فتح معبر رفح متطلب أساسي لدعم الصمود في غزة

بقلم: د. هشام عورتاني

يثير الحصار المفروض على قطاع غزة، والمعاناة التي يلاقيها اهلنا هناك لدى خروجهم ودخولهم من المعابر الحدودية، قدرا كبيرا من القلق والالم، ليس فقط على المستوى الفلسطيني بل وعلى المستوى العربي والدولي ايضا. فمن الواضح بأن هذا الحصار قد تسبب بانعكاسات اقتصادية وانسانية هائلة لمليونين من السكان الفلسطينيين المقيمين على مساحة لا تتجاوز ٣٦٠ كيلومترا مربعا. لذا فقد كان معروفا ومنذ وقت طويل بأن تواصل السكان المقيمين في منطقة غزة مع محيطهم العربي ومع الدول الاخرى بشكل عام هو احد اهم مقومات البقاء، خاصة في ظل واقع يسوده فقر شديد بالموارد الاقتصادية المتاحة وتزايد مطرد في عدد السكان.

وكما هو معروف فان هناك ستة معابر حدودية تربط قطاع غزة مع الخارج، خمسة منها تحت السيطرة الاسرائيلية، وواحد يقع تحت السيطرة المصرية، وهو معبر رفح. وكما هو متوقع، فان السياسات المتعلقة بادارة المعابر التي تسيطر عليها السلطات الاسرائيلية كانت دوما تخضع لسياسة العصا والجزرة، اذ ان معبرا واحدا فقط يعمل حاليا هو معبر ايرز. وبالمقابل فان معبر رفح ظل لسنوات عديدة مفتوحا بحرية بحيث اصبح الرئة التي يتنفس من خلالها سكان القطاع. ولا شك بان ذلك كان تعبيرا قويا عن عمق العلاقات الاخوية التي تربط مصر مع الشعب الفلسطيني، ومع قطاع غزة بشكل خاص.

ولكن للأسف فان الحركة عبر معبر رفح اتخذت مسارا مختلفا في اعقاب الاضطرابات السياسية التي مرت بها مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لجأت السلطات المصرية الى اغلاق معبر رفح امام حركة الافراد والبضائع، واصبحت الحركة في المعبر تقتصر على فترات قليلة لا تتجاوز في مجموعها ٣٠ يوما في السنة. وبالطبع فقد تسبب هذا الاغلاق بمضاعفات اقتصادية واجتماعية بالغة على سكان القطاع، والذين شعروا بكثير من المرارة بسبب ان هذا الاجراء اتخذته القيادة السياسية في بلد هي الاقرب الى قلوب الفلسطينيين، وهي التي كانت ولا تزال الاكثر التزاما بدعم الشعب الفلسطيني.

ان السبب الرئيسي وربما الوحيد الذي تتذرع به السلطات المصرية لاغلاق معبر رفح هو تخوفها من احتمال استغلاله من قبل الجماعات الارهابية الموجودة على طرفي الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والاراضي المصرية. وللإنصاف فانه يجب الاعتراف بان التخوفات المصرية لها ما يبررها، خاصة على ضوء ما نراه وما نسمع عنه من اعمال جنونية تقوم بها بعض هذه المجموعات في صحراء سيناء. ولكن يجب مع ذلك ان نطرح تساؤلات جدية عن مدى استغلال هذه المجموعات لمعبر رفح لتحقيق اهدافها وخططها الاجرامية. فهل من المعقول ان يلجأ رجال المنظمات الارهابية للعبور من معبر يخضع لاجراءات امنية مشددة في حين يتوفر لديهم عدد لا يحصى من الانفاق التي اقيمت خصيصا لاغراض التهريب.

وعلى ضوء المعطيات السابقة فانه يمكن الافتراض بان هناك دوافع اخرى لدى السلطات المصرية لاغلاق معبر رفح، يبدو بأنها ترتبط بموقف هذه السلطات من الجماعات الاسلامية المتشددة، خاصة تلك المحسوبة على الاخوان المسلمين، مثل حركة حماس. وكما هو واضح فقد كان لدى القيادة المصرية منذ سنوات عديدة، وخاصة في اعقاب التحولات التي طرأت على الساحة السياسية في مصر، مشاعر سلبية عميقة ازاء سلطة حماس في غزة. بل يمكن الافتراض بان بعض كبار المسؤولين في القيادة المصرية كانوا ولا يزالوا معنيين بان تفشل حماس في ادارة قطاع غزة. ويبدو بأن تصوير ما يحدث في معبر رفح على انه من نتائج استيلاء حماس على السلطة في القطاع هو احد الوسائل التي تلجأ لها القيادة المصرية لتحقيق هذا الهدف.

واذا كان للمسؤولين في مصر وفي حركة حماس حساباتهم بالنسبة لكيفية ادارة معبر رفح، فان السؤال الذي لا مناص من طرحه هو حقيقة الموقف الذي تتخذه القيادة الفلسطينية من هذه القضية، خاصة على ضوء العلاقات الودية القائمة بينها وبين الاخوة في القيادة المصرية. فقد رأينا عبر السنوات الماضية عددا لا يحصى من اللقاءات بين كبار المسؤولين في مصر وفلسطين، وسمعنا في كل مرة كلاما جميلا حول العلاقات الاخوية السائدة بين الطرفين، ومع ذلك لم نرَ ولم نسمع عن اي جهد فلسطيني لاقناع المسؤولين المصريين بتصحيح موقفهم بالنسبة لادارة معبر رفح، بل ان هنالك بعض الهمس بأن للطرفين مصلحة مشتركة في خلق رأي عام يلقي مسؤولية اغلاق المعبر على حركة حماس.

مرة اخرى،اننا جميعا في فلسطين نؤكد على حق الاخوة المصريين في المحافظة على مصالحهم الامنية، بما في ذلك الحيلولة دون استخدام معبر رفح باي طريقة تسيء للأمن المصري. ولكننا على ثقة بان هنالك امكانية لتحقيق هذا الهدف بدون ان تتسبب الاجراءات المتخذة بهذا الخصوص بنتائج مدمرة على الطرف الفلسطيني. وفي جميع الاحوال فان علينا ان نتذكر بأن تعزيز صمود المواطنين على ارضهم هو الوسيلة الاهم المتاحة لنا لمواجهة مخططات الاحتلال في الاستيطان وتفريغ الارض من اصحابها.

اننا في فلسطين نعلق امالا كبيرة على دور الاخوة في مصر في دعم صمودنا على ارضنا، وفي مساعدتنا على مقاومة ضغوطات الاحتلال التي تستهدف تهجيرنا وتنفيذ المخططات الاستيطانية على الارض التي يتم تفريغها من اهلها. ومن الواضح بأن فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين سيكون خطوة مباركة وبالغة الاهمية لنجاح الجهود المبذولة لتحقيق هذا الهدف.