شارع حطين.. مراحل في ذاكرة

نابلس - لارا كنعان - يزداد المكان غنى حين تُبحث العلاقة فيه مع الإنسان الذي يسكنه ويعيشه، فنحن هنا لا نتعامل مع حرفية الجغرافي ولا المؤرخ اللذين يبحثان الأمر بإطاره المادي، دون الغوص بما يجعل المكان أكثر قدرة على الاقتراب للواقع الذي يعيشه إنسانه، الإنسان البسيط الذي يضيف إلى كده اليومي وسعيه لتأمين قوته، مراقبته لمجريات الأحداث والتطورات التي تطرأ على هذا المكان الذي أصبح يعيش تفاصيله، وزمانه.

العم "محمود صوالحي"، في علاقته الفريدة بشارع حطين أحد أهم المداخل الرئيسية لمدينة نابلس، مثال بارز، فمنذ أن وطأت قدماه الشابة في بداية العقد السابع من القرن الماضي "1970" الشارع ليبحث فيه عن مصدر قوتٍ حملته "عربته" التي أٌثقلت باحتياجات الناس اليومية الأساسية؛ من ماكينات حلاقة، وشفرات، وإبر، و ملاقط غسيل، وأمشاط...الخ، هذه العربة التي سترافقه حتى وقتنا الحاضر رغم التداعي الذي أصابهما سوية؛ هي في خشبها وهو في عظامه.

"العم محمود" 79 عاما، لم يثنه انحناء ظهره وتجاعيد الزمان أو مرضٍ مزمنٍ أضعف قدرته على التنقل ولا حتى الرصاصة التي أطلقها جنود الاحتلال عليه عشية يوم عمل شاق خلال الانتفاضة الأولى، عن الاستمرار ولمدة جاوزت ستين عاماً في التجول مع رفيقة دربه المحملة برزقه وتعبه، حيث بدأ في سن السابعة عشرة "مطلع العام 1956" متجولاً في مناطق مختلفة من المدينة إلى أن استقر في شارع حطين منذ العام 1970، فكان الشاهد بعيونٍ صامتةٍ سجلت أحداثاً كان يمكن أن تُنسى.

استقرت تلك العربة، التي لم يطرأ عليها أي تغير، جانبا في وسط شارع حطين لتصبح معلماً ثابتاً لا ينافسها المكان عدد السيارات المكتظ حالياً، والذي يضطر العم محمود للاستفسار عن أصحابها ليتيحوا له المجال للوقوف في مكانه طيلة ستة وأربعين سنة، ففي ذلك الوقت كان الشارع في العقدين الخامس والسادس من القرن المنصرم خالياً منها، فاقتصر امتلاكها على فئة الأطباء وحدهم في شارع حطين.

يعد شارع حطين، وهو من الشوارع الحديثة نسبيا في مدينة نابلس مقارنة بغيره من الشوارع التاريخية، من أهم المراكز التجارية فيها لما يحويه من محال تجارية تمتاز بكثرتها وتنوعها، الأمر الذي دفع العم محمود إلى أن يحط رحاله فيه ليكون المكان الذي سيرتبط فيه ويشكل مصدر دخله الوحيد ويساهم في إعالة أسرته.

واكب العم محمود الكثير من التطورات التي طرأت على الشارع من اليوم الأول لتواجده فيه، فالتجارة في تلك الأيام كانت تقتصر على أبناء المدينة الذين امتلكوا المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، الأمر الذي تبعه تغيرات مع مرور الوقت بامتلاك الكثير من أبناء القرى المحيطة للمحلات في هذا الشارع.

وتوسعت التجارة في داخل الشارع وحدثت العديد من التغيرات والتطورات على طبيعة هذه المحلات، فدكان لبيع المفاتيح تحول ليصبح أدوات منزلية، ومحل لبيع الحُصر تحول إلى مطعم، ومحل شهير لبيع الأحذية "باتا" تحول إلى محل للأدوات المنزلية، إلا أن العديد من المحلات بقيت على مهنتها التاريخية كمحل العكر لبيع الحلويات الذي حافظ على طبيعة صنعته حتى اللحظة، هذا المحل الذي ازدادت شهرته بعد احتلال عام 67 من خلال تمكن أبناء فلسطين الداخل من الوصول الى مدينة نابلس وشراء الحلويات التي اشتهرت بها المدينة كالكنافة.

كما شكل الشارع في بداية الخمسينيات من القرن الماضي محطة ترويح لجنود الجيش العراقي الذين كانوا يأتون لقهوة الميناوي الشهيرة في الشارع بعد انتهائهم من الاستحمام في حمامات نابلس التركية القديمة، هؤلاء الجنود الذين تبقوا، إثر النكبة 1948 واستمروا في المدينة بداية العهد الأردني، هذا العهد الذي استمر حتى العام 1967.

الشارع بعد العام 1967 وحتى نهاية الانتفاضة الأولى أصبح يشكل منطقة مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد شهد العم محمود العديد من اللحظات المؤثرة كاستشهاد العديد من المناضلين على مرأى منه، وإصابة العشرات منهم ومن الحوادث التي لم تغب عن ذاكرته استشهاد أحد المناضلين الذي كان يُطلق الرصاص من مسدسه باتجاه قوات الاحتلال الإسرائيلي التي أصابته برصاصة فأردته شهيدا. كما كان للعم محمود نصيب في هذه المواجهات حيث أُصيب بحجرٍ في رأسه حين كان يهم بالمغادرة بعد اقتحام قوات الاحتلال للمنطقة، نُقل على أثرها للمستشفى.

وبعد دخول السلطة الفلسطينية عاش الشارع مرحلة هدوء واستقرار ساهم في توسع التجارة فيه وزاد من أهميته تيسر الطرق الخارجية للمدينة وفك حصارها الأمر الذي ساهم في افتتاح بعض أماكن الجذب السياحي لمن هم من خارج المدينة كمطعم "السرايا" الذي شكل نقطة جذب كبيرة خاصة لفلسطيني الداخل المحتل، إضافة للمواطن النابلسي، وأيضا بعض المقاهي التي كانت محطات الراحة والترفيه لرجال المدينة بعد الانتهاء من أعمالهم.

رغم ما شاب هذه الفترة من منغصات فترة "اجتياحات" المدينة وتدمير جانب من الشارع حيث أنه أحد المداخل للبلدة القديمة كما أسلفنا، فتوقفت الحياة فيه خلالها،و تبعها فترة "الفلتان" حيث كان يًجبر العم محمود وباقي التجار على مغادرة الشارع لدواعي إغلاقه وإشعال الإطارات.

في ساعات ما بعد الظهيرة يجلس العم محمود على كرسيه الخشبي الصغير عاقداً قدميه النحيلتين متابعاً حركة المترددين على الشارع من داخل المدينة وخارجها، حتى أصبح قادرا على التمييز بين الغريب وابن المنطقة، ومن خلال متابعته اليومية لاحظ التغيرات التي طرأت على نمط اللباس السائد في الشارع طيلة تواجده حتى يومنا هذا، فذكر انتشار موضة "الشارلستون" و"الميني جوب" والفساتين القصيرة وصولاً إلى ارتداء الفتيات للسراويل.

العم محمود الصوالحي يعيل أسرة تتكون من زوجة مريضة وشابين توفي أحدهما في حادث سير، وابنتين إحداهما حصلت على منحة دراسية في جامعة النجاح الوطنية لتفوقها، وكل ذلك رغم توقفه عن العمل أيام المطر في فصل الشتاء.

يغادر العم محمود الشارع مساءً دافعاً أمامه عربته، وما جناه من يوم عمل يتراوح ربحه فيه مابين "25-30 شيكلا"، محمَّلاً بذاكرة كدست برأسه الشواهد التاريخية التي خبرها في الشارع، لكنه كالمحايد يرقب الأحداث ويرويها دون وعي "ربما"، أو دون إدراك لقيمة شهادته.

رجل يقضي وقته بعد العمل بالجلوس في منزله مؤديا للعبادات فقط، ولا يغادره إلا لعمله صباحاً، في رتابة تتناسب وشخصيته المحايدة. رجل اختطف الموت رفاقه واحداً تلو الآخر وأبقاه وحيداً "ما ضل منهم حدا...كلهم ماتوا" كما قال بحسرة، وتبدت على أطراف عيونه الصامتة دمعة رافقها ضحكة خجولة لصوت مبحوح.

كثيرة هي الأحداث التي يشهدها ويرويها المهمشون لو استُنطقوا، لأفادوا في الكثير من الشهادات الهامة التي لا غني لنا عنها ونحن نحاول توثيق ذاكرتنا الفلسطينية.