ليبرمان وسياسة العصا والجزرة

بقلم: عادل شديد

يأتي الإعلان الإسرائيلي عن الخطة السياسية الجديدة لوزير الدفاع افيغدور ليبرمان والمسماة بسياسة العصا والجزرة ، كتعبير اسرائيلي رسمي وواضح عن نهاية العملية السياسية ما بين الحكومة الاسرائيلية من جهة وما بين منظمة التحرير الفلسطينية المنتهية اصلا ، والتي بدأت عقب اتفاقية اوسلو ما بين الطرفين قبل اكثر من عقدين من الزمن دون ان تؤدي الى نهاية الاحتلال الاسرائيلي ، لا بل انها ادت الى تعميق الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية وفصل تام لقطاع غزة وعزل مدينة القدس عن محيطها الجغرافي والسكاني والبدء في مرحلة التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين في مدينة القدس..

إلا ان طرح هذه السياسة الجديدة من قبل وزير الدفاع الاسرائيلي يعكس قراءة اسرائيلية مفادها ان السلطة والفصائل والمجتمع الفلسطيني عموما قد فقدوا قدرتهم ومناعتهم الوطنية الداخلية على مواجهة هذه السياسات، وبالتالي من الممكن ان يتم تمريرها وخاصة فيما يتعلق بإيجاد عناوين فلسطينية سيتم الحديث معها بشكل مباشر حول قضايا المواطنين الحياتية اليومية متجاوزة اسرائيل بذلك السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة ذات الشأن.

من ناحية فعلية فقد بدأت اسرائيل بتنفيذ سياستها الجديدة منذ سنوات وحتى قبل الاعلان الاخير عنها . وما الاعلان الاسرائيلي عنها في هذا التوقيت إلا ارسال عدة رسائل ، وأهمها وهي الرسالة الاولى والموجهة للسلطة الفلسطينية انكم لم تعودوا بالنسبة لإسرائيل العنوان الوحيد للتعامل معه نيابة عن المواطن والمجتمع الفلسطيني، وهذا يتم فهمه على انه تعبير عن ثقافة غرور وعنجهية الاحتلال العسكري ،والذي تحاول فيه قوة الاحتلال فرض ممثلي الشعب الذي يقع تحت احتلاله اعتقادا منه انه قادر على تحقيق ذلك وانه تم كسر ارادة ومعنويات الشعب الفلسطيني وأنهم وصلوا لمرحلة الهزيمة، والتي من الممكن ان تقبل ما يفرضه الاحتلال حتى في اختيار عناوينه وممثليه.

وبالتالي تعتقد اسرائيل انها ستتمكن من القضاء على ما تبقى من شرعيات لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة وذلك كجزء من سياسة ممنهجة لإنهاء أي بعد سياسي للقضية الفلسطينية وحصرها في القضايا الحياتية اليومية وخاصة في قضايا الصحة والتعليم والملبس والمأكل وذلك ضمن سياسة استغلال الوضع الفلسطيني والعربي والدولي الحالي ،وكأن الشعب الفلسطيني وصل لمرحلة لا يعنيه فيها سوى تسيير اموره الحياتية.

من غير المستبعد ان يجد وزير الدفاع الاسرائيلي افيغدور ليبرمان بعض الاشخاص الفلسطينيين الذين من الممكن ان يقبلوا الحديث معه حول متابعة القضايا الحياتية ، وخاصة ان هذه الاتصالات لم تتوقف طيلة مرحلة الاحتلال مع مجموعات من الاشخاص الفلسطينيين هنا وهناك.

لم تكن هذه السياسة هي المحاولة الاولى في خلق ممثل للشعب الفلسطيني، فقد جربها ومارسها رئيس الحكومة الاسبق مناحيم بيغن ووزير دفاعه آنذاك ارئيل شارون ، عندما قام بتشكيل روابط القرى في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي ، والتي ارادت اسرائيل في حينها تحقيق مجموعة من الاهداف الاستراتيجية وخاصة ايجاد قيادة بديلة عن منظمة التحرير وضرب وحدة الشعب الفلسطيني من خلال اثارة نعرات قديمة مرتبطة بتشكيلة المجتمع الفلسطيني جغرافيا وعائليا كمقدمة لقبوله بالشروط الاسرائيلية ولكن الشعب الفلسطيني بوعيه وتمسكه بوحدته وبقضيته تمكن من افشال مشروع روابط القرى وكانت من الاسباب التي ادت الى اندلاع الانتفاضة الاولى كرد على سياسات اسرائيل ومن ضمنها روابط القرى ، حيث اكتشفت اسرائيل انها قد اخطأت حساباتها.

وقد تجلى ذلك بشكل واضح عندما وصف بنيامين بن العازر في حينه تفكيك روابط القرى عندما قال امام لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست الاسرائيلي انه يخطئ من يعتقد ان مجموعة من الفلسطينيين الذين خذلوا شعبهم من الممكن ان يقدموا فائدة سياسية او امنية لإسرائيل.

تتضمن خطة ليبرمان الجديدة التمييز الواضح ما بين المدن والقرى الفلسطينية ، ففي الوقت الذي سيتم فيه حسب الخطة تمييز التجمعات الفلسطينية التي لا ينطلق منها منفذو العمليات ضد الاهداف العسكرية والاستيطانية باللون الاخضر ، ومكافأتها بمشاريع اقتصادية وفي البنية التحتية كبناء ملاعب وإعطاء رخص بناء جديدة وغيرها من الفتات ، ومن جهة اخرى معاقبة المدن والبلدات والقرى التي ينطلق منها مقاومون والتي تم تمييزها باللون الاحمر ، كسحب تصاريح العمل وزيادة عمليات الاقتحام العسكري وفرض المزيد من العقوبات الجماعية عليها من هدم للمنازل وزيادة في الاعتقالات وإغلاق مداخلها بالحواجز والكتل الاسمنتية وغيرها من العقوبات الجماعية.

ولكن العقلية والثقافة الفلسطينية تؤكد ان شعبا رفض وافشل كل هذه السياسات التي تم تجريبها في الماضي سيتمكن من افشال هذه السياسة الجديدة ، وان بعض البلدات التي سيعتبرها ليبرمان بأنها تجمعات هادئة ذات اللون الاخضر سرعان ما سيؤدي ذلك الى ردة فعل عكسية وخروج مقاومين منها لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال لتتحول في خطة ليبرمان الى اللون الاحمر كرسالة واضحة من ان شعبنا واحد موحد في كل قراه ومدنه ومخيماته في رفضه للاحتلال وسياساته العنصرية التمييزية .

سواء اراد الاحتلال من الاعلان عن هذه السياسة ان يوصل رسالة للسلطة وقيادتها ومؤسساتها الامنية والمدنية ، انه في حال رفض السلطة للشروط الاسرائيلية والاستمرار في المطالبة بحل سياسي وان تتحول الى روابط قرى جديدة ولا تتحدث إلا في القضايا الحياتية التي تصب في مصلحة الاحتلال وتكريسه فإن اسرائيل ستوقف علاقتها معها وان البدائل موجودة وجاهزة وانه لا قدرة للسلطة على منعها ومواجهتها، فحينها سيقوم الشعب الفلسطيني برفض ومواجهة هذا المشروع وسيؤدي الى انفجار كبير في المنطقة وخاصة ان حالة الاحتقان والغضب في المجتمع الفلسطيني تزداد يوما بعد يوم ،وما الانتفاضة الفلسطينية الاولى في نهاية الثمانينات من القرن الماضي إلا اكبر دليل على ذلك.