عودة الى العدوان الأخير على غزة

بقلم : عادل شديد

الخبير في الشؤون الإسرائيلية

رغم مرور عامين على العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة ، الذي شنته إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو على القطاع في الثامن من تموز للعام (2014) وحتى السادس والعشرين من شهر اب ، والذي أطلقت إسرائيل عليه عملية الجرف الصامد ، فيما أطلقت عليه كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس معركة العصف المأكول ، بينما أطلقت عليه سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بمعركة البنيان المرصوص ، إلا ان تداعياته وأثاره لم تنته بعد ، سواء على مجمل الحياة في قطاع غزة الذي لا زال تحت الحصار وما زالت عملية إعادة الإعمار تسير ببطء ، حيث ادى ذلك العدوان البربري الهمجي والذي استمر لأكثر من واحد وخمسين يوما الى استشهاد اكثر من( 2200 )فلسطيني وإصابة الالاف من بينهم مئات الأطفال والنساء والشيوخ ، وتدمير واسع للبنية التحتية في قطاع غزة . وفي الجانب الاسرائيلي ادى العدوان الى مقتل حوالي (72) إسرائيليا وإصابة المئات ، معظمهم من الجنود أثناء عمليات القتال ، كما تم اسر جنديين إسرائيليين لا زال مصيرهما مجهولا ، ان كانوا على قيد الحياة ام لا ، واستهداف للكثير من التجمعات والمراكز والمنشآت الاسرائيلية الحساسة وبالتحديد استهداف مطار بن غوريون الدولي بصواريخ المقاومة الفلسطينية مما ادى الى أغلاقه ليومين خشية اسقاط طائرات مدنية اثناء هبوطها او اقلاعها من والى المطار ، الامر الذي تم اعتبارها اسرائيليا بأكثر التحديات التي واجهتها اسرائيل في العقود الاخيرة من المواجهة الاسرائيلية مع القوى العربية عموما والفلسطينية على وجه التحديد .

بعكس الحروب التي شنتها إسرائيل سابقا على الدول العربية وعلى الفصائل الفلسطينية ، والتي كانت تبدو وكأنها متماسكة ومنسجمة مع ذاتها ومع مجتمعها وذلك للحفاظ على تماسك المجتمع ورفعا لمعنويات جنودها ، فقد برزت نقاشات وسجالات كثيرة بين اطراف الحكومة الاسرائيلية اثناء الحرب ، حيث بدا واضحا وجود انقسام بين اعضاء المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر الذي كان يتابع ويدير مجريات الحرب اولا بأول ، كما برزت ايضا اختلافات كبيرة بين الأجهزة الأمنية الاسرائيلية حول العديد من القضايا المتصلة بالحرب والاستعداد لها ومجرياتها وخاصة ما بين جهاز المخابرات العامة الشاباك وما بين الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الاسرائيلي حول كيفية الاستعدادات والخطط الرامية لمواجهة الانفاق التي حفرتها فصائل المقاومة الفلسطينية استعدادا لأية مواجهة قادمة ، حيث ادعى الشاباك ان الجيش واذرعه المختلفة لم تتعاط بالجدية المطلوبة مع تحذيراته حول المخاطر التي ستشكلها الانفاق على الجيش وعلى المستوطنات الاسرائيلية المحيطة بقطاع غزة ، وفي نفس السياق ادعى عدد من اعضاء المجلس الوزاري المصغر للحكومة الاسرائيلية بحينه وخاصة افيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت بان رئيس الحكومة ووزير الدفاع بحينه موشي يعلون ورئيس اركان الجيش الاسرائيلي بيني غانتس تعمدوا ادارة الحرب بمفردهم ودون اطلاع باقي الأعضاء على ما يجري في ساحة المعركة ، وان رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان قد اخفوا الكثير من المعلومات والمعطيات عما يجري عنهم ، وخاصة قضية الأنفاق وقضايا اخرى ومن ضمنها قيام عدد من أعضاء وحدات الكوماندوز البحري التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام باقتحام عدد من القواعد العسكرية وبالتحديد قاعدة زيكيم .

