التوجيهي بين النظام الجديد والتغيير المطلوب

فيصل قدسي

قامت وزارة التربية والتعليم مشكورة بنشر بعض التوضيحات لنظام التوجيهي الجديد في محاولة لسبر أغواره ، وقد أزالت بذلك بعض الشكوك وبعض الغموض ، ولكنها اي الوزارة لم تستطع تدوير جميع الزوايا الحادة في هذا المقترح الجديد ومن النقاط التي قامت الوزارة مشكورة بتوضيحها قضية الامتحان المحوسب والذي يعني أخذ الامتحان من بنك اسئلة مختارة من قبل الحاسوب على ان يكون الامتحان في النهاية ورقيا كما هو الحال الان ، مع ان هذا الاجراء نفسه ليس سهلا بحيث يتم اختيار اختبارات مختلفة لها نفس درجة الصعوبة لكل موضوع ، ورغم ذلك لا زال هناك العديد من الثغرات ، والكثير من الغموض وعدا عن ذلك كتب العديد من المهتمين والمسؤولين منتقدين أو مستوضحين أو مدافعين عن النظام الجديد.

وفي هذا المقام تقول وزارة التربية على لسان مسؤوليها أن هذا النظام لم يات وليد الصدفة بل أخذ وقتا كافيا من الدراسة والتمحيص والبحث ، ولكنها لم تحدد مدة هذا البحث والدراسة الا انني اعتقد انه لا يتجاوز أشهرا قليلة وان عدد الافراد الذين قاموا بهذه الدراسة لا يتجاوز اصابع اليد والدليل على ذلك هو ان الوزارة نفسها وضعت نظاما مقترحا ( مختلفا عن النظام الحالي ) في العام 2013 لوضعه موضع التنفيذ عام 2014 ثم ما لبثت ان الغته في اخر لحظة ، كما أنني خلال زيارتي للوزارة ومكاتب التربية ولقاءاتي الكثيرة مع غير مسؤول على إختلاف درجاتهم في وزارة التربية وحتى قبل عدة أشهر والذين اجمعوا انهم لا يعلمون شيئا عن هذا المقترح وقالوا حرفيا " ليس المسؤول بأعلم من السائل" ، وأظن أن وزارة التعليم تعلم ان اي تغيير بسيط في مجالات التربية والتعليم يحتاج سنوات فما بالك في تغيير جذري في التوجيهي الذي قد يحتاج الى التدرج والدارسة ربما لأكثر من عشر سنوات فهل هذا ما قامت به الوزارة بالفعل ، ولقد اضطلعت بحكم عملي في المناهج الدولية مثل البكالوريا التي تقوم بتعديلات طفيفة على اختباراتها بشكل دوري كل خمس سنوات بحيث يستغرق كل تغيير خمس سنوات للدراسة والاعداد وامتصاص ردود الفعل تليها خمس سنوات من التطبيق يتم خلالها وضع التغيير المأمول للدورة التالية وهكذا.

أما أن هذا المقترح الجديد يساعد على الابتكار والتفكير والابداع وغيرها من الكلمات والشعارات البراقة باعتماده ملف الانجاز ، فلم تشرح لنا الوزارة اية آلية لتطبيق او الكيفية لذلك ،اذا كان هذا الملف لا يدخل ضمن معدل الطالب في التوجيهي وليس له وزن مادي في علامات الطالب وكيف ستفرض الوزارة على الجامعات أخذ ملف الانجاز بالحسبان أو الاعتبار للقبول الجامعي ، وأغلب الظن ان الوزارة حاولت تقليد اختبار البكالوريا الدولية الذي يعتمد ما يعرف التقييم الداخلي internal assessment لكل مادة ويعطيها نسبة من العلامة النهائية كما يعتمد ويتطلب كتابة المقالة المطولة extended essay في موضوع واحد كما ويشترط النجاح في نظرية المعرفة theory of knowledge والتي بدورها تساهم في تنمية التفكير التحليلي والناقد والعمل الخلاق .

وعدا عن ذلك فان تقسيم المواد الى اجبارية وأساسية في كل فرع كما هو مقترح في النظام الجديد وإن قصدت به الوزارة المرونة الا ان فيه خللا بنيويا واكاديميا وتربويا فمثلا اذا قرر الطالب عدم احتساب الكيمياء والاحياء في معدله واكتفى بالنجاح فيها فقد يواجه صعوبة كبيرة اذا أراد دراسة الطب وربما واجه خطورة عدم القبول بسبب تدني علامات الاحياء والكيمياء ، وينطبق الشيء ذاته في الفروع الاخرى.

علاوة على ذلك فإن القول ان من فلسفة هذا المقترح تخفيف درجة القلق والاضطراب والخوف والتوتر التي تواكب امتحان التوجيهي بوضعه الحالي ، الا انني مع شديد الاحترام لا أرى ذلك في المقترح الجديد فالاختبار هو الاختبار ، والقلق هو ذاته ، لا بل بدل ان يكون مرة واحدة في شهر حزيران اصبح مضاعفا وعلى مرحلتين في شهر حزيران وآب بمعنى أن كل العطلة الصيفية ستكون أيام قلق واضطراب وخوف لكل القرى والمدن والمخيمات والمجتمع بشكل عام .

والى وزارة التعليم نقول ان لنا في تجربة الاردن الناجحة خير دليل فقد عاد امتحان التوجيهي في الاردن الى مصداقيته وهيبته منذ استلم الوزير الحالي حقيبة التعليم ، ولم يعمل هذا الوزير تغييرا جذريا او بسيطا في اختبار التوجيهي من حيث الشكل او المضمون ولم يسع الى شعبية ، ولكنه عمل بصمت ودون ضجة لترشيد العلامات واعادتها الى طبيعتها في ثمانينات القرن الماضي كي يحافظ على مصداقية وقيمة علامة التوجيهي ، نعم لقد جاءت نسبة النجاح للفرع العلمي في الاردن هذا العام أكثر من الخمسين بالمئة بقليل وكانت نسبة النجاح في الفرع الادبي 18 بالمئة فقط ، وما يقال عن نسب النجاح هذه ينسحب على المعدلات وترشيدها حيث عدد الحاصلين على معدل فوق 90 بالمئة في الفرع الادبي يعد على أصابع اليد ، هذا هو التغيير الذي نريد ، ترشيد علامات التوجيهي واعادتها الى وضعها الطبيعي وتخفيض التضخم الكبير في العلامات ، فلا يجوز ان يكون لدينا الاف الطلبة فوق 97 بالمئة ، وللاسف يدخلون الجامعة وبالكاد يحصل البعض منهم على علامة النجاح

نعم نريد وزارة تعليم شجاعة لا تبحث عن الشعبية ، ولا تعمل فقط لارضاء الطلبة واولياء الامور بالعلامات العالية ، بل تعطي الطالب العلامة التي يستحقها بجدارة ، وهذا الامر ممكن عند وضع الاسئلة التي يجب ان يكون فيها نوعية خاصة من الاسئلة التي تتطلب مهارات التفكير العليا وهي مخصصة لنسبة لا تتعدى الواحد بالالف .

نرجو من الوزارة النظر في هذا الامر وتأجيل امر التوجيهي والتغيير الجذري لسنة او اثنتين وإعطائه المزيد من الوقت من الدراسة والتمحيص ، فقد أبدى العديد من المختصين تحفظات عديدة يجدر دراستها والاجابة عليها ووضع الحلول لها قبل وضع المقترح موضع التنفيذ.