أيُّها الراقدون... فوق التراب

بقلم: إبراهيم دعيبس

ستكون معركة الانتخابات البلدية القادمة هامة بعد موافقة حماس والجهاد الاسلامي على المشاركة فيها، ونأمل ان تمر بهدوء وبموضوعية لكي يفوز من يستحق، والا يحدث اي تأجيل او تلاعب.

واذا كانت كل القوى توافق على هذه الانتخابات فلماذا لا يتم التوافق على انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، لكي يقول الناس كلمتهم ويختارون من يريدون بعد ان تعبوا من القيادات الحالية وشاخت معظم هذه القيادات. لماذا لا تكون الانتخابات مدخلا استراتيجيا واضحا لانهاء الانقسام بقرار من الشعب؟ وما الذي او من الذي يعيق اجراء انتخابات كهذه.

والجواب بسيط وواضح ومعروف، وهو ان كل طرف بل وكل شخص متمسك بموقعه ومصالحه وغير مستعد للتخلي عنها. الدنيا تتغير حولنا وتنقلب ضدنا على كل المستويات، وهم في سباتهم غارقون.

اسرائيل تبتلع الارض واعداد المستوطنين في تزايد وتهويد القدس فوق الارض وتحتها، لا يتوقف، ونتنياهو يعتقد او يحاول ان يقلب الحقائق، بالقول اننا الطرف الذي يعرقل السلام ويمارس الارهاب والعنف وان شخصيات كثيرة تحيط بالرئيس ابو مازن هي التي تحرض وتشجع العنف. وليس ما يقوله الحاخامات والوزراء وكبار المسؤولين الاسرائيليين ضد شعبنا وارضنا ووجودنا.

المشكلة الاكبر ان نتنياهو المعروف بغطرسته السياسية وتعاميه الواضح عن الحقائق، لم يعد الوحيد في الذي يقوله. لقد اصدرت اللجنة الرباعية تقريرا مدمرا تبنت فيه وجهة النظر الاسرائيلية كليا. والرباعية هذه تمثل العالم كله: الامم المتحدة الاتحاد الاوروبي واميركا وروسيا. بل ان مبعوث الامم المتحدة نيكولاي ميلادينوف يقول ان العنف الفلسطيني هو احد الاسباب الرئيسية الذي يمنع العودة الى المفاوضات لايجاد حل.

والاسوأ ايضا، ان عدة دول عربية بدأت ترى في اسرائيل حليفا ضد ايران وصديقا يمكن التعاون معه بالعلاقات والتطبيع. وهذا ما نلمسه جميعا ويؤكده نتنياهو رسميا وبعض المسؤولين العرب السابقين .

اذن نحن سياسيا امام دائرة مغلقة من الرباعية والامم المتحدة وبعض الدول العربية ، وامام دائرة مدمرة من الحروب والتخريب والتدمير في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها.

على المستوى الداخلي الفلسطيني نواجه اوضاعا لا تقل سواء: تنتشر الفوضى الاجتماعية المسلحة بالرصاص والسكاكين غالبا، والاستهتار بكل القوانين والمفاهيم الاخلاقية او الاجتماعية. ولا يكاد يمر يوم دون وقوع حوادث وخلافات وطوش وفزعات وسقوط ضحايا .. وتتعرض اجهزة السلطة ووزرائها احيانا لمثل هذه الاعتداءات والفلتان.

نحن كذلك تنتشر بين شبابنا البطالة بشكل كارثي. هناك عشرات الاف الجامعيين بلا عمل، وكذلك غير الجامعيين وهم اكثر عددا. وهناك عشرات الاف الموظفين المقترضين من البنوك لشراء بيت او سيارة او اثاث منزل او حتى القيام برحلة، ورواتبهم مرتهنة هم وكفلاؤهم لدى البنوك واوضاعهم حساسة وصعبة.

وبهذا الوضع تكتمل دائرة الاغلاق علينا ويتساءل كل الناس : ما الذي ننتظره والى متى يطول الانتظار. ولماذا لا تتحرك القيادات وتدرك ان الخطر يهدد الجميع.

ان الركض وراء المصالح الشخصية او المكاسب الذاتية لن يودي بالراكضين الا الى الانهيار، سواء من تلقاء ذاتهم او ، وهو الارجح ، بالثورة الشعبية المحتملة ضد كل شيء.

شعبنا الفلسطيني يحس بالاختناق ودماؤه تغلي في عروقه رغم ما يبدو عليه من هدوء وعدم قدره او حيله.

اتذكر ما قبل الانتفاضة الاولى حين كان الناس يعملون واكثر هدوءا من اليوم واقل توترا، ولم يكن احد يتوقع حدوث شيء، الى ان فاجأت الانتفاضة بكل معطياتها الايجابية المجتمع كله كما فاجأت الاسرائيليين وقلبت المعادلات.

