تفكك الدول والمجتمعات والمسؤوليات

رضوان السيد

اعتدنا في السنوات الثلاث الأخيرة، وعند النظر في علل تفكك الدول والمجتمعات، على تحميل الولايات المتحدة وروسيا وإيران المسؤوليات، وتأتي بعدهم في الدرجة التنظيمات الإرهابية التي تزعم إقامة دولٍ إسلامية. وإذا كان الداعشيون وأشباههم يصرّحون بإرادة إقامة الإمارات والدول، فإنّ الولايات المتحدة زعمت في السنتين الأوليين لتحرك العام 2011 أنها إنما تريد إحلال الديمقراطية عن طريق الشبان المدنيين. ثم تخلّت عنهم لصالح تنظيمات الإخوان، وهي تزعم منذ سنتين أنها لا تريد شيئًا غير مكافحة «داعش»! وبالفعل، فإنها تحاول في كل مكانٍ ظهر فيه «داعش»، أو أشباهه القُدامى أو الجدد، بناء جبهة محلية مدعومة منها لمكافحته أو مكافحتها. وقد اختارت في العراق وسوريا حكومة العبادي والبيشمركة الكردية، وقوات سوريا الديمقراطية الكردية أيضًا. وهي لا تزال على شكوكها القديمة بالسُنّة، ولذلك لم تقم بأي محاولةٍ جديةٍ لتجنيد شبان سنة لمكافحة الإرهاب، شأن ما فعلته في العامين 2007 و2008 بالعراق. بيد أن سياسات الولايات المتحدة، حتى العسكرية منها، تتأثر كثيرًا بمواقف القوى المحلية والإقليمية. وما أمكن للأتراك والعرب، خلال السنوات الأخيرة، التأثير في السياسات العسكرية والأمنية الأميركية، رغم أنهم حلفاء الولايات المتحدة. وفي المقابل، بدت إدارة أوباما، ومنذ العام 2009، متجهةً لمجاملة إيران، حتى عندما تكون المجاملة تعني تجاهُل التدخلات التفجيرية والإرهابية الإيرانية في لبنان والعراق وسوريا والبحرين! والطريف أنّ أنصار إيران (ومن بينهم القوميون العرب القُدامى) في سوريا وليبيا هم الأشدّ اعتراضًا على التدخلات الخارجية أو الأجنبية في بلدانهم، لكنهم مسرورون جدًا بالتدخل الروسي والآخر الإيراني.. بل والأميركي السرّي! فقد تعالى صُراخ حكومة غرب ليبيا ضد التدخل الفرنسي في الشرق لصالح حفتر. لكننا نعلم الآن، من تقرير لـ«واشنطن بوست»، أنّ قوات النخبة الأميركية موجودة لدى ثوار مصراتة بالغرب، كما هي موجودة لدى عسكر حفتر بالشرق!

هناك تدخل أميركي خفيف إذن، له هدفان: الوجود على الساحة، أو البقاء لمراقبة ما يحدث، والأمر الآخر مكافحة الإرهاب علنًا وسرًا. أما الروس، فإنهم أتوا بعد الأميركيين، ولمعاكسة الولايات المتحدة. كانوا منذ البداية مع القذافي والأسد، وحتى حسني مبارك. لكنهم بعد مشكلات القرم وأوكرانيا، قرروا مواجهة الأطلسي في الشرق الأوسط. لقد نسّقوا مع إسرائيل، وتحالفوا مع إيران، وهجموا لسحْق خصوم الأسد، دون أن يتجاهلوا إمكان استمرار الإفادة من الأتراك والعرب. وحجة الروس المعلنة الحفاظ على «الشرعية»، أما هدفهم الحقيقي فهو استعادة سمعة ونفوذ الدولة العظمى، دونما قدرةٍ على الإفادة من ذلك إلاّ في ظروف الحروب وشراء الأسلحة! لكنْ كما أن «عيوب» التدخل الأميركي بدت ظاهرةً للعيان لأنه حدث متأخرًا جدًا، وهو غير فعال، فإنّ عيوب التدخل الروسي ظهرت للعيان لأن جانبه العسكري بدا هائلاً وقاتلاً للمدنيين وحسْب، وجانبه السياسي غير مقْنع، لأن شرعية الأسد وأصدقائه هي مثل قبض الريح!

ويحتاج التدخل الإيراني إلى فصلٍ مستقلٍ بالفعل. وذلك لأنه معلَن وعقائدي وهدفه التفكيك الاجتماعي والسياسي والديني، والتهجير والقتل والتغيير السكاني. ما يفعله الإيرانيون وأنصارهم في سوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين والكويت، يشبه ما حدث بين الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي في تسعينات القرن الماضي، من حيث كثافة التهجير والقتل. إنما الفرق أنه من طرفٍ واحد، فالإيرانيون والميليشيات التي جندوها في كل مكان هي التي تقاتل العرب السنة، وتقتلهم، وتهجّرهم بالملايين. لكنْ من أين ستأتي بملايين شيعية للإحلال محلَّهم، وكيف ستتمكن من ذلك؟! إنّ الراجح أنّ المقصود القريب هو الإضعاف والتقسيم للمجتمعات والدول بعد التفكيك والتهجير.