ادى الى إطالة امد المواجهة واستمرار تعرض التجمعات الاسرائيلية لسقوط صواريخ المقاومة واستمرار عمل الأنفاق لزيادة حدة الانتقادات الاسرائيلية اتجاه الحكومة والجيش وخاصة اتجاه رئيسها بنيامين نتنياهو والذي وصلت ذروته قبل ايام عندما تعرض نتنياهو لهجوم كبير ولاذع من قبل اهالي الجنود القتلى والمصابين والأسرى ، حيث جرى ذلك أثناء إلقاء نتنياهو كلمة في احتفال تأبيني للجنود الذين قتلوا في تلك الحرب ، حيث حمله الكثيرين مسؤولية مقتل اولادهم ، فيما قال والد احد الجنود المأسورين لدى حركة حماس لنتنياهو انه لو كان الجندي المأسور ابن نتنياهو لما بقي في الاسر حتى يومنا هذا . وقد تزامنت تصاعد الانتقادات مع الحديث حول تقرير ما يسمى بمراقب الدولة عن تلك الحرب والذي وصفه الكثيرون ممن اضطلعوا على مضمونه بأنه قد يشكل قنبلة موقوتة ضد نتنياهو ووزير جيشه ورئيس اركانه لما تضمن من اخفاقات كبيرة لهم سواء اكانت في الاستعداد للحرب او ادارتها ، حتى ان بعض المتابعين والمحللين العسكريين قد وصفوه بأنه اخطر بكثير من تقرير لجنة فينوغراد الذي حقق بإخفاقات الجيش الاسرائيلي والحكومة في حرب تموز من العام (2006) والذي اعترف بالكثير من مظاهر الاخفاق والفشل للمستويين السياسي والعسكري في حينه ، حيث ادى تسريب محتويات تقرير مراقب الدولة الى مواجهة حامية ما بين نتنياهو والمقربين منه من جهة وما بين مراقب الدولة من جهة اخرى ، ففي الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو رفض ما جاء في التقرير واتهام مراقب الدولة بأنه يعرض امن اسرائيل للخطر والذي يكشف ان اسرائيل لم تكن جاهزة نهائيا للحرب سواء بقدرة الجبهة الداخلية الاسرائيلية على مواجهة وتحمل شهرين من سقوط الصواريخ ولا من حيث القدرة على مواجهة الانفاق واختراق خطوطها من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ، فيما برزت اصوات كثيرة في المجتمع اليهودي تطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية وحيادية للتحقيق في الاخفاقات التي كشفها التقرير .

مرور عامين على الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة لم ينه تداعياتها وأثارها على اسرائيل وما يسمى هيبة ردعها الذي تدعيه اسرائيل منذ نهاية الحرب وزاعمة بان الهدوء الحالي مع قطاع غزة كنتيجة الردع الذي حققته تلك الحرب ، ومع ان بعض الابواق العربية تحاول ليل نهار تصوير ما حدث بأنه هزيمة لفصائل المقاومة الفلسطينية وانتصار اسرائيلي مستغلة العدد الكبير من الشهداء والجرحى الفلسطينيين الذين سقطوا في العدوان ، إلا ان التقرير يكشف ان اسرائيل ذهبت لحرب دون الاستعداد لها ودون معرفة دقيقة بقدرات فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبدأت الحرب لكنها فشلت من انهائها بعد ايام من اندلاعها ، ولم تتمكن من ابقاء الحرب على الارض الفلسطينية فقط في غزة ، لا بل ان نصف إسرائيل كانت ساحة حرب ايضا ، لذلك بات واضحا ان الحراك الذي تعيشه إسرائيل في الذكرى الثانية لتلك الحرب القاسية والذي يتزامن ايضا مع الذكرى العاشرة لحرب تموز على لبنان ، سيتحول الى فشل كبير ونقطة سوداء في صفحات نتنياهو ويعلون وغانتس رغم ما الحقوه من دمار كبير في قطاع غزة ، لأن إسرائيل لا تأبه كثيرا للدمار في الجانب الفلسطيني بقدر ما يعنيها ان تنتهي الحرب دون خسائر إسرائيلية وهذا ما لم يحصل بشهادتهم هم.