تحركات اميركية في الوقت الضائع لاحداث اختراق في عملية السلام

المحامي راجح ابو عصب

التقى الرئيس عباس يوم السبت الماضي في العاصمة الفرنسية باريس وزير الخارجية الاميركية جون كيري , كما التقى ايضا وزير خارجية فرنسا جان مارك ايروليت .

وذلك بعد ان تأجل هذان اللقاءان جراء وفاة شقيق الرئيس عباس ما حمله على مغادرة باريس للمشاركة في عزاء شقيقه وكان التقى قبل مغادرته باريس الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند .

وقد صرح الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين وامين عام منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر صحفي عقده في باريس ان اجتماع الرئيس عباس مع الوزيرين الفرنسي والاميركي هدف الى ايصال اربع رسائل : اولها : التأكيد على التكامل التام بين الجهود السياسية التي تبذل حاليا , وذلك في اشارته الى المبادرتين المصرية والفرنسية للسلام , وكذلك ما يقوم به الوزير من جهود وتحركات في هذا المجال , ولا يحاول اي من الجانبين اقصاء الجانب الاخر في تحركاته لتحقيق السلام .

واما الرسالة الثانية التي اكدها عريقات فتمثلت في ان الولايات المتحدة ما زالت ماضية في جهودها لتحقيق السلام رغم قرب انتهاء ولاية الرئيس اوباما وفي هذا المجال فان عريقات قال : ان كيري اوضح بجلاء انه والرئيس اوباما يسعيان وبكل جهد ممكن لاحياء عملية السلام والتأكيد على التمسك بخيار حل الدولتين : دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل .

وفي هذا المجال فان المتحدث باسم الخارجية الاميركية قال : ان محادثات كيري والرئيس عباس تركزت على سبل تهيئة الظروف اللازمة لدفع جهود التوصل الى تحقيق رؤية حل الدولتين , واكد ان القضية الفلسطينية لا تزال من اولويات الوزير كيري واشار الى ان كيري ظل منذ توليه حقيبة الخارجية يبذل جهودا حقيقية من اجل دفع المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية .

واضاف كيري قائلا : انه لا تزال هناك امكانية قائمة لتمهيد الطريق امام التوصل الى حل الدولتين , والا لم يفكر كيري في الذهاب الى باريس والاجتماع بالرئيس عباس او اذا لم يقتصر انه لا تزال هناك فرصة لتحقيق تقدم حقيقي في الوصول الى حل الدولتين .

واما الرسالة الثالثة , فقال د. عريقات : فكانت حول المؤتمر الدولي للسلام , حيث طالب الرئيس عباس الوزيرين الاميركي والفرنسي تحديد سقف زمني لمفاوضات السلام .

كما اصر الرئيس عباس خلال لقائه الوزيرين على المطالبة بجدول زمني لتنفيذ الاتفاقيات التي قد يتم التوصل اليها مع الحاجة الى كيان دولي للاشراف على التنفيذ والزام الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي القيام بذلك .

ومعلوم ان القيادة الفلسطينية اوفت بكل ما التزمت به في كافة الاتفاقات والتفاهمات , بدءا من اتفاق اوسلو , ولكن الجانب الاسرائيلي كان يتنصل من كل ما التزم به من خلال ايجاد ذرائع وهمية ومطالبات تعجيزية من الجانب الفلسطيني تمس بالثوابت الفلسطينية والخطوط الفلسطينية الحمراء , من ذلك رفضت اسرائيل وقف الاستيطان او حتى تجميده , والاصرار على مواصلته وكذلك اصرارها على اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية الدولة العبرية , وهذا ما ترفضه القيادة الفلسطينية بشكل كامل , لانه يقضي نهائيا على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة .

كما ان اسرائيل ترفض الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وتصر على قرارها المعلن بضمها الى القدس الغربية بادعاء انها العاصمة الابدية الموحدة لاسرائيل , علما ان الرئيس عباس يؤكد باستمرار انه لن يوقع اي اتفاق سلام مع اسرائيل لا يعتبر القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية , وكذلك فان العالم كله لم يعترف بضم اسرائيل للقدس الشرقية بما فيه الولايات المتحدة التي ترفض نقل سفارتها من تل ابيب الى القدس ما عدا عدة دول لا يسمع بها العالم وهي قليلة جدا فقط اعترفت بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل .

