هل انهزم الغرب فكريا أمام حضارتنا ؟

بقلم: عطية الجبارين

سؤال عنوان هذه المقالة يرتبط ارتباطا عضويا بفكرة صراع الحضارات ، وسؤال يثير السخط عند أولئك الذين انبهروا بالمدنية الغربية ، وفي نفس الوقت يثير حالة من التعجب والاستغراب عند أولئك الذين خلطوا بين الحضارة والمدنية وبين العلم والثقافة أي أولئك الذين أُشكلت عليهم الأمور الفكرية ووجهة النظر في الحياة مع التطور النتاج عن التقدم العلمي والصناعي ، وأخيرا هذا السؤال يثير حالة من السخرية والاستهزاء عند اولئك الذين غشيتهم حالة الانهزام أمام الحضارة الغربية وموازين القوى الدولية وحال عالمنا الغارق في التردي والضياع والنزاعات والانهيار . رغم هذه الحالات المُعبرة عن واقع وحال فئات متواجدة في المجتمع إلا إن هذا السؤال بحاجة لإجابة دقيقة بعيدة عن حالة الحكم المسبق المتأثر من حالتنا السياسية والاقتصادية التي هوت إلى قعر سحيق ، لا سيما إذا كانت الإجابة على السؤال بنعم .

ان الصراع الفكري والثقافي أو صراع الحضارات بين البشر هو صراع موجود منذ القِدم وليس وليد أطروحة المفكر الغربي صموئيل هنتنغتون

