة للاعتدال، وفي أحيان كثيرة كانت معارضة للرؤية والتوجهات السياسية الرسمية.

شخصيات ناجي.. حنظلة وفاطمة

أبدع ناجي في رسم لوحاته، وأبدع كذلك في خلق شخصياته الكاريكاتيرية التي تظهر في تلك اللوحات، وأبرزها شخصية حنظلة التي كان ناجي يوقع بها لوحاته، وأصبحت فيما بعد أيقونة من أيقوناته.

يقول الدكتور عوض، إن حنظلة يمثل الشاهد على الواقع الفلسطيني، وهو الحاضر الغائب في هذا الواقع المتناقض، كما أن هذه الشخصية أضحت لغزا ساحرا وغامضا بالنسبة للكثير ممن شاهدوا رسومات ناجي.

شخصية أخرى استخدمها ناجي في لوحاته هي شخصية "فاطمة"، ذات الوجه الكبير، والعيون الواسعة، وهي كما يوضح عوض تعبر عن فلسطين، وعن المرأة الفلسطينية القوية والمتحدية.

أما الشخصية الثالثة التي رسمها ايضا ناجي فهي شخصية "أبو العبد"، وهي تعبر بحسب الدكتور عوض عن الشعب الفلسطيني المسحوق والفقير، والمنفي في أصقاع الأرض، إلا أنها تؤكد كذلك أن هذا الشعب واعٍ ومثقف ومدرك لما بدور حوله، وما يحاك له من مؤامرات.

عدا عن ذلك، كان ناجي يصور الانظمة الرسمي في لوحاته بكتل دون ملامح، كما يشرح عوض، مضيفا أن هذه الكتل كانت "غبية وثقيلة وبطيئة الحركة، ولا تفهم شيئا من الواقع المحيط بها".

ناجي العلي.. الفنان والناقد

يقول الدكتور أحمد رفيق عوض، أن الرسالة السياسية العالية والقوية التي كان يحملها فن ناجي العلي تعتبر من أهم مميزات هذا الفن، فلم يكن ناجي فنانا فقط، بل كان ناقدا للأوضاع المحيطة به، وقدم من خلال فنه رؤية مختلفة عن رؤية التيار الرسمي آنذاك مشيرا الى ان "ناجي كان فنانا حقيقيا، اشتبك مع السلطات القائمة التي لم تحقق شيئا، أو إنجازات ملموسة للشعب الفلسطيني" على حد تعبيره.

ويضيف عوض أن ناجي "يرسم لوحاته وكأنه يؤلف كتابا"، حيث كانت تحمل أبعادا اجتماعية وسياسية واقتصادية متعددة. وهي في ذات الوقت قريبة ومفهومة من الناس.

رصاصة واحدة كانت كافية للوداع...

في مثل هذا اليوم من عام 1987، وفي العاصمة البريطانية لندن، كان ناجي على موعد مع الموت، رصاصة حاقدة في الرأس، من مسدس حمله قاتله "بشار سمارة" كانت كافية لإنهاء حياة شخص أصبح فيما بعد أيقونة فلسطينية مسجلة، ورمزا من رموز النضال الفلسطيني، وأحد أبرع الفنانين في رسم الكاريكاتير.

روايات عديدة أثيرت حول الجهة التي قامت باغتياله، حتى اتضح فيما بعد أن الموساد الإسرائيلي كان خلفها، بحسب تحقيقات السلطات البريطانية.

عملية الاغتيال وكما يقول الدكتور عوض، "حولت ناجي العلي لأسطورة، هذا الرجل ترك إرثا فنيا وأدبيا للشعب الفلسطيني يجب الحفاظ عليه بكل الوسائل، لقد ترك ناجي رأيا سياسيا يجب أن يُحترم".