ومن بين الشروط التعجيزية الاخرى التي تضعها اسرائيل للتهرب من التوصل الى اتفاق سلام عادل وشامل , اصرارها على الاحتفاظ بمنطقة الاغوار التي تشكل قريبا ربع مساحة الضفة الغربية وكذلك اصرارها على السيطرة على المعابر والحدود بين الدولة الفلسطينية والمملكة الاردنية الهاشمية وكذلك بذريعة الاسباب الامنية وفي سعيها لدحض تلك الاسباب والذرائع فان القيادة الفلسطينية اقترحت وجود قوات دولية على تلك الحدود .

كما ان اسرائيل ترفض الاعتراف بحدود الرابع من حزيران عام 1967 كحدود للدولة الفلسطينية وتصر على ابقاء المستوطنات في الضفة الغربية تحت سيطرتها علما ان تلك المستوطنات تجعل التواصل بين المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية امرا مستحيلا اذ انها حولت الضفة الغربية الى معازل " كانتونات " .

واما الرسالة الرابعة التي اوصلها الرئيس عباس الى الوزيرين الاميركي والفرنسي خلال اللقاء وفق ما ذكره الدكتور صائب عريقات فهي رفض الجانب الفلسطيني ادخال اي تعديلات على مبادرة السلام العربية التي طرحتها قمة بيروت العربية عام 2002 .

وهذا الرفض ايضا اكدته القمة العربية الاخيرة في العاصمة الموريتانية نواكشوط . ذلك ان اسرائيل تسعى الى تغيير المبادرة وافراغها من مضمونها من خلال مطالبتها اقامة علاقات مع الدول العربية قبل توقيع اتفاق السلام مع الجانب الفلسطيني , وقبل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة .

وعلى هامش لقاء الوزيرين الاميركي والفرنسي مع الرئيس عباس , فانهما عقدا يوم السبت الماضي اجتماعا في وزارة الخارجية الفرنسية , بحثا خلاله الملف الفلسطيني , والمساعي الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام قبل نهاية العام الجاري , وذكرت مصادر فرنسية ان اجتماعا تحضيريا سيعقد على هامش اعمال الامم المتحدة في نيويورك في شهر ايلول القادم ؟ وذلك لتقييم ما انجز على صعيد الاعداد لذلك المؤتمر .

وفي ذات السياق فان ممثل السلطة الفلسطينية في باريس ذكر ان الوزير كيري ابلغ الرئيس عباس خلال لقائهما , دعم الولايات المتحدة لمبادرة السلام الفرنسية والواقع ان الموقف الاميركي من هذه المبادرة ملتبس وغير واضح . ذلك ان الولايات المتحدة اعلنت اكثر من مرة رفضها لهذه المبادرة متبنية الموقف الاسرائيلي بالكامل الذي يرفض هذه المبادرة كلية وقد اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي اكثر من مرة رفضه للمبادرة الفرنسية , وشدد على موقفه المكرر والمعلن بدعوة الجانب الفلسطيني الى مفاوضات مباشرة , دون وساطات اجنبية وذلك تهربا من وفاء اسرائيل بالتزاماتها تجاه عملية السلام اذ انه يتخذ من تلك المفاوضات غاية بحد ذاتها وليس وسيلة لانجاز سلام حقيقي , حيث انه يتخذ من تلك المفاوضات سبيلا للمضي في سياساته الاستيطانية التوسعية وللاستمرار في سياسة فرض الامر الواقع , وخلق حقائق جديدة في الاراضي الفلسطينية تجعل من اقامة الدولة الفلسطينية امرا مستحيلا .

وقد كان نتنياهو افشل مفاوضات الاشهر التسعة التي اقترحها الرئيس الاميركي باراك اوباما ووزير خارجيته جون كيري , والتي استجاب لها الجانب الفلسطيني في اشارة الى صدق نواياه نحو تحقيق السلام وانسجاما مع موقفه باعتبار السلام خيارا استراتيجيا .

