"وزارة خارجية بلا وزير، دبلوماسية في إفريقيا"

بقلم: د.دلال عريقات

في ظل نجاح وزارة الخارجية الإسرائيلية (وزارة بلا وزير مقيم) بإحياء علاقاتها الدبلوماسية والتجارية في المنطقة الإقليمية ابتداء من افريقيا، لتركيا، لقبرص، لمصر وصولا للباراغواي، نشهد على الجانب الفلسطيني تشتتا للجهد وضياعا للهدف الاستراتيجي الدبلوماسي الذي يدعو لحشد دولي للخروج بآلية ذات سقف زمني للوصول للهدف المنشود المتمثل بإنهاء الاحتلال والإعتراف بالدولة الفلسطينية. يطالب الفلسطينيون المجتمع الدولي بدعم المبادرة الفرنسية والمصرية والعربية ثم نفاجأ في القمة العربية في موريتانيا، طالب الفلسطينيّون الدول العربية بالتحرك لمحاكمة بريطانيا على تقديمها قبل ٩٩ عاما 'وعد بلفور' لليهود على حساب حقوقنا كفلسطينيين؛ المطلب طموح جدا وكان من الممكن تحقيقه بعد الحصول على الاعتراف بالدولة من خلال مطالبة بريطانيا باعتذار أو حتى تقديمها للمحاكمة وطلب تعويضات للشعب مثلما فعلت كينيا التي حصلت على تعويض بحوالي ٢٠ مليون جنيه إسترليني بقرار محكمة لندن ٢٠١٤!

فأنا لا أرى مشكلة في المطلب ولكن التوقيت سيّىء للغاية ففي الوقت الذي تحيي اسرائيل علاقاتها المنتهية مع الدول نقوم نحن بإعطاء ذرائع للدول العظمى لتكون عدوة لنا علنا متجاهلين أساسيات العلاقات الدولية المتمثّلة بصناعة الأصدقاء قبل أن نحتاجهم !

كان من الأجدى لفلسطين أن تنشغل بالأهداف المرحلية الفورية وتدرس أهدافها الإستراتيجية بعيدة المدى على مهل. كنت أتمنى مثلا لو طالبنا بضغط عربي لتحقيق مصالح آنية متمثلة بالإفراج عن الأسرى، بإطلاق سراح جثامين الشهداء، بإتخاذ خطوات جدية متعلقة بالاستيطان، رفع الحصار عن غزة، تخفيف الضغط على المعابر من الجهة المصرية أو الأردنية، أو النظر جديا لوضع القدس، أو احراز أي تقدم ملموس للحقوق في مناطق ج!

على خلافنا، الإسرائيليون لديهم استراتيجية دبلوماسية تعنى بزيادة عدد الدول التي تدعم الدولة الإسرائيلية؛ لقد حقق رئيس وزرائها نتانياهو الذي يشغل حقيبة الشؤون الخارجية، ثورة في العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية. دعوني أخذكم بجولة في حزيران الماضي لأؤكد لكم كلامي، ففي شهر تموز ٢٠١٦ وحده، عادت اسرائيل لأفريقيا شريكا طبيعيا لدرجة أن كينيا وغيرها ستدعم قبول دولة اسرائيل كدولة مراقب في الاتحاد الأفريقي! استطاعت اسرائيل في قمة أوغندا لمحاربة "الإرهاب" أن تقنع تنزانيا بفتح سفارة في اسرائيل واثارت إعجاب كل من تنزانيا وأوغندا وكينيا ورواندا وجنوب السودان وزامبيا وإثيوبيا وأخيرا نيجيريا. نتانياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور أديس أبابا منذ ٣٠ عاما! ووقعت اسرائيل اتفاقية مع غينيا لاستئناف العلاقات الدبلوماسية المنقطعة منذ ٤٩ عاما! فاسرائيل نجحت بتسويق نفسها كأفضل شريك لهم من حيث:

-مكافحة "الاٍرهاب" ومشاركة المعلومات الاستخبارية والتعاون التجاري والاستثمارات والخبرات والتفوق التكنولوجي والتقدم والازدهار الزراعي.

