المبادرة الفرنسية والانتخابات المحلية

بقلم: نبيل عمرو

الذين يتابعون السياسة والصحافة من خلال قراءة العناويين فقط، لابد وأن يتساءلوا عن العلاقة ما بين حدث سياسي ذي آفاق عالمية، وبين انتخابات محلية في قرى ومدن فلسطين.

العلاقة تبدو غريبة بعض الشيء، ويمكن استخلاصها ببساطة من اهتمام الناس ومتابعاتهم، فالمبادرة الفرنسية التي تبالغ الطبقة السياسية الفلسطينية في استحضارها بمناسبة وبدون مناسبة، وتكاد تعتبر نقطة الارتكاز الوحيدة في السياسة الخارجية الفلسطينية، لا تجد على الصعيد الشعبي الفلسطيني من ينتبه لها ويتابع اخبارها، فما بالك بانتظار الترياق منها او الرهان عليها.

ولأن الفلسطينيين اكثر واقعية من قياداتهم ، فإنهم ينشغلون الان بالانتخابات المحلية رغم انهم غير متأكدين تماما من انها ستجري في موعدها ، او ان معول التأجيل لن يهدها مثلما جرى في امور اخرى كثيرة على هذا الصعيد ، فالاهتمام الشعبي يصلح مقياساً دقيقاً لجدية الامور ومصداقيتها

ان ترجيح الاهتمام بالانتخابات المحلية على أي شأن سياسي خارجي، لا يعني اطلاقاً عدم الاكتراث الشعبي بأي تطور على اي مستوى يتصل بالقضية الفلسطينية، فالفلسطينيون مجبولون بالسياسة منذ بداية قضيتهم الى ان تحل، وحين يرون مبالغة في الحديث عن مبادرة ما فلا ينقصهم الحس السليم كي يعرفوا حدود المبادرات وقدراتها على تحقيق ما لم يتحقق من قبل .

واذا كان الفلسطينيون يكنون لفرنسا قدرا مميزا من الاحترام، منذ عهد ديغول الى عهد اولاند، وتجاوزوا بوعيهم كل المبادرات الفرنسية الهامة تجاه اسرائيل، مسجلين للدولة الاوروبية الكبرى مواقف لمصلحة العدالة الفلسطينية، ومثمنين عالياً كذلك طرحهم للموضوع الفلسطيني الان، في زمن كادت القضية المركزية ان تنسى ، الا ان وعيهم الجمعي المصقول بالتجربة، يدرك حدود القدرة والرهان، ذلك ان فرنسا المتميزة عن غيرها مضطرة في الشأن الفلسطيني الى الدخول في سباق حواجز يقطع الانفاس.

الحاجز الاول ، هو الفتور الاوروبي في تبني المبادرة والانخراط الكامل فيها، فاوروبا باركت المسعى ولا تملك غير ذلك، ما يمكن اعتباره مجاملة لشقيقتهم الكبرى، المنكوبة اكثر من غيرها بالارهاب الدموي.

الحاجز الثاني، هو الثابت الامريكي، على معادلة لم تتغير حتى الان قوامها ان دور اوروبا في الملف الفلسطيني الاسرائيلي ينبغي ان لا يتجاوز حدود التمويل المالي والتصويت المعنوي ولا أكثر من ذلك .

الحاجز الثالث هو اسرائيل، التي تكره مبدئيا ومن كل النواحي أي موقف امريكي او اوروبي يتضمن بعض الالتزام ببعض الحقوق الفلسطينية، وفق منطقها الثابت بتأمين استفرادها المطلق بالفلسطينيين سواء على ارض المواجهة الساخنة او المجال السياسي والتفاوضي الاوسع .

الفلسطينيون لا ينقصهم الذكاء لمعرفة ذلك كله ، ولهذا يشكرون ولا يراهنون ، ومعهم كل الحق في ذلك،

اما الاهتمام بالانتخابات المحلية فهو عنوان الاهتمام بحياتهم اليومية ومتطلبات قراهم ومدنهم، وهذا ليس انصرافا عن الشأن السياسي بل هو الاولوية الوطنية والسياسية بامتياز، ذلك ان المجالس المحلية هي اهم اركان الجبهة الداخلية ، فهي وطنيا تلتزم بالافق السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية ، وحين توفر المجالس للمواطنين مناخ عيش افضل وارقى، فهي بذلك توفر للقضية الوطنية وللصمود الشعبي اهم احتياجاته ومرتكزاته.

ثم ان الانتخابات المحلية مثل سائر الانتخابات القطاعية ، ،تذكر الفلسطينيين بديموقراطيتهم المنسية على المستويات الاخرى ، فهنالك رهان على ان الانتخابات المحلية ربما تقود الى انتخابات عامة تشريعية ورئاسية، ما يعيد القطار الجامح بعيدا الى قضبانه التي تقوده الى المحطة المنشودة.

لا احد يتعاطى السياسة بمنطق عملي ينكر اهمية الحركة على الصعيد الاقليمي والدولي، الا ان ما يعطي هذه الحركة فاعلية ومصداقية، هو ذلك التوازن بين المحلي والخارجي وفي حالتنا ما يزال التوازن مفقودا.