الذين يعتبرون أن الغرب نجح فكريا في بلادنا نظرا لتفوقه العسكري والتكنولوجي والصناعي ونظرا لتحكمه سياسيا في بلادنا وتبعية حكامنا المطلقة له ونظرا لحالة التشرذم التي تغمر حياتنا اخطأوا في ذلك وذلك لأن النجاح الفكري شيء والنجاح المادي شيء آخر ، والأهم في ذلك الناحية الفكرية فإذا حافظت الأمة على تراثها الثقافي والفكري فأنها ستنهض من كبوتها وتتخلص من الضعف العسكري والسياسي الذي أصابها ، أما إذا انهزمت الأمة فكريا وحملت أفكار الأمم الأخرى فإنها ضاعت وتحطمت ولو كانت تملك القوة المادية والعسكرية والاقتصادية ، فمكانة أي امة بين الأمم هو بصحة أفكارها ومقدار محافظتها على استقلالية هذه الأفكار وعدم خلطها مع غيرها من أفكار الأمم الأخرى . وعودة إلى السؤال الذي نحن بصدد الحديث عنه والإجابة عليه ، الجواب ، نعم ، لقد انهزم الغرب فكريا أمام حضارتنا وأفكارنا وثقافتنا ، ونستطيع أن نقول انه فشل فشلا ذريعا في معركة الأفكار مع الأمة الإسلامية رغم ما يمتلك من قوة ووسائل وأساليب ورغم اننا محور حملاته وغزواته الفكرية والثقافية وليس له ندا في القوة المادية والتطور أي اننا لسنا في معركة متكافئة ماديا وسياسيا فبرغم الفارق بيننا وبينه إلا اننا نستطيع أن نقول انه انهزم وفشل في هذه المعركة . وحتى تكون الإجابة مُقنعة كان لا بد من أدلة تبرهن على صحتها وتنفذ لعقل القارئ والمتابع ، وفي هذا الصدد اسرد بعض الأمور وأسوق بعض الأدلة التي أرى انها براهين على صحة هذا الرأي ، وقد يزيد غيري عليها . 1- تغليف الغرب أفكاره في حملها لنا بأفكار الإسلام ، من المعروف بين البشر وعلى مر العصور أن الأمم تلتقي في المدنية وتستفيد من بعضها البعض ولكنها تختلف وتتنافر في مسألة الحضارة ( المفاهيم والأفكار ووجهات النظر في الحياة ) وكل امة من الأمم تحمل أفكارها للأمم وتسعى لجعل هذه الأمم والشعوب تعتنق فكرها المبني على وجهة نظرها في الحياة ولا تغلف أفكارها بأفكار الآخرين لأن التغليف يعني الضعف وعدم القدرة على التأثير ، فالغرب يحمل أفكاره وحضارته لنا ويظهرها عن طريق أتباعه وأشياعه انها ليست متناقضة مع أفكار الإسلام فحمل الينا أفكار الديمقراطية والحريات والدولة المدنية .... وقال انها لا تتعارض مع الإسلام وقال أشياعه انها أفكار إسلامية حث عليها الدين الإسلامي وهذا دلالة على فشله في حملته هذه ولو كان في موضع نجاح وثقة بفكره لحمل هذه الأفكار بصفتها جزءا من حضارته كما حمل المسلمون قديما أفكار الإسلام دون تغليفها بأفكار الأمم الأخرى فبرغم هذا التغليف إلا أن الأمة الإسلامية رفضت مثل هذه الأفكار رفضا قاطعا وهذا دلالة على فشل الغرب وانهزامه في معركة الأفكار مع الأمة الإسلامية. 2- استخدامه القوة العسكرية المفرطة ضد المسلمين ، وهذا الاستخدام دلالة على فشله الفكري فلو تقبلت الأمة أفكاره وحضارته ما احتاج للقوة العسكرية لكن مقاومة الأمة لحملاته وغزواته الفكرية ورفضها لمشاريعه وطريقة عيشه دفعه لاستخدام القوة ضدها وذلك لإرغامها على القبول بمفاهيمه وأفكاره . 3- إقبال بشكل لافت من الشعوب الغربية على اعتناق الإسلام وهجرها لنظام وطريقة عيش الغرب ، أي إن الأمور كانت بطريقة معكوسة فالأمة الإسلامية لم تعتنق أفكار الغرب خلال الحملة الغربية عليها لكن خلال ذلك كان هناك توجه كبير من الغربيين اتجاه الإسلام وهذا دليل على انهزام الغرب فكريا في معركة صراعه مع أفكار الأمة . 4- ظهور بوادر صحوة فكرية في الأمة وأصبحت الأمة ترى أن طريق عزتها ونهضتها يكمن في جعل حضارتها هي السائدة والموجهة لنظام حياتها وإيمانها بأن هذه النهضة تحتم عليها رفض كل ما كان أساسه حضارة الغرب وهذا مؤشر قوي على فشل الغرب في غزوه الثقافي للعالم الإسلامي . فالحقيقة تقول إن الغرب فشل في تحميل الأمة ثقافته وفكره رغم شراسة حملات الغزو الثقافي التي قام بها على بلادنا وانهزم في معركة صراعه مع أفكارنا ومفاهيمنا ووجود نفر من أبناء المسلمين اتبع هذه الأفكار وروج لها لا يدلل على نجاحه لأن العبرة بمجموع الأمة وجمهرتها فهؤلاء النفر هم فئة ضئيلة لا تمثل الأمة بأي شكل من الأشكال ولا تعبر عن طموحاتها وتطلعاتها فواقع الأمة أنها أبت أن تجعل من أفكار الغرب بديلا لأفكارها ، بل نرى الأمة تُّحمل كل مآسيها للغرب وتعتبره المسؤول عن كل مشاكلها فهي ترفضه وترفض وجهة نظره في الحياة وترفض كافة مشاريعه وتتوق للحظة الخلاص منه وممن نصّبهم حكاما عليها . فالنجاح الفكري لا يكون بإكراه الناس على القبول بهذه الأفكار بل يكون بتقبل الناس لهذه الأفكار عن قناعة كما حمل المسلمون على مر العصور أفكارهم ومفاهيمهم للأمم الأخرى والتي أقبلت على اخذ هذه الأفكار بقناعة واطمئنان لا كما تعمل الدول الغربية الاستعمارية اليوم إذ تعمل على إجبار الأمم والشعوب الأخرى على اخذ أفكارها وطريقة عيشها وفرض ذلك بالقوة والترهيب وهذا دلالة على عدم ثقتها بأفكارها وقناعتها برفض الأمم والشعوب لحضارتها وهو مؤشر على فشل فكري وثقافي . إن ظهور حالة الفشل والانهزام هذه وبصورة واضحة جلية لا يتأتى إلا بتحرر الأمة من الاستعمار الغربي بكافة إشكاله تحررا يشمل النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية ونهضة الأمة من جديد وعودتها امة واحدة يجمعها كيان سياسي واحد يرعاها بأفكار ومفاهيم الإسلام ويحمل هذه الأفكار والمفاهيم إلى الأمم والشعوب الأخرى ويخرجها من الظلمات إلى النور ... وهذا ما بدأت بشائره وإرهاصاته تلوح في أفق بلادنا .