وقد باءت مفاوضات الاشهر التسعة والتي بدأت في اواخر شهر تموز من عام 2013 وانتهت وفي شهر نيسان من عام 2014 وذلك جراء التعنت الاسرائيلي .

وكان السبب المباشر لانسحاب الجانب الفلسطيني من تلك المفاوضات تراجع اسرائيل عن اطلاق الدفعة الرابعة من الاسرى القدامى والذي كان مقررا في اواخر شهر اذار من عام 2014 . وقد اشترطت القيادة العودة الى المفاوضات بوقف الاستيطان , والاعتراف بخطوط الرابع من حزيران عام 1967 اساسا للتفاوض ومنذ ذلك الوقت ما زالت المفاوضات المباشرة وغير المباشرة متوقفة .

وردا على لقاءات الرئيس عباس الاخيرة في العاصمة الفرنسية وسعيه الى تحريك عملية السلام واعادة روح الحياة اليها , فان رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو ما زال يمارس سياساته القديمة في اختلاق الذرائع للتهرب من مبادرات السلام , من ذلك ما اعلنه اخيرا , يوم الاحد الماضي خلال اتصال هاتفي مع الوزير كيري انه يفضل مبادرة الرئيس المصري من اشراك دول بعيدة عن المنطقة في العملية السلمية , وانه يجب اشراك دول المنطقة التي تبدي اهتماما بذلك واضاف انه يرغب في عملية تقوم فيها دولة المنطقة بدفع عملية التطبيع مع اسرائيل والمفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين .

وبذلك فان نتنياهو يتهرب من مفاوضات باشراف دولي تؤدي الى تحقيق السلام الى مطالبة الدولة العربية بتطبيع علاقاتها مع اسرائيل , وبدعوة الفلسطينيين الى مفاوضات عبثية مع اسرائيل مفاوضات من اجل المفاوضات وكسب الوقت اسرائيليا للاستمرار في السياسات التوسعية الاستيطانية .

والواقع ان تحركات الولايات المتحدة الاخيرة في اطار تحريك عملية السلام , انما تأتي في الوقت الضائع واذا كانت ادارة اوباما لم تسع جديا لتحقيق السلام خلال سبع سنوات ونصف من ولايتي الرئيس اوباما الاولى والثانية , فهل يستطيع ذلك خلال اقل من نصف عام متبق على رئاسة اوباما للولايات المتحدة ؟ ام ان ما يقوم به من تحركات وما يدلي به من تصريحات انما هو مجرد تمضية للوقت المتبقي لهذه الادارة الاميركية .

والحقيقة المؤكدة ان اوباما سينهي رئاسته دون تحقيق انجاز يذكر له فيما يخص قضية السلام في الشرق الاوسط , ولم يف بوعده الذي قطعه للشعب الفلسطيني والامة العربية في خطابه الذي القاه في جامعة القاهرة في شهر تموز من عام 2009 والذي قال فيه حرفيا : لا يمكن نفي ان الشعب الفلسطيني : مسلمين ومسيحيين , قد عانوا في سعيهم الى اقامة وطن خاص بهم , وقد تحمل الفلسطينيون الام النزوح على مدى اكثر من ستين سنة .

حيث ينتظر العديد منهم في الضفة الغربية وغزة والبلدان المجاورة لكي يعيشوا حياة يسودها السلام والامن , وهذه الحياة لم يستطيعوا عيشها حتى الان .... ولا شك ان وضع الفلسطينيين لا يطاق , ولن تدير الولايات المتحدة ظهرها للتطلعات المشروعة للفلسطينيين وهي تطلعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصة بهم .... ان السبيل الوحيد للتوصل الى تحقيق طموحات الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني يكون من خلال دولتين يستطيع فيها الاسرائيليون والفلسطينيون ان يعيشوا بسلام , وهذا السبيل يخدم مصلحة اسرائيل ومصلحة فلسطين ومصلحة اميركا ولذلك سوف اسعى شخصيا للوصول الى هذه النتيجة .

وها هو اوباما يودع قريبا البيت الابيض دون الوفاء بوعده للشعب الفلسطيني ورغم ذلك فان هذا الشعب سيواصل سعيه لاقامة دولته المستقلة من خلال الوسائل السلمية ولن يستسلم ولن ييأس , والله الموفق