انا ارى اليوم اننا امام اوضاع كتلك الاوضاع .. وان على الراقدين فوق التراب، من قيادات يمين ويسار ووسط، ان تتحرك .

«السلطان» اردوغان

كثيرون فرحوا حين بدأت تتوالى اخبار الانقلاب في تركيا وكثيرون غيرهم فرحوا عند سماعهم بفشل الانقلابيين واعتقالهم. والسبب واضح فالرئيس اردوغان ودور تركيا الاقليمي في المنطقة هما موضع خلافات واسعة. انقرة متهمة كأكبر شريك في عملية تدمير سوريا وهي تقود التيار الاسلامي بالمنطقة والعالم تقريباً.

على المستوى الداخلي تحسن اقتصاد تركيا كثيراً تحت حكم حزب العدالة والتنمية وقيادة اردوغان. ولكنه بدأ يتحول من مجرد رئيس الى سلطان عثماني بكل المفاهيم. بنى قصراً فخماً اثار جدلاً واسعاً. خطا نحو تعديل الدستور ليعطي للرئيس صلاحيات فائقة...واعتقل عدداً من معارضيه واغلق مؤسسات اعلامية...وحارب بطرق مختلفة كل من عارضه بمن فيهم رئيس وزرائه السابق داود اوغلو.

في الايام الاخيرة ضرب الارهاب اسطنبول وبدأ اردوغان بإعادة رسم سياسات بلاده الخارجية ابتداء من التطبيع مع اسرائيل وصولاً الى تصريحات شبه ايجابية عن الرئيس الاسد واحتمالات بقائه بالسلطة.

محاولة الانقلاب وان قضى عليها، ستترك اثراً كبيراً عليه وعلى سياساته الداخلية وستؤدي الى خلافات متزايدة وقد تفرض عليه اعادة تقييم هذه السياسات مرة اخرى، وبالتأكيد فإن دوره لن يظل قوياً كما كان.

المجزرة في «نيس»

المجزرة الارهابية في نيس ليست الاولى من نوعها وان كانت الاولى في اسلوبها. فقد شهدت عدة مدن اوروبية حوادث كهذه، وعالمنا العربي يشهد كل اسبوع تقريباً جرائم كهذه وكان اخيرها وليس آخرها، وافظعها ما جرى في منطقة الكرادة في بغداد حيث قتل اكثر من ٣٠٠ شخص.

ومجزرة نيس وغيرها، هي دليل على وحشية الارهاب وابتعاده عن كل ما هو انساني واخلاقي اذ كيف يقبل بني ادم ان يقود شاحنة ويدهس كل من هو حي امامه من اطفال ونساء ورجال وموظفين وسياح. وكيف يفجر نفسه في سوق شعبية تمتلىء بالناس المساكين او الباحثين عن لقمة عيش او المتسكعين في المقاهي والبطالة. اية عقلية واي دافع يبرر ذلك واي دين يقبل بذلك...لا احد يقبل ولا احد يفهم..ولكن الارهاب متزايد..والمستقبل مظلم.

ان العالم المنحاز، تفيض مشاعره اكثر حين يكون التفجير في دول غربية وبشكل اقل كثيراً حين يكون الارهاب في الدول العربية. وفي كل الاحوال فإن تفجير نيس سيؤدي الى مزيد من العداء لكل ما هو ومن هو عربي او مسلم وسيقوي اليمين الاوروبي ويعمق الاسلاموفوبيا.

خواطر مسافر

احب مصر وشعبها الطيب كثيراً. وقد زرتها اكثر من مرة وكانت لي ذكريات مختلفة في كل مرة ابتداء من مشاهدة عبد الناصر وهو يخطب الى زيارة كل الاماكن التاريخية وحضور الحفلات والسهرات.

في احدى المرات كنت وصديق ارمني نتجول في ميدان الحسين قرب جامع الحسين وعند مدخل خان الخليلي الشهير. كان الميدان مكتظاً بالحضور والباعة يصرخون بأعلى اصواتهم والناس يتحدثون ويتضاحكون.

قابلتنا امرأة معها طفل بالعاشرة من عمره تقريباً، وطلبت مساعدة مقابل مناديل من ورق كانت تحملها. اعطيتها اقل من خمسة جنيهات وبقيت المناديل معها. التفتت الى صديقي الارمني فقال لها: «هلا عطاك...خلص»...الحّت عليه ولم يستجب لها..فجأة امسك الطفل برجل صديقي وبدأ يصيح بأعلى صوته: انت فين يا بابا، ما بتيجيش ليش. يا حبيبي يابا» وكرر الصرخات وصار الكل يتطلع الينا واعتقد ان صديقي هو والده الذي اهمله فعلا.

اضطر لان يعطيه عدة جنيهات فأخذتها الام وهي والناس يضحكون.