من الجدير بالذكر أن ثمانين من رجال الأعمال الاسرائيليين يمثلون خمسين شركة انضموا لنتانياهو في زيارته بهدف توقيع اتفاقيات تجارية مع شركات ودوّل افريقية! الدول الافريقية ترى في اسرائيل قوة عظمى تساعدها في حربها على "الإرهاب الإسلامي" المتطرف الذي يجتاح افريقيا.

إذا بحجة التعاون الإقليمي والتعاون الأمني والاستثمار استطاعت اسرائيل تطبيع علاقاتها ليس مع الدول الإفريقية فحسب وإنما مع قوى إقليمية وغيرها مثل الباراغواي التي قال رئيسها هوراسيو كارتس أن اسرائيل موجودة في قلب مواطني الباراغواي.

أما إذا نظرنا للبعد العربي؛ فغرد نتنياهو قبل أيام أن "اسرائيل اليوم في أوج تحول كبير للغاية في علاقاتها مع دول عربية مهمة في المنطقة" فَلَو اخذنا إيلات مثلا، هي ليست منتجعا سياحيا فحسب ولكنها توفر مئات فرص العمل للأردنيين العاملين في قطاع السياحة!

لقد تمكنت الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية من إقناع دول إقليمية بأنه في زمن صعود "الإسلام المتطرف" الشيعي بقيادة إيران والسني بقيادة داعش، أصبحت اسرائيل تمثل حليفا وليس عدوا كما كان في السابق. ودليل ذلك الاتفاق التركي/الاسرائيلي الذي أثار حفيظة بعض دول الجوار من مصر إلى قبرص؛ فزيارة وزير الخارجية المصري هي الأولى منذ ٢٠٠٧، فمصر لا تحتمل أن يأخذ الأتراك مكانها وتريد الحفاظ على دورها القيادي في إطار الجهود الرامية لتحقيق سلام إسرائيلي مع الفلسطينيين وسلام أوسع في المنطقةِ فاسرائيل لا تنكر أن معاهدتي السلام مع مصر والأردن هما حجر الأساس لسلام إقليمي.

قال نتانياهو "أن الأيام القادمة ستشهد مفاجآت لعلاقات عميقة لإسرائيل في المنطقة" حيث أستطيع التنبؤ بأن اسرائيل ستلعب دور الوسيط في حل مشاكل وتحقيق مصالح لدول المنطقة، شهدنا تعيين دايفيد جوفرين سفيرا جديدا لإسرائيل في مصر التي تسعى لاستعادة دورها الإقليمي الذي لا يعود من غير التركيز على القضية المركزية في المنطقة لذلك قدمت مبادرة سلام مصرية عربية عقب المبادرة الفرنسية. أما اقتصاديا، مصر لديها من المصالح ما يحتم عليها التحالف مع اسرائيل؛ تطمع مصر بتدخل إسرائيلي لاقناع أديس أبابا بالإبقاء على اتفاقية المياه حيث أن اثيوبيا حاولت أن توقع مع السودان اتفاقية مياه تقلص من المياه التي تصل نهر النيل عبر اثيوبيا! العلاقات الاثيوبية/الإسرائيلية توطدت كثيرا في الشهر الماضي ما يسمح لإسرائيل بأن تؤثر على اثيوبيا بعد الصفقات التجارية والاستثمارات والاتفاق على التعاون الأمني الإقليمي الذي يجمع البلدين.

كما أيقظ الاتفاق مع تركيا قبرص من غفوتها، فزيارة الرئيس القبرصي لإسرائيل والاتفاق بشأن محاربة "الاٍرهاب" والتباحث بشأن مخطط الغاز الطبيعي والتطورات الإقليمية لم يأتِ صدفة حيث انتهى اللقاء بتأكيد الرئيس القبرصي نيكوس اناستازيادس مع نتنياهو على ضرورة العمل القبرصي/اليوناني/الاسرائيلي لحل المشاكل العالقة بين قبرص وتركيا بوساطة إسرائيلية !

إذا نجحت وزارة الخارجية الإسرائيلية بدون وزير متفرغ أن تحقق مكاسب دبلوماسية، تجارية، سياسية وأمنية من خلال التخطيط والعمل حسب أجندات واستراتيجيات مدروسة متفق عليها وطنيّا