إنّ هذا التفكيك الحالي للشعوب والدول بالقتل والتهجير، وفي سوريا والعراق بالذات، تقع المسؤولية الأولى فيه على عاتق الأنظمة المحلية، مثل المالكي والأسد، والذين أصروا على البقاء في السلطة، ولو أدّى عنفهم إلى إبادة شعوبهم. بيد أن إيران تأتي بعد الأنظمة مباشرةً في الإعلان عن هدفها من التدخل والتفكيك: احتلال عواصم أربع دول عربية، أو قتل أهل هذه المدينة أو تلك لأنهم «تكفيريون»، وهذا استحلالٌ للدم باسم الدين والمذهب. أو الإعلان عن نُصرة الأسد لأنه ضد إسرائيل، كأنما الشعب السوري هو مع إسرائيل، وإيران لا تقول كلمة عن تحالف الروس مع إسرائيل ومعها في الوقت نفسِه!

أما التفكيك الآخر القاسي فهو الذي يقوم به الداعشيون والقاعديون وأشباههم، وفي كل مكان، من سوريا والعراق، وإلى اليمن وليبيا، وتونس والجزائر والصومال، وبلدان الساحل والصحراء... فضلاً عن نشر الإرهاب في العالم، منطلقين من أحياء الجاليات الإسلامية، ومتسببين لها بأفدح الأضرار. إنّ أول أسباب نجاح التفكيك الداعشي والقاعدي هو الهشاشة البادية في التقليد الإسلامي منذ عقود، وهو الأمر الذي أسقط الحوائل دون ممارسة العنف استنادًا لعقائد جديدة متطرفة تتخذ من القديم عناوينَ خادعةً لها. والمسؤولية في ذلك على النُخب الدينية والثقافية في مجتمعاتنا خلال العقود الماضية، التي تنهمك الآن في مكافحة الإرهاب، إنما بعد فوات الأوان، وبأساليب ليست دائمًا ملائمة. أما العلةُ الثانية لهذا التفكك والتناثُر والسلاح الأعمى، فهو الطغيان الذي مارسته وتمارسه أنظمة قاتلة، من القذافي إلى الأسدين إلى صدام إلى عسكريين آخرين سادوا ومادوا لعقودٍ وعقود، فما تركوا بابًا إلاّ وسدّوه، ولا أملاً إلاّ وأحبطوه. حتّى إذا بدأت التمردات السلمية على الواقع المهين، فإنّ الإيرانيين والروس، وغير الإيرانيين والروس، تدخلوا لصَون الأوضاع القائمة منذ عقود بالقوة. فدفع ذلك لارتفاع شأن التطرف في مواجهة الطغيان والقتل المذهبي والدولي.

بيد أنّ هذه الهشاشة البادية في الإسلامات المحلية، وما تعرضت له من استثارات، لا ينبغي أن يصرف النظر عن مسؤولية النُخَب السياسية الثورية اليسارية والليبرالية والإسلامية، التي شكّلت المجالس الوطنية والائتلافات في سوريا والعراق وليبيا لتكون تيارات سياسية للحراكات المدنية. وصحيح أنّ الإسلامات المتطرفة هجمت عليها، وكذلك الدوليات والإقليميات. لكنّ الائتلافات ذاتها كانت تغصُّ بالانقسامات والصراعات على السلطة الزائفة وغير الموجودة إلاّ في الأحلام والأوهام. وكأنما لم يكفِ القوى المحلية، مسلحةً وغير مسلحة، الهشاشة التي تُعاني منها، وضيق الأُفُق، وسوء التصرف، فإنّ ائتلافات السياسيين بالخارج العربي والإقليمي والدولي، سعى كلُّ فريقٍ منها لاستتباع مسلحين على الأرض، يمدهم بالمال وبالسلاح من حيث يستطيع أو لا يستطيع، ليزداد نفوذه، وتزداد قوته في الائتلاف الذي ينتمي إليه، استقواءً واعترافًا (!). وهكذا، فقد اجتمعت على الشعوب المسكينة، أو تصدت لقيادتها في عمليات التغيير، قوى محلية قروية أو بلدية، وشخصيات سياسية موجودة بالخارج الإقليمي، ولكلٍ أهدافه القريبة في السطوة والسيطرة.

إنّ مسؤوليات فشل حراكات التغيير تتوزع إذن على عدة أطراف، ومنها الداخلي والخارجي. لكنّ المشكلة الهائلة تبقى في الظواهر والتداعيات التي ستترتب على السنوات الخمس أو الست أو العشر التي مرت وتمر بها الأمة العربية. ويا للعرب!

عن"الشرق